▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 101: رامون (2)
…
حدّق وايا في بيوتراي بحيرةٍ ظاهرة، لكن الأخير اكتفى بعبوسٍ خافت وهو يومئ بيده بإشارةٍ خفيّة.
كان رامون يحدّق في أمير الكوكبة، كأنّه لا يستطيع سبر غوره.
(ما الذي يفعله؟)
فركَ تاليس صدغيه وهو يبتسم محدّقًا برامون. "ويلو يقول إنك من العاصمة، أهي مدينة النجم الأبدي؟ لقد قلّبتُ ذات مرّة في سجلّ الأطباء في دار المدينة… لكن لِمَ لم أسمع باسمك قط؟"
قطّب بيوتراي حاجبيه وهو واقفٌ إلى جانبه.( منذ أن صار الأمير معترفًا به علنًا، وهو مقيمٌ في قاعة مينديس، فمتى زار دار المدينة؟)
(بل ومتى قلّب في سجلّ الأطباء؟)
(يا للهول، العاصمة بأكملها وضواحيها تعجّ بمئات الأطباء على اختلاف مهاراتهم وسمعتهم!)
ابتسم رامون ابتسامةً محرجة.
"آه، إنني أعالج بعض الفقراء القلائل فقط، وأتقاضى أجرًا زهيدًا… لذا، ربّما لم يُدرج اسمي في السجلّ…"
قطّب تاليس قليلًا ثم ما لبث أن ارتسمت على وجهه ابتسامة.
"الفقراء، أليس كذلك؟" أجابه الأمير الثاني بنبرةٍ صريحة، "إذًا، أظنّ أنّ مكان عملك في مقاطعة المدينة السفلى، أليس كذلك؟"
ظلّ يرمقه بنظرةٍ حادّة وهو يداعب صدغيه بإصبعه.
أومأ رامون بتصلّبٍ واضح. "آه… نعم… يعيش هناك كثيرٌ من الفقراء… لقد ذهبتُ مرّةً إلى المقاطعة السفلى الثانية لـ—"
لكنّ الأمير الثاني لم يدعه يُكمل.
تنفّس تاليس بخفّة. "وقد سمعتُ أيضًا أنّ تلك المنطقة خاضعةٌ لعصابة قوارير الدم، أليس كذلك؟"
توقّف نَفَس رامون دون أن يشعر.
"رغم أن الحديث عن ذلك أمامك غير لائق… إلا أنّ نشاط العصابات حقًا مستشرٍ في المقاطعة السفلى."
كان رامون يرمق محيطه بحذرٍ بالغ، دون أن ينتبه أنّه صار يُجيب تلقائيًّا عن جميع أسئلة تاليس.
حرّك تاليس أصابعه بخفّة وحدّق في رامون بنظرةٍ تُشعر المرء بعدم الارتياح.
"قل لي إذًا، إن أُصيب أحد أفراد عصابة قوارير الدم أو مرض، أكان يلجأ إليك للعلاج، أيها الطبيب رامون العزيز؟"
وما إن أنهى كلماته حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ نقيّة صافية تليق بطفلٍ في السابعة، وهو يحدّق مباشرةً في رامون.
"كيف يكون ذلك؟ نحن لا نجرؤ على مخالطة أولئك المنتمين إلى العصابات." قال رامون محاولًا تغيير الموضوع بارتباك.
"يا صاحب السمو، اعذرني على صراحتي، إن حالة الرجل الراقد على السرير سيئة… فكيف لو أننا—"
"آه، أحقًّا؟" قطع تاليس كلامه بابتسامةٍ مفعمة بالمرح.
"لكنّك لا تفكّر هكذا في أعماق قلبك."
جمُد رامون للحظة.
أعماق قلبي؟
ثم جاءت كلمات تاليس التالية لتُوسّع عينيه دهشةً.
"يبدو أنّك عالجتَ كثيرًا من أفراد العصابة من قبل."
ضغط تاليس بيده على صدغه بينما حرّك يده الأخرى، كأنّه يحاول جاهدًا استحضار شيءٍ في ذاكرته.
"همم، رجلٌ يحمل سكينًا… آه، ذلك الرجل بدا قاسيًا جدًّا، لكنه لم يكن يحبّ الكلام… غير أنّ هذا طبيعي في أوساط العصابات…"
تبدّل وجه رامون على الفور إلى ملامح غريبة.
(يحمل سكينًا، قاسٍ، قليل الكلام…)
ارتسمت صورةٌ تطابق الوصف في ذهنه.
(لكن كيف عرف ذلك الوغد الصغير…)
كان تاليس يرمقه بنشوةٍ خفيّة.
"ما اسمه… لايورك؟
يبدو أنه كان يأتيك كثيرًا لعلاج جراحه. وبناءً على هيئته، أهو قاتل مأجور؟"
تبدّل وجه رامون فجأة.
لايورك القاتل.
القاتل الصامت من الجنرالات الثلاثة عشر للعصابة، الذي يعامل أعداءه بالقسوة ذاتها التي يعامل بها نفسه.
لقد عالج رامون جراحه المريعة مرارًا بعد معارك طاحنة.
(لكن… كيف علم؟)
كان بيوتراي والآخرون يتبادلون نظرات الدهشة جانبًا.
(ما الذي يحدث؟)
"دعني أرى… غرفة نومٍ مزدانة بالسواد، ولوحة طبيعةٍ ساكنة لفاكهةٍ، ومزهريةٌ معلّقة فوق الموقد…"
أغمض تاليس عينيه وشدّ أسنانه كمن يستجلب ذكرى بعيدة.
"آه، كم كان الدم كثيرًا. جرحٌ بالسكين في الكتف الأيسر… يا للهول، كان يتألّم بشدّة حتى كاد يطحن أسنانه من الوجع. كان يمسك بتلابيبك ويتمتم عن ’الإبرة السامّة‘ و’سوط العقرب‘…
ومن تلك المرأة الباكية؟ كانت جميلةً جدًّا… اسمها… فيليسيا؟"
قبض رامون على أسنانه بإحكام.
(أليس هذا أميرًا عاش مدلّلًا بين جدران القصور؟)
(كيف عرفَ تفاصيل علاجي للايورك منذ عام؟)
(حين خرج ذاك الأخير لاغتيال هدفه وتعرّض لكمينٍ من عصابة قوارير الدم؟)
(أمن إدارة الاستخبارات السريّة جاءه الخبر؟)
(لا… هذا مستحيل…)
شحب وجه رامون وتجمّد قلبه بينما ومضت في ذهنه فكرةٌ مرعبة.
(لقد علم حتى بتفاصيل مقرّ العصابة وغرفة لايورك…)
(وتلك الفتاة الباكية فيليسيا…)
"لا تتوقّف، أيها الطبيب." تابع تاليس فرك صدغه، وفتح عينيه بابتسامةٍ ماكرة.
"تذكّر سريعًا، مَن من أفراد العصابة عالجت من قبل؟ هل كان بينهم من ذوي المراتب العليا؟ تذكّر… نعم، هذا جيّد…"
(العصابة… ذوو المراتب العليا..)
شعر رامون أن جسده بدأ يرتجف قليلًا.
"رجلٌ سمين… ما كنتَ تدعوه؟ موريس؟ لمَ كان يحبّ لقاءك دومًا عند باب الحانة الخلفي؟ كان يأتي أول الأمر ومعه كلبٌ قبيح، ودائم الابتسام. أكان مقرّبًا منك؟"
كأنّ رامون سقط في بئرٍ من الجليد.
(موريس من الستة الاقواياء؟)
(كان هو صلتي في تلك المسألة فعلًا.
ومكان اللقاء السرّي كان خلف حانة الغروب…)
(لكن… كيف؟
كان موريس يحرص كلّ مرّة على تأمين المكان بنفسه…
إلّا أن…)
لم يشأ التفكير في تلك الاحتماليّة.
حاول جاهدًا تصفية ذهنه، لكن كلمات تاليس كانت تستدرّ الذكريات رغماً عنه.
"لنلقِ نظرة على بعض الذكريات المثيرة…"
ذكريات؟
"هاه، إنّه رجلٌ ضخم الجثة؟" قال تاليس بابتسامةٍ بطيئة، "يبدو شرسًا، وقبيح الملامح، وسريع الغضب.
وقد أُصيب في… موضعٍ حسّاس. مسكين… أعنيك أنت أيها الطبيب! فقد اضطررتَ إلى معالجة جراحه!
آه، لأن والده كان فظًّا شديد القسوة، أليس كذلك؟"
اتّسعت عينا رامون بدهشةٍ مطلقة وهو يحدّق في الأمير الغامض.
(أيعرف هذا أيضًا؟)
"تذكّر بسرعة، ما اسمه؟ آه، رودا؟"
ضحك تاليس ببطء.
"أهو أكثر مرضاك إزعاجًا؟
كوايد رودا؟"
ازداد الارتباك على وجوه بيوتراي ووايا والآخرين.
فتح رامون فاه غريزيًّا، وقد تبلّلت راحتاه عرقًا.
(كوايد؟ ابن رودا؟
نعم، كنت أنا من فحص جراحه وعالجها.)
(لكنّ هذا الأمر كان سرًّا دفينًا، لا يعرفه سوى قادة الصفّ الأعلى في العصابة…)
(مسألةٌ من أشدّ الأسرار كتمانًا…)
"كيف علم الأمير بهذا؟"
تجمّد رامون في مكانه وهو يحدّق بتاليس.
تنفّس تاليس الصعداء وبسط قبضته اليمنى، حدّق في رامون وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.
"لا تندهش، فهذه قدرتي النفسية."
"نعم، يا دكتور رامون."
في اللحظة التالية، ابتسم تاليس وقال بعبارة بسيطة لكنها فعّالة لرَامون المذهول. "إنني أقرأ الأفكار."
تجمّد رامون في مكانه وقد خيّم الفراغ على ذهنه وهو يحدّق في تاليس.
تابع تاليس بابتسامة مشرقة.
"أستطيع أن أقرأ كل أفكارك."
«قراءة الأفكار.»
بيوتراي، ووايا، ورالف، اتسعت أفواههم ذهولًا وهم يحدّقون في الأمير الثاني.
أمّا آيدا، فقد عبست بشدة وهي تحدّق في مؤخرة رأس تاليس.
«قراءة الأفكار؟»
انعكست على وجه رامون صراعاته الداخلية، وانبثقت من تعابيره أقصى درجات عدم التصديق.
(لا. حتى في مذكّرات برج الأرواح… قراءة الأفكار هي المجال الأكثر عصمةً عن اللمس. ومع ذلك، فهو في السابعة أو الثامنة فقط من عمره، ولديه بالفعل مثل هذه…
لا.)
هزّ الطبيب الغريب من الأخوية رأسه بلا وعي.
أدار تاليس رأسه نحو بيوتراي ووايا ورالف والآخرين في المعسكر، كانت وجوههم جميعًا مصدومة.
لكن آيدا التي كانت واقفة على الجانب، شبكت ذراعيها فوق صدرها، وتبدّت على ملامحها نظرة شك.
"أرجو أن تُبقوا هذا سرًّا لأجلي." ابتسم تاليس ابتسامة باهرة. "لم يُرِد أن يعرف أحدٌ أنه درّبني على استخدام هذه القوة…
لكنني أثق بكم جميعًا."
"درّبك؟" تساءل بيوتراي بعدم تصديق، "من؟"
"من غيره يكون؟" ضحك تاليس بمرح، وأدار رأسه.
نظر إلى رامون الذي ارتسم الخوف على وجهه، ونطق بالاسم بلهجة مرحة مطمئنة.
"مورَات هانسن."
صمتٌ مطبق.
الكل في الغرفة كان يحدّق في تاليس بدهشة، كأنه وحش من عالمٍ آخر.
أما رامون، فظلّ مدهوشًا، يحدّق بتاليس بعينين جامدتين.
(مورَات هانسن.)
كان يعرف معنى هذا الاسم.
معلّم لانس. كابوس كوكبة النجوم طيلة الخمسين عامًا الماضية. الأفعى في ليل الظلام. رئيس جهاز الاستخبارات السرّي.
(مستحيل. أمير كوكبة النجوم الجديد هو تلميذ النبي الأسود؟)
بالطبع، كان هذا محض مقامرة في قلب تاليس.
(مورَات كان أكثر مهارة في استخدام ما يسمّى "القوة" هذه. كان يستطيع كشف الكذب من ملامح الشخص ليقوده إلى السؤال التالي.)
لكن لحسن الحظ، كانت الورقة التي بيده ليست رديئة.
بدأ الجميع في المعسكر يدركون ما يجري.
"لكنّك لم تقل أبدًا…" عقد بيوتراي حاجبيه، "من كان ليتوقّع أنك تتّبع النبي الأسود…"
"آه." تنفّس تاليس بخفّة. "تعلمون، في النهاية، قدرةٌ نفسية مثل قدرتي نادرة للغاية."
"لندخل في صلب الموضوع." عاد تاليس إلى هيئة الصبي الوديع ذي السبع سنوات، ففرك صدغيه وابتسم قائلًا: "هيا، فكّر مليًّا في هويتك الحقيقية، يا دكتور رامون.
لن تمانع إن أخبرتني بها، أليس كذلك؟"
ارتجف رامون قليلًا وهو يحدّق في الأرض بشرود.
(هويتي؟
لا.
هويتي…
إن كشفتها… فستفضح الأخوية… وتفضح ذلك الشخص…
لا!
لا بدّ ألّا أفكّر فيها.
لا بدّ ألّا أفكّر فيها!)
"إذن، هذه هي هويتك." فرك تاليس أصابعه على صدغيه وحدّق في رامون المتوتّر الشارد الذهن، ثمّ ابتسم ابتسامة الظفر. "ليس عجيبًا أنني لم أتذكّر اسمك حتى بعد قراءتي لقائمة الأسماء."
ضيّق تاليس عينيه.
"إذًا، لستَ الطبيب السرّي في الأزقّة الخلفية الذي يعالج أفراد الأخوية فحسب، بل أنت أيضًا عضوٌ في أخوية الشارع الأسود الملقّب بالطبيب الغريب… كورب سرْكا رامون."
تدلّت يدا رامون إلى جانبيه دون أن يشعر.
(اسمي الكامل…)
أنزل تاليس إصبعه وتكلم في نفسه.
(هذا كل ما أعلمه، آمل أن يكون كافيًا.)
لم يكن أحدٌ ليُلقي بالًا إلى طفلٍ متسوّلٍ يعيش تحت الرقابة الشديدة، يُضطرّ كل يوم إلى التماس الطعام والوسائل للبقاء طيلة أربع سنوات قضاها بين أفراد الأخوية.
لذا، فقد كان بوسعه دائمًا أن يكتشف أسرارًا كثيرة دون أن يثير انتباه أحد.
فعلى سبيل المثال، كان يستطيع أن يزحف بجسده الضعيف الهزيل عبر جحر الكلاب، ليتنصّت على شجار لايورك وفيليسيا فايريس… أقصد، لاكتشاف الأسرار في غرفتهما، لأن غرفة لايورك كانت عند زاوية المنزل الكبير، وهي أيضًا الغرفة الأبعد نحو الخارج.
ومثال آخر: كان ينتظر في الزقاق خلف حانة الغروب، يراقبها طويلًا، فإذا تأكّد أن لا أحد فيها مثل موريس وكلبه الذئبي الغاضب، تسلل إلى الداخل لينبش في قمامتهم اليومية.
لكن أكثر من شدّ انتباهه هو الطبيب الغريب ذو الملامح الغريبة الفريدة الذي يقف الآن أمامه.
الطبيب الغريب رامون.
لم يظهر كثيرًا بين أفراد الأخوية، وكان يغطي رأسه كل مرة يظهر فيها.
ومع ذلك، لا تستخفّ بذاكرة الطفل المتسوّل وقدرته على تمييز الناس.
فمن أجل البقاء، كان عليهم أن يميّزوا هيئة كلّ مارٍّ أو ملامحه، علّهم يظفرون بفرصة ضئيلة للحياة.
أيّهم فقير، وأيّهم غني، وأيّهم عامل، وأيّهم يعيش برخاء، وأيّهم يُمكن السرقة منه، وأيّهم لا يُمكن سوى الاستجداء منه، وأيّهم خطرٌ لا يمكن الاقتراب منه… ناهيكم عن "التحيات الحارّة" التي يتلقّونها من السفلة… وأيّهم من جماعتهم.
"من الأفضل أن تختفي من أمامه حين تراه، أتفهم؟" هكذا قال كوايد وهو يقبض على ياقة صبيٍّ مسكين.
كان الطبيب الغريب دائمًا يظهر بعد وقوع حادثٍ كبيرٍ في الأخوية. حين يأتي، تفوح منه رائحة الدواء، وحين يغادر، تفوح منه رائحة الدم. كان واضحًا أنه يعالج الجرحى.
في يومٍ من الأيام، تأخّر تاليس في العودة بعد أن أنهى حفر النفق السرّي. استلقى على بطنه بجانب الطريق، ورأى لايورك يُحمل عائدًا، وعلى كتفه جرحٌ مروّع لا يتوقف نزيفه.
والشخص الذي ظهر بعد ذلك كان رامون.
منذ تلك اللحظة، حفظ الطفل المتسوّل تاليس هيئة ذلك الرجل في ذاكرته.
والآن، وقد صار أميرًا، ما زال يتذكّرها بوضوح.
أما كوايد، ذاك السكير الذي صار اسمه ذكرى بعيدة حتى كاد تاليس ينساها، فكان يذهب إلى "فحوصات جسدية" بانتظام، لكنّه دومًا يعود تفوح منه رائحة ذلك الطبيب الغريب المميّزة.
وفي كل مرة يعود فيها من "فحصه"، كان يغضب ويسكر بإفراط، وأثناء ضربه للأطفال المتسوّلين، كان يذكر أحيانًا الاسم الكامل للطبيب الغريب:
كورب سرْكا رامون.
دفن تاليس ذكريات الماضي عميقًا في أعماق عقله.
ومن المؤسف أن "قراءة الأفكار" الغامضة هذه لم تكن نافعة سوى مع رامون.
كان رامون غارقًا في العرق البارد، ثم تنفّس بارتياح.
(لحسن الحظ.
لحسن الحظ أنه لم يكشف هويتي الحقيقية…
ذلك السرّ القاتل…)
"انتظر."
راقب تاليس ملامح رامون وهزّ رأسه ببطء.
"يبدو أنّ هويتك ليست بهذه البساطة، أليس كذلك؟"
هذا مؤكد، فكّر تاليس في نفسه بصمت، أنا لا أعرف سوى اسم رامون ولقبه، ولكن كيف يمكن لرجلٍ يتردّد على الأخوية ويجتمع بكبارها دومًا أن يكون مجرد طبيبٍ بسيط؟
"أيمكن أنّ لديك أسرارًا أخرى؟" سأل بصوت خافت.
نظر إليه تاليس بنظرةٍ عميقة، ورفع إصبعه ببطء. "هيا، فكّر جيدًا بالأمر."
بدأ رامون يرتجف دون تحكّم.
كان المشهد غريبًا بعض الشيء.
شيخٌ طاعنٌ في السن يرتعد أمام صبيٍّ مجنون.
أسرار أخرى… لا.
"لا!"
صرخ رامون، فارتعد خوفًا وهلعًا.
لم يجرؤ على مواجهة نظرات تاليس، فانحنى برأسه خائفًا.
"أنا…
أرجوك… أرجوك، توقف…
أنا…"
ضيّق تاليس عينيه.
"لا تندهش كثيرًا، لقد رأيت الكثير من الوجوه التي تحمل هذه الملامح." مدّ تاليس ذراعيه فوق رأسه.
ثم أدار عنقه ببطء وهمس برضا: "من المجرمين… إلى الملك."
عضّ رامون شفته بألم.
ثبّت تاليس نظره عليه. "بصراحة، أنا أمير الكوكبة، الوريث الوحيد لهذا البلد، أمّا أنت فلا تتعدّى كونك رجل عصابات.
أنا لست مهتمًا بك على الإطلاق.
ولا تهمّني أسرارك.
لكن حين يتعلّق الأمر بأشياء تمسّني…"
تابع بصوتٍ منخفض،
"فقبل أن أمزّق أكاذيبك الغبية وأستخرج كلّ أسرارك القذرة من دماغك… يا دكتور رامون، أخبرني لماذا تصرّ على مرافقتنا إلى الشمال؟
كي لا أضطرّ إلى الحفر في عقلك مجددًا بحثًا عن حقائق مملة أخرى…"
تجمّد رامون مكانه.
نعم… وكل تلك… الأسرار.
"أفهم، يا صاحب السموّ." قال رامون متألّمًا، "سأكون صريحًا بشأن هدفي…"
"شكرًا على تعاونك. في النهاية، من الصعب استخدام هذه القدرة على قراءة الأفكار… لا أستطيع الحفاظ عليها إلا لفترة قصيرة." تنفّس تاليس بعمق ووضع يده اليمنى جانبًا، وابتسم بخبث، "سيتعيّن عليّ الانتظار حتى الغد قبل أن أتمكّن من استخدامها مجددًا."
ارتجف رامون قليلًا.
"آه، وبالمناسبة، يمكنك البدء بعلاج الجرحى." أشار تاليس إلى تشورا بابتسامة. "لقد أضعنا وقتًا كافيًا بالفعل."
انحنى رامون برأسه كئيبًا.
بينما كان الآخرون يحدّقون في أميرهم بوجوهٍ مختلفة، كأنهم يرونه للمرة الأولى.
…
"عصابة قوارير الدم؟ نيكولاي وكاثرين؟" عقد تاليس حاجبيه.
وراءه، ارتجف رالف غريزيًا.
كاثرين… الأخت الكبرى؟
"نعم، إنني أختبئ منهما." أجاب رامون بوجهٍ غامض، وبين يديه زجاجة دواء ومقصّ وضمادات يعالج بها جراح تشورا. ألقى بنظراتٍ حذرة نحو تاليس بين الحين والآخر، وعيناه تحملان ذعراً خفيًّا. "بالطبع، لم تسمع بهذه الأسماء من قبل…"
انبثقت فكرة في ذهن تاليس.
تذكّر الرجل الضخم ذا الرداء الأحمر نيكولاي، ومعركته مع إستْرون في قصر الكرمة.
"لقد طاردوني ستة أو سبعة أيام، ثمّ اختبأت في الحصن… لكن الأمر مسألة وقتٍ قبل أن يعثروا على مكاني. فطالما أنهم يحرُسون الأطراف، فسيمسكون بي في النهاية."
"وفوق ذلك، إكستيدت والكوكبة على وشك الحرب… إن صادفت جيشًا من أيّ الطرفين وحدي في الخلاء، فلن يكون مصيري أفضل من الوقوع في أيدي عصابة قوارير الدم…"
"إذن، عندما جئنا إلى هنا نبحث عن طبيب، خطرت لك فكرة مفاجئة، فقرّرت أن تغادر حصن التنين المحطّم تحت حمايتنا؟ وسترحل بعد أن نصل إلى إكستيدت؟"
أومأ رامون بمرارة.
هذا مريب جدًا، فكّر تاليس في نفسه.
لماذا يأتي طبيبٌ سرّي يكسب عيشه في العاصمة إلى حدود بلدين؟
"كان هناك أحد الأعضاء مصابًا عند الحدود." قال رامون بصوت خافت ولم يجرؤ على النظر إلى تاليس. "جئت لعلاجه… لكن عصابة قوارير الدم اكتشفتني."
هذا غير منطقي.
(أيعقل أن يكون طبيب عصابةٍ بسيطًا مهمًّا إلى درجةٍ تجعل عصابة قوارير الدم ترسل رجالها بلا تردّد لتطارده بشراسة طوال ستة أو سبعة أيام متواصلة؟)
هناك أسرار أخرى.
(ومن المؤسف أنني قلت له للتو إن قدرتي على قراءة الأفكار لا أستطيع استخدامها مجددًا قبل الغد… وإلا لأخفته أكثر.)
أومأ تاليس.
"تابع علاجك، ما دمت صادقًا، فربما أعيد النظر في طلبك."
أومأ رامون باستسلام.
تنفّس تاليس بعمق وقفز من الكرسي، لكنه شعر فجأة بأنّ ساقيه قد خَدِرتا.
ولحسن الحظ، أمسكه وايا ورالف قبل أن يسقط.
(تبًّا، جلست وقتًا طويلًا أثناء تمثيلي ذاك الآن.)
وقف تاليس بصعوبة، لكن تلك الموجات التي كانت قد ظهرت بعد "موته" الأخير عاد ثانيةً في جسده وبدّد خَدَر ساقيه.
صحيح. ضرب ساقه بخفة بقلق. تلك الموجات وتلك القوة هما أصل المشاكل. في كل مرة أشعر بها، تقوّيني في لحظة، لكن بقدرٍ ضئيل… يكفي فقط لقطع حبلٍ أو نحو ذلك.
لكن… ما هي بالضبط؟
أمعن تاليس في التفكير بقلق.
تلك الرؤية التي تشبه جهاز استشعار حراري بدت في الواقع مذهلة للغاية…
وجّه تاليس الموجة لتتدفّق نحو منطقة عينيه.
فانطلقت الرؤية الخاصة مجددًا.
استدار برأسه، فرأى نورًا متوهّجًا يشعّ من أجساد الجميع.
كان لدى آيدا ضوءٌ أبيض ساطع، ووايا يشعّ بضوءٍ رماديٍّ نافذ، أما بيوتراي فكان مغمورًا بضوءٍ بنفسجيٍّ لطيف، ورالف يشعّ بضوءٍ أخضر باهتٍ لا يخبو.
(أهي قدرات مختلفة؟ أم دلائل الحياة؟ أم خصائص طاقاتهم؟)
جرّب تاليس رؤيته بفضول.
وأدار نظره في أرجاء المعسكر.
وفي اللحظة التالية، تجمّد في مكانه.
فبواسطة الرؤية التي منحته إياها الموجة، رأى مشهدًا لا يُصدّق.
كان ضوء تشورا الساطع يخبو ويقوى، كوميضٍ آيلٍ للانطفاء في أيّ لحظة.
لكن رامون…
لم يكن حوله أيّ ضوءٍ مشعّ.
بل كان يشعّ بوميضٍ غامضٍ داكنٍ يتردّد بتناسقٍ مع محيطه.
غير أن هذا لم يكن أكثر ما أذهل تاليس.
رأى رامون يضغط برفقٍ على جرح تشورا،
وانسابَت خيوطٌ من جسيمات الضوء المرتجفة عبر جرح تشورا لتتجمّع في كفَّي رامون.
تغلغلت تلك الجسيمات في الجرح المتقرّح واحدًا تلو الآخر،
ومع كلّ مرة تتسرّب فيها، أصبح ضوء تشورا أكثر ثباتًا وسطوعًا،
كأن مريضًا يحتضر يبدأ ببطء في التعافي.
حدّق تاليس في رامون مدهوشًا.
الآخرون لم يروا شيئًا بسبب الضوء،
لكن بفضل الرؤية التي منحته إياها الموجة، رآه بوضوح…
الطبيب الغريب كان واقفًا في زاوية مظلمة من المعسكر، وشفاهه ترتجف بشكلٍ واضح، وكأنه يتمتم بشيءٍ ما.
كانت جسيمات الضوء التي تتسلّل من جسد تشورا تمرّ بإيقاعٍ عبر يدي رامون ثم تعود إلى جسده لتكمل دورةً متواصلة،
وخلالها كلّها كان رامون يردّد ترنيمةً بنغمةٍ ثابتة.
عقد تاليس حاجبيه بقوة.
هذا بالتأكيد ليس علم الطبّ.
قطعًا ليس كذلك.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬