ريند: الدورة السابقة الفصل 3 — 1.3

اقرأ ريند: الدورة السابقة الفصل 3 — 1.3 باللغة العربية على مانجا تايم.

تعد جامعة إلويس مدينة مصغرة عند أطراف لا إسبيرانزا. لست ممن يهوون التجوال لذا لم ألمح منها الكثير. أزور الكليات الأخرى للضرورة الإدارية وحدها، أو لاستخدام مكتباتها إن عجزت عن إيجاد مراجع محددة في كرستهورن. تقع كرستهورن وملشور في طرفين متقابلين من حرم الجامعة. وكان علينا ركب إحدى عربات الجولف تلك التي يستخدمها أفراد أمن الحرم الجامعي. لم أزر قاعة ملشور سوى مرتين من قبل. كانت الأولى للتسجيل المبدئي، إذ طُلب منا اجتياز اختبار إلويس الميداني الأساسي. وكانت الثانية خلال جولة الحرم الجامعي في أسبوع التهيئة. ولم تطأ قدمي قاعة ملشور منذ ذلك الحين، فكل محاضراتي كانت في كرستهورن. وفي سنتنا الثالثة، ستُفرض علينا مواد اختيارية في ملشور، لذا لم أكن أتوقع العودة إلى هناك قبل ذلك الحين. رمقت دين بنظرات حائرة طوال الطريق. ما حقيقة هذا الأمر؟ أمعنت التفكير، آملة بلوغ عقلها. قالت دين أخيرًا: "أرئيس؟ هل عثروا على كيلسي؟" "أتقصدين الفتاة المفقودة؟ أهذا اسمها؟ لا أظن ذلك"، قال فتى ملشور. ربما عرّفنا بنفسه في مرحلة ما، لكنني لم أهتم كفاية لأعير الأمر انتباهًا. أطلقت دين تنهيدة ارتخاء خفيفة، وبدت كتفاها المشدودتان مسترخيتين بوضوح. ربما ظنت أنهم عثروا على جثة كيلسي، وقد أصابها التحور وبدت شبيهة بالوحوش، وباتوا يشتبهون الآن في أن الأدامبرا قد بدأوا بزرع بذورهم في البشر هنا. وهذان البشريان هما أنا ودين كبداية. الأمر مقلق بالطبع، لكنهم لو عثروا حقًا على أدامبرا بدأ بالتحور، لأغلقوا المدرسة فورًا. ولجابت الشرطة وعلاء وكالة التحقيقات الحيوية هذا المكان بالفعل. كنا بأمان. أربما؟ وهذا يعيد طرح السؤال: لماذا أرادونا في ملشور؟ غرزت ظفر إبهامي في سبابتي. عجز ظفري المقلم عن إحداث جرح في جلدي. لكنه ترك خطًّا أحمر فاقعًا ينبض بضعف. دل ذلك على الأقل على أنني لم أُزرع ببذور الأدامبرا... أرجو ذلك. ولم أكن أسمع أي أصوات مخيفة أيضًا. كان الهاجس الملح هو فضول البشر وتطفلهم على رأسي خلال اختبارات إلويس الميدانية. كنت أعلم أنني لست طبيعية... عقليًا. لم أكن أهتم بالبشر كثيرًا، أو بالأحرى لم أهتم بهم قط. أعلم، أععلم، لا يهتم البشر عادة بغيرهم أيضًا. لو اهتم الجميع، لأمسينا في مدينة فاضلة بلا حروب ولا جوع. ولغمر السلام والحب والتفاهم أرجاء العالم، وترانيم السلام. كنت أعني شيئًا آخر. لو سقطت دين ميتة فجأة الآن، أمامي، لعارض ذهني أمران. أولهما أن موت شخصين في اليوم نفسه لأمر طريف حقًا. وثانيهما أنه سيكون عناءً فادحًا إذ سيجري التحقيق معي حتمًا لوجودي بالقرب من شخصين ماتا في اليوم نفسه. لست أدري ما الذي قد يفكر فيه شخص طبيعي في هذا الوضع الافتراضي، لكنه لن يفكر مثلي على الأرجح. لم تكن لدي أدنى فكرة عما تبدو عليه مساحة إلويس الخاصة بي مقارنة بالآخرين. لهذا السبب شعرت بالتوتر حين اختبروني أثناء التسجيل المبدئي، وهي المرة الوحيدة التي شعرت فيها بالتوتر طوال، لا أدري، العقد الماضي أو نحو ذلك. بدا الأمر كأن وجهي انتُزع قسرًا وعجزت عن فعل أي شيء حياله. بعد خمس عشرة دقيقه تقريبًا، وصلنَا إلى قاعة ملشور، وهي مبنى مكون من ثلاثة طوابق ذو تصميم تكعيبي كروي ومبسط، أياً يكن المصطلح المعماري لذلك. رقتنا نظرات غريبة من الطلاب المتمترسين عند المدخل بينما صعدنا الدرجات. لم تفرض جامعة إلويس زيًا موحدًا، وكذلك لم تفعله الكليات والمعاهد الفردية بداخلها. غير أن طلاب ملشور اعتادوا وضع دبوس لشعار نسر ذي أجنحة ستة. كم هم نخبويون. تظن أن طلاب القانون في كرستهورن هم النخبة في إلويس. أقادنا فتى ملشور، أنا ودين، إلى غرفة انتظار. وشرح لنا أنهم ما زالوا يجهزون الاختبار نظراً لضيق الوقت. كانت امرأة جالسة بالداخل بالفعل. غطى شعرها المصبوغ بالأزرق المعدني وجهها وحجبه. وحين سمعتنا ندخل، أبعدت خصلاتها عن وجهها كاشفة عن عيون منتفخة وأنف أحمر. وتوسط صدرها دبوس نسر. بدت أكبر منا، أنا ودين، بعامين أو ثلاثة، وبدت مألوفة إلى حد ما. تنحنحت وتمتمت بـ"مرحبًا"، بينما كانت تجفف عينيها بمنديلها. "أمم، أهلاً. أنا أمبر وهذه إريند." رفعت يدي. "أهلاً." سألت دين: "هل أنت بخير؟" هيا أيتها الفتاة، فكرت باختناق. هذه هي المرة الثانية اليوم التي تسأل فيها شخصًا إن كان بخير، فالأولى لم تنفعنا بشيء. عليها أن تعلم كيف تتوقف عن سؤال الناس عن هذا. أجابت المرأة: "أنا... أنا بخير. لابد أنكما الأخيران اللذان رأيا أختي. سمعت أنهم استدعوكِما." بدأ صوتها مرتعشًا، لكنها تمالكت نفسها. "اسمي ميرا. ميرا فليتشر." قالت دين: "فليتشر؟ أه، كيلسي فليتشر. لابد أنك أختها. آسفة حقًا." لم أدرِ لِم كانت تعتذر. ألاننا لم نمنع أخت ميرا من القفز في المحيط؟ أم أكان ذلك تأسفًا تعزيتيًا؟ يحمل الأول اللوم لنا بينما يوحي الثاني بأن كيلسي قد ماتت. ربما قصدت دين المعنى الأول. ولم يعجبني وقع الأمرين على حد سواء. قلت لكيلا تأخذ ميرا عنا انطباعًا سيئًا: "أتمنى أن تُعثر عليها قريبًا." قالت ميرا: "آمل ذلك أيضًا." وعن عن قرب، بدت شبيهة بأختها حقًا، لدرجة تبدوان معها توأمين. وقد أربكني شعرها الأزرق الفاقع حين رأيتها للمرة الأولى. جلست دين بجانبها وأمسكت يدها تعبيرًا عن التعاطف. وقالت: "سيجدونها. أنا متأكدة من ذلك." كانت تتقن هذا الأمر لدرجة جعلتني أحسدها للحظة لعجزي عن الشعور بمثل تلك العاطفة. فقط قليلًا... يشبه الأمر حسدي أحياناً لابن عمي الذي يستطيع تناول رامن حار من الدرجة العاشرة. لكن عندما أفكر في الأمر، يکفيني رامن عادي. والمشاعر هنا مثلها تماماً. هزت ميرا رأسها وقالت: "إنه... ماذا حدث بالفعل؟ أخبروني فقط أن كيلسي قفزت من نافذة مقصف كليات الحقوق وعجزوا عن إيجادها." قلت: "هذا كل ما في الأمر. أرتاد المقصف عادة في الصباح البكر لأنه هادئ. وجاءت دين هنا، أعني أمبر دين، لتلقاني قبل حصتنا الأولى. تفاجأنا باندفاع كيلسي نحو النافذة." "أيمكنكما إخباري بأي شيء آخر؟ كيف كانت تبدو؟ ماذا كانت ترتدي؟" "بدت عليلة بعض الشيء. وكان شعرها مبعثرًا كأنها استيقظت لتوها ولم ترتبه بعد. وكانت ترتدي..." التفتُّ إلى دين. "ماذا كانت ترتدي؟" "قميصاً أزرق عليه رسمة كرتونية. وسرولاً. بيجاما ربما؟ أتذكر صوت خفافات النوم على أرضية المقصف حين ركضت." رّكزت ميرا نظرها على الأرض وهي تتمتم: "كيف أمكنها المجيء إلى هنا ولم تأخذ السيارة؟ نحن بعيدون عن موقف الحافلات..." توقفت وجلسنا جميعًا في صمت لدقيقة. ثم قالت بصوت بالكاد يُسمع: "لست متأكدة إن كان يحق لي قول هذا، لكنهما يشتبهون في أن أختي أدامبرا." "ماذا؟" "هاه؟" أشارت إلينا ميرا بالصمت. "تعاني كيلسي مرضًا... ميؤوسًا منه. ذهبنا إلى المستشفى مرارًا العام الماضي، وكانت حالتها تتدهور. ثم بدأت تتحسن." قالت دين: "أليس هذا جيدًا؟" "كأنه معجزة." قلت، وربما بدا كلامي فاقدًا للإحساس: "لا توجد معجزة." أومأت ميرا. "لا معجزة. اشتبه الأطباء في تعرضها للزرع. لكنهم عجزوا عن اختبارها لتوقفها عن ارتياد المستشفى. أخشى أن..." وتلاشى صوتها. "هذا سيئ"، قالت دين، واهتز صوتها قليلًا من القلق. ووافقتها الرأي. لم يكن هذا جيدًا على الإطلاق. اقتربت أكثر من ميرا وسألت: "أيعني هذا احتمال تعرضنا للخطر؟" "لا أظن ذلك. إن كنت قد التقيتِ بها مرة واحدة فلا مشكلة حقًا." أيدتها قائلة: "نعم، مرة واحدة فقط." لكن الملابسات المحيطة بذلك اللقاء كانت بالغة الإشكالية. فإن كان ما تخبرنا به ميرا صحيحًا، فلربما كانت كيلسي تفقد نفسها لصالح الأدامبرا هناك في المقصف. وبحسب تعابير وجه دين، كانت تفكر في الاتجاه ذاته. "لكن..." "لكن ماذا؟" "هناك احتمال بأن يولد التوتر الناجم عن رؤية محاولة انتحار أختي نتيجة إيجابية كاذبة في الاختبارات." هممم... لا أظن أن هذا سيشكل مشكلة لي فلن أكترث لكيلسي، ولا لأي شخص آخر، لدرجة تتأثر بها حالتي العقلية. ولاحظت أيضًا أن ميرا استخدمت عبارة "محاولة انتحار". تحية لهذه النظرة المتفائلة، لكن أيتها الفتاة، أظن أن محاولة أختك تكللت بالنجاح. قالت دين: "وما العمل إذن؟ ماذا سيحدث إن حصلنا على نتيجة إيجابية كاذبة؟" "المزيد من الاختبارات التي لن تفضي إلى شيء. يحدث هذا هنا طوال الوقت، صدقيني." أخرجت ميرا شيئًا من حقيبتها التي على حجرها، كيسًا أسود صغيرًا. "مع ذلك، قد تنشأ مشكلة إن وجدوا شيئًا... سيئًا... في كيلسي. أتفهمان ما أرمي إليه؟" فتحت الكيس. وبداخله قوارير تحوي سائلًا أزرق. "وما تلك؟" "حصلت عليها من صديقي، فهو مشرف مقيم هنا." وانطلقت تشرح مجموعة من الأمور العلمية التي أراد عقلي القانوني رفضها. ثم قالت: "يؤدي تناول هذه إلى تهدئة نشاط الدماغ كي لا تتأثر مساحة إلويس الخاصة بكما كثيرًا. إن تناولتما هذه، فستُبرءان قطعًا ولن تواجهكما أي مشكلة مستقبلاً إذا... أعني متى... متى وجدوا أختي. لا أود توريطكما في المزيد من المتاعب بسببي... بسبب أختي." همّت دين بقول شيء لكنها غرقت مجددًا في تفكير عميق. سألت: "أهذا آمن؟" أسرق صديقها هذه من مختبرات ملشور؟ ضجت فضيحة كبرى العام الماضي بعدما سرقت مجموعة من طلاب معهد بو معدات ومواد كيميائية من جامعتهم لصنع المخدرات أو ما شابه. قالت ميرا: "نعم، آمن للغاية. تريان، أحياناً، علينا نحن الطلاب هنا في ملشور زيارة معاهد أبحاث الأدامبرا. ويتوجب علينا جميعًا الخضوع لاختبار بعد كل مرة. وإن ظهرت نتيجة إيجابية كاذبة، فسنخضع للمراقبة وللمزيد من الاختبارات. ولتجنب ذلك، يتناول بعض الطلاب هذه إن عرفوا شخصًا قادرًا على تدبيرها." حدقت دين في القوارير حاجبيها مقطوبان. "أكذاك؟" أراهن أنها شكت مثلي في أن ميرا افترضت أننا شهدنا ما جعلنا نصدق قصتها عن كيلسي لكننا لا نريد الاعتراف. كنا متقبلين لحقيقة كون كيلسي أدامبرا في الواقع؛ وغيرنا كان ليشكك في الأمر أكثر. كنت واثقة بنسبة خمسين بالمئة أن عرض ميرا بتبرئتنا كان صادقًا. لكنني كنت متأكدة تماماً في المقابل أنني لن أعاني من أي مشكلة في تضرر عقلي جراء رؤية شخص ينتحر. عليّ انتظار رد فعل دين فحسب. كان وجهي صديقتها المفضلة - ومساعدتها من باب الأسف لقول ذلك - لذا جدر بي السير على خطاها. كان لا بد من التزام القواعد رغم قليل من الإزعاج. لكن، إن كنت سأقوم بفعل قد يكون غير قانوني، فأردت التأكد من قدرتي على لوم شخص آخر. شخص مثل ميرا ودين. مددت يدي بغريزتي إلى جيبي، وألغيت قفل هاتفي، وانتقلت إلى خيار التسجيل. دربت نفسي على هذا أكثر من اثنتي عشرة مرة حتى بات بإمكاني فعله بلا نظر. ولهذا ارتديت عادة ملابس ذات جيوب واسعة. استحال عليّ فعل هذا ببنطال ضيق، فجيوبه تكاد تخلو منها. قالت ميرا: "الحق يقال، لم أتناولها قط لهذا السبب. بل طلبت من صديقي محاولة، أمم، استعارة بضع قوارير لي بعدما لاحظت أمورًا غريبة تخص كيلسي. والآن، أقدمها لكما. اعتبراها اعتذارًا." تبادلنا النظرات، أنا ودين. تمتمت دين مع نفسها: "ستغضب عائلتي إن ارتبط اسمي بالأدامبرا. ما العمل؟" سألت ميرا: "أسيؤلم الأمر؟ ماذا سيحدث لو شربنا ذلك؟" "لن تشعرا بشيء البتة. أعلم ذلك لأنني جربتها." قالت دين: "ألهذا أي آثار طويلة الأمد؟" أكدت لها ميرا: "لا شيء يدعو للقلق. ستتخلص منها أزمتكما في غضون يوم أو نحو ذلك. انتبها، سأتناولها أنا. لتختر كل منكما واحدة ثم تختارا واحدة لي أيضًا. هكذا ستتأكدان من سلامتها جميعًا." اختارت دين ثلاث قوارير ومدتها إلينا. أخذت القارورة اليسرى، وأخذت دين اليمنى، وتركت الوسطى لميرا. "آسفة حقًا لتورطكما في هذه الفوضى"، قالت ميرا. "هذا أقل ما يمكنني فعله." نزعت الغطاء عن قارورتها وشربتها. "عليكما تناولها قبل الاختبار. إنهم بانتظار أستاذ للإشراف على الاختبارات والمحاضرات على وشك الانتهاء." وكأنها تلقت إشارة، فتح فتى ملشور الباب. أخفينا القوارير. قال: "آنسة فليتشر. ستذهبين أولاً." بعد مغادرة ميرا، فتحت دين قارورتها. قلت وأنا أرفع قارورتي لمستوى عيني: "أستشربينها؟" لم تبد مميزة بأي شكل. سيكون الأمر طريفًا لو اتضح أن هذا مخدر سائل أو عقاقير أخرى. "أنا... أه. نعم." "هاه؟ لِمَ؟" "لا يتعلق الأمر بنتيجة إيجابية كاذبة. أكره افتراض الأسوأ، لكن كيلسي قد تكون..." ضغطت شفتيها ببعضهما وألقت نظرة على الباب. قلت: "على الأرجح هي كذلك." مالم تكن هذه مسرحية مدبرة لبرنامج مقالب تلفزيوني، كانت كيلسي تتحول حتمًا إلى أدامبرا. هراء مزعج، يعكر صفو حياتي. "كما قالت ميرا، حين يجدون أختها، ستتجه الأنظار إلينا أيضًا. ولكن إن برئنا الآن، فحينئذ..." "أنا متأكدة أننا أبرياء." في الواقع، لست متأكدة. لا أعرف شيئًا قط عن زرع الأدامبرا. حتى الخبراء عجزوا عن التنبؤ به بدقة. قد نكون مصابين. "إن لم نتأثر..." هزت دين رأسها لتصفية ذهنها. "الخلاصة أنني لن أقبل بسجل يربطني بالأدامبرا. أريد طي هذا الأمر والانتهاء منه. سيقتلني والداي إن تورطت عائلتنا في أمر مخزٍ. ماذا عنك؟" "الأمر سيان عندي." إريند الصديقة المفضلة في الخدمة. "إن كان الأمر مقصورًا على التوتر وارتباك قراءة الآلة، فلن أقلق. لكنه أمر مختلف كليًا. ونحن الاثنتان في هذا معًا." "نعم، نحن كذلك." هزرت القارورة. ستدمر حياتي الهادئة إن حدث أمر أحمق كمثل أن تظهر مساحة إلويس الخاصة بي مضطربة، ويصادف وجودي مع شخص بدأ بالتحول زرعًا. وافقت دين. اللعنة حقًا إن عثروا على جثة كيلسي وتبين أنها متحورة. قالت دين: "لنُنهِ هذا الأمر وحسب. سنكون بخير. شربتها ميرا أيضًا." وقبل أن أستطيع قول المزيد، جرعت محتوى القارورة. قلت: "انتظري! آه! لقد شربتها حقًا." ابتلعت، ورمشت بضع مرات، ثم نظرت إلي. "هل أنت بخير؟" سألت، ثم عضضت شفتي. اللعنة، ها قد صرت أنا من يسأل أحدهم إن كان بخير. "أشعر أنني بخير، بوخز طفيف، لكنني بخير." "حقًا؟" حدقت بشك في قارورتها الفارغة. "أمتين، لم يحدث لي شيء. اشربي قارورتك أنت الأخرى. درهم وقاية خير من قنطار علاج." "أليس طريفًا أن الخيار الآمن هو شرب سائل مجهول؟" "لست متأكدة إن كان هذا سيعمل كما شرحت ميرا، لكني سأفعل أي شيء لتجنب وكالة التحقيقات الحيوية." قلت بصوت عالٍ: "لا أظنني سأشربها." ثم مددت يدي إلى هاتفي لإيقاف التسجيل. لم أكن متأكدة مما إذا كان ما سجلته على هاتفي سيفيدنا إن قُبض علينا بتهمة فعل غير قانوني. لكنه ظل شيئًا يذكر. "حسنًا... أنا. إن-إن حدث لك شيء، فـ..." كانت دين تلجلج. خمنت أنها تحاول تجنب القول بأنه إن وقعت في المتاعب فسأؤثر عليها أيضًا لأن ذلك بدا أنانيًا. "أقصد، نحن صديقتان، يمكنك الوثوق بي." آه، الكلمات السحرية. ومع إيقاف التسجيل، قلت بسرعة: "بالطبع، سأشربها أنا الأخرى"، ثم جرعت محتوى القارورة التي كانت بيدي. "انقلاب تام بمئة وثمنين درجة؟ أنا، أه، لم أرد إجباريك." هزرت كتفي. "بما أننا في هذا معًا، غيرت رأيي." وجه إريند الخجول الذي ارتدته سيساير خيار دين حتمًا. كم مزعج أن يقع المرء رهينة وجه. لكنه كله ضمن عمل اليوم الواحد. لم أشعر بأي سوء في نفسي بعد شرب السائل الأزرق. أكان مزيفًا يا ترى؟ إن عمل كما شرحت ميرا، فسيكون مكسبًا ضخمًا. أما إن حدث مكروه، فقد فعلت ذلك برفقة دين على الأقل. صار لدي سند إن احتججت لحمايتها لي مستفيدة من علاقات عائلتها ونفوذها. مرت خمس دقائق أو نحو ذلك ونُوديت دين. ووقفت وحدي أطِل من النافذة على منطقة وقوف السيارات، متسائلة عما هلك يومي الهادئ تسبباً في كل هذه الفوضى. ثم حان دوري أخيرًا. دخلت المكان ذاته الذي اختُبرت فيه قبل تسجيلي هنا، وهي غرفة ذات بلاط رخامي رمادي تفوح منها رائحة المعقم. اصطفت أربع آلات مستطيلة، تفوق قامتي المتواضعة ذات الأربع والخمسين بوصة بنحو قدمين، على الجدار المقابل للباب الذي دخلت منه. وكانت هناك مجموعة من الحواسيب في الطرف الأقصى من الغرفة يديرها فتى ملشور واثنان آخران ربما كانا في سنتهما الرابعة ويؤديان تدريبهما العملية. وقفت بجانب الآلة سيدة وشى بعمرها بضع تجاعيد تسللت إلى وجهها اليافع وشعرها الأشقر الذي بدأ الشيب يدب في جذوره. كانت أستاذة وباحثة في ملشور أيضًا؛ التقيتها من قبل خلال جولة التهيئة حين ألقت كلمة قصيرة عن دراسات مساحة إلويس التي تُجرى هنا. قلت وأنا أقرأ لوحة الاسم على معطفها الأبيض: "صباح الخير، البروفيسورة ديسليس." "صباح الخير، الآنسة إريند." لابد أنني أبديت تفاعلاً طفيفًا حين نادتني باسمي الأول، إذ قالت: "لا داعي للقلق. هذه اختبارات روتينية بسيطة نظراً للظرف المؤسف الراهن." ضغطت البروفيسورة ديسليس بضع أزرار على الآلة وأشارت إلى الفتحة. "ضعي يدك اليسرى هنا، واليمنى هنا، وافتحي راحتيْك نحو الأسفل. ودعينا أعدل ماسح الشبكية. ثبتي عينيك هنا." "حاضر، بروفيسورة." "أبقي عينيك مفتوحتين بعد شعورك بالوخز. أظنك خضعت لهذا من قبل؟" "نعم، فعلت." وقالت: "أكاد لا أعدو كونه لسعة نملة. جاهزة؟ لنبدأ." وُخزت أصابعي وراحتي كأنني أمسكت بنبتة صبار. أعلم أنهما كانتا تقيسان ما إذا كنت أتعافى كإنسان طبيعي أم أنني بدأت بالتحول، وهو ما يحدث لو سلمت جسدي لكيانات الواقع الخارق. لم يستطيعوا قط تقطيع البشر ومراقبة تعافيهم، لذا فضّلوا ملاحظة التجدد غير الطبيعي الضئيل الذي يعد العلامة الأولى للزرع. وحين شعرت بتوقف الوخز، فتحت عيني ليجري مسحهما. "لم يكن الأمر سيئًا للغاية، أليس كذلك؟" "لا، بروفيسورة." "كل شيء طبيعي"، قالت، وأعطاها فتى ملشور إشارة الإبهام لأعلى من خلف لوحة التحكم. "أيمكنني الذهاب الآن؟ أم أن عليّ الخضعت لاختبار الخوذة ذاك؟" "تقصدين اختبار سلامة المساحة؟ سنجري اختبارًا مختلفًا هذه المرة، وعليك التوقيع على إقرار تنازل." "إقرار تنازل؟ لِمَاذَا؟ ولِمَ لا ذاك الاختبار الآخر؟" وقالت: "حان وقت محاضرة قصيرة." نظفت طاولة قريبة بينما أعطانا فتى ملشور، مساعدها على الأرجح، كرسيين. "ماذا تعرفين عن مساحة إلويس؟" "ليس الكثير. أليست تجسيدًا للإرادة الحرة للبشر؟" "هذا ما يدركه معظم الناس، الآنسة إريند. ويكفي لشخص عادي. أظن أنك سمعت عن الوعي الباطن الكلي؟ أعتقد أن المصطلح الذي يبيحه الإعلام هو 'الوعي المشترك'؟ وهو أمر غير صحيح." أومأت برأسي. "تمتلك البشرية رابطًا بعديًا جماعيًا أعلى. ليس عقلاً جمعيًا، وهو أول ما يتبادر إلى أذهان الناس. إن أفلام عدوى الأدامبرا السخيفة تلك مضللة للغاية. هذا الوعي الباطن البعدي الأعلى - وهو نتاج تطورنا لكائنات أكثر ذكاءً - هو ما تستغله الأدامبرا." أومأت مجددًا، غير متأكدة إلى أين سيقودنا هذا. امتلكت فكرة عامة نوعًا ما عن الأمر. كفاني معرفة أن 'الأدامبرا سيئون'. لم تكن المعلومات الفعلية، ولا الهراء العلمي عن الأدامبرا، معروفة للعامة، والسبب الرئيس هو رغبة الحكومة في منع الناس من محاولة استدعاء الأدامبرا بأنفسهم. ينبغي عدم الاستهانة برغبة الناس في السلطة. نقرت البروفيسورة ديسليس على صدغها. "وفي حين نعجز عن بلوغ وعينا الباطن الكلي - ومن هنا جاءت تسميته - فقد ثبت وجوده. إنه في نفس... المستوى - وهي طريقة بسيطة للتعبير - مثل الأدامبرا التي تحاول التجلي في عالمنا. يعتقد البعض أننا لسنا سوى انعكاس للواقع الحقيقي، واقع الأدامبرا." "عليّ التوقف هنا. قد أخوض في المزيد من النقاشات إن سمعني أحد أدرس مواضيع جدلية. والمهم هو أن مساحة إلويس هي تجسيد للأنا البشرية، لا الإرادة الحرة بحد ذاتها. يفحص اختبار الخوذة الذي ذكرتِه ما إذا كانت مساحة إلويس الخاصة بالشخص تتداعى. سأخذ لقطة سريعة لتحليلها." تجاوزني هذا كله. "أيمكنني الخضوع لذلك الاختبار وحسب إذن؟" "إنه عديم الفائدة عمليًا إن سألتني. إن اكتشفنا تداعي مساحة إلويس، فهذا يعني أن الأوان قد فات وأن الأدامبرا قد زرع بذور منذ فترة. وهؤلاء الرجال هنا أفضل حالًا." أشارت البروفيسورة ديسليس إلى الآلة التي استخدمتها سابقًا. "ولمزيد من الدقة، سنقوم بعمل توصيف لمساحة إلويس بدلاً من ذلك. أنت طالبة قانون في السنة الأولى، أليس كذلك؟" "نعم، أنا كذلك." "أفترض أنك درست هذا في محاضرة القانون الدستوري؟ توصيف مساحة إلويس للشخص هو..." "... انتهاك للخصوصية"، أكملت حديثها. صفقت البروفيسورة ديسليس بيديه. "أنت فتاة نجيبة. نعم، الآنسة إريند. مما يعني أيضًا أنك..." لوحت بيدها، مشيرة لي بإنهاء جملتها. قلت وتدلت كتفاي مع إدراكي للأمر: "مما يعني أنه يمكنني الرفض. ولهذا تحتاجين إلى إقرار التنازل." لقد ازداد الأمر سوءًا. لم أرد مطلقًا أن يفحص أحدهم رأسي! لكني عجزت عن الرفض في هذا الموقف حتى لو أكد الدستور قدرتي على ذلك. أفعلت دين وميرا هذا أيضًا؟ اللعنة، ماذا أفعل هنا؟