الفصل الخامس والأربعون: كارتين[3]
أخيراً، انتهى دوان من شرح كل شيء. لقد استغرق الأمر عدة ساعات للإجابة عن جميع الأسئلة التي طرحها الآخرون.
بالطبع، لم أكن جالساً معهم طوال الوقت. لقد تجولت في الفندق وتناول بلعت المزيد من الطعام، بل وحتى كنت أجيب على تعليقات إيزيل الساخرة.
الآن، كنت جالساً عند الحانة بينما كان صاحب الفندق يحضر لي مشروباً بارداً.
فجأة، جاء شخص وجلس على الكرسي بجواري. ودون أن ألتفت، عرفت أنه إليوت.
"هل أنت متأكد أنك ستفعل هذا وحدك؟ سيكون أفضل لو تنضم إلينا بدلاً من المخاطرة بحياتك."
لم أجب. بدلاً من ذلك، رفعت كأس المشروب الأزرق الجميل وأرشفت رشفة، بينما استمر إليوت في الثرثرة بجواري.
"هل سمعت حقاً أي شيء قاله الضابط؟ لقد كنت تلعب هنا وهناك طوال الساعات الماضية."
شربت آخر ما في الكأس ووضعته، ثم أجبرت نفسي على النهوض من الكرسي.
وعندما رأى إليوت أنني مغادر، سأل على عجالة: "إلى أين أنت ذاهب؟"
نظرت إلى الباب المؤدي إلى الخارج وتوجهت نحوه: "إلى الخارج، في نزهة."
لوحت للآخرين، الذين بدا ما زالوا يناقشون، قبل أن تتوقف نظراتهم عليّ: "حظاً موفقاً يا شباب."
وصلت إلى الباب وخرجت. آخر ما سمعته كان صوت إيزيل: "تأكد من أن تموت بهدوء في زاوية مظلمة."
...
مشيت في شوارع كارتين المتهالكة، مندمجاً وسط السكان.
كانت الساعة السادسة مساءً، وكانت الشمس قد بدأت ترسم السماء بالألوان.
مشيت نحو الجزء الجنوبي من المدينة.
بينما كنت أراقب المتسولين المنتشرين على جانبي الطريق، وهم يرتدون خرقاً قماشية ممزقة ويرفعون أيديهم لكل مار،
ذكرني ذلك بالحي الذي عشت فيه خلال حياتي السابقة، حيث انتشر رجال العصوبات وتجار المخدرات، مما جعل حياة الناس العاديين مضطربة باستمرار.
"حتى في عالم آخر، لا تزال الحياة كما هي."
وبينما كنت أمشي، لفت انتباهي مخبز يبيع المعجنات. قرقرت معدتي عندما شممت رائحة الرائحة المنبعثة من المتجر: "وجبة خفيفة قبل البدء لن تضر."
بعد لحظات قليلة، غادرت المتجر وفي يدي كيس ورقي يحتوي على بعض المعجنات الدافئة. مشيت قليلاً وأنا أحتضن قطعة، وفي قضمة واحدة التهمت نصفها.
وبينما كنت استمتع بالنكهة، شعرت بشد خفيف في بنطالي. خفضت رأسي لأرى طفلاً صغيراً.
بدا في الخامسة أو السادسة من عمره، يرتدي الخرق، ويداه حمراوان ومنتفختان من البرد، ووجهه الصغير مغطى بالغبار.
ارتجفت شفتاه، وبصوت ضعيف وناعم قال: "أنا جائع... أرجوك..." وأشار إلى الكيس الذي في يدي، وتعبيراته تتوسل.
كان من الواضح أنه مر بأيام أفضل.
ذكرني ذلك بالأيام المؤلمة، وبواقع هذا العالم... حيث يموت هؤلاء البشر كل يوم، ولا أحد يهتم.
تنهدت وسلمت الكيس للطفل. وبأيدٍ مرتعشة، أمسك به بقوة، كما لو أنه سيطير من يديه في أي لحظة. بل وحتى انحنى لي.
"شكراً لك يا سيدي."
في اللحظة التالية، ركض إلى زقاق معين، بينما كانت عيناي تتابعانه من مكاني.
كان هناك الكثير من الأطفال مثله، فتيات صغيرات يقفن حافيات القدمين، والدماء تتسرب من أقدامهن.
بمجرد أن وصل إليهم، بدأ في توزيع محتويات الكيس بينهم، ولم يترك لنفسه شيئاً. من هنا، استطعت رؤية السعادة على وجوههم وهم يعضون المعجنات.
جلس آخرون في الزوايا بحثاً عن الدفء، وبدا الإرهاق واضحاً على وجوههم.
"لكي يحصل النبلاء على شريحة لحم فاخرة، يجوع العشرات في أماكن كهذه."
هذا لا يعني أنني عارضت ذلك... فحين وآخر، هكذا تسير الأمور في العالم، من البداية إلى النهاية.
استدرت وعدت إلى المخبز.
بعد لحظات قليلة، خرجت ومعي عدة أكياس كبيرة.
مشيت إلى ذلك الزقاق، وحدق بي العديد من المارة. دخلت، وملأت الروائح الكثيفة أنفي، بينما التفت جميع الأطفال نحوي، ومعظمهم ينظر إلي بخوف مرسوم في أعينهم الفارغة.
"تعالوا إلى هنا."
تردد صدا صوتي في الزقاق المظلم.
نظر بعضهم إلى بعض، غير متأكدين مما ينبغي فعله، باستثناء طفل واحد تقدم للأمام. كان هو نفس الطفل الذي أعطيته الكيس.
مددت الأكياس نحوه: "خذ هذه ووزعها على أصدقائك."
دون تردد، مد يده نحو الأكياس... أو هكذا بدا الأمر.
بدلاً من ذلك، أمسك بيدي، والتفت أصابعه الصغيرة حولها. ابتسم لي... ابتسامة مرتبكة... لكنها جميلة.
"أنت شخص طيب يا سيدي."
بعد هذه الكلمات، أخذ الأكياس وذهب لتوزيعها على الأطفال الآخرين. راقبته لبضع لحظات قبل أن تفلت ضحكة خفيفة من شفتي.
"هيه... أنا؟ حقاً؟.."
انتظرت هناك لبضع لحظات، ثم شعرت بهما.
اقترب شخصان من خلفي، وأحيطا بي، أحدهم من اليمين والآخر من اليسار.
"انظروا ماذا لدينا هنا... شاب ذو أخلاق نبيلة يوزع الطعام على هؤلاء الأطفال الفقراء." تحدث أحدهم، ملقياً ذراعه حول كتفي ومتكئاً علي.
وعندما رأى الأطفال ذلك، تجمدوا في أماكنهم، والخوف مرتسم على وجوههم.
"يبدو غنياً، ومن المستحيل تفويت شخص مثله. ربما يكون جديداً هنا." قال لرفيقه.
أظهرت توتري وخوفي على وجهي.
اقترب الآخر مني، وأمسك بوجهي، وقربه منه: "أه... يا له من وجه جميل. ربما سيعجب هذا الوجه الزعيم." بل وحتى شممت رائحة فمه الكريهة.
حاولت إبعاده كما يفعل أي شخص عارٍ: "ابتعد عني."
لكنه نظر إلي ثم تراجع بهدوء، وابتسامة خبيثة على وجهه.
نقرت الآخر على كتفي: "اسمع، قد تكون جديداً هنا، لذا فأنت لا تعرف كيف تسير الأمور... حسناً، سأشرح."
"نحن العصابة الجنوبية. نحن نسيطر على هذا المكان... نحن القانون والقضاة هنا. وكل ما نقله يُنفذ، أو... لن يعجبك ذلك."
كدت أفشل وأقلب عيوني عند كلماته.
كلاسيكي.
تجمدت في مكاني خوفاً، بينما نقر الآخر على كتفي، متحدثاً بنبرة خبيثة: "انظر إليه، إنه متجمد في مكانه."
ثم أشار لصديقه: "اسمع، أنت محظوظ اليوم. نحن في مزاج جيد... لذا تعال بهدوء، واشترِ لنا بعض المشروبات، وسندعك تغادر بسلام."
"حقا... ستدعوني أذهب إذا فعلت ذلك؟" سألت بصوت مرتعش.
أومأ الرجلان برأسيهما: "نعدك."
أشرت نحو اتجاه في الشارع: "هناك حانة هناك، إذن دعنا نذهب إلى هناك إذا أردتم."
ابتسم أحدهم ونظر إلى صديقه قبل أن يعود ليظر إلي: "لا... ليس هناك. نحن نعرف مكاناً أفضل، لذا تعال معنا."
"ح... حسناً."
لف أحدهم ذراعه حول عنقي وسحبني بعيداً عن الزقاق، بينما لم أستطع سوى المتابعة بهدوء.
مشين في الشوارع، وحدق بنا الناس بشفقة، متمتمين بأشياء مثل: "انظروا إلى ذلك الشاب المسكين... يبدو أنهم سيجعلونه لعبتهم لليلة."
لعبتهم؟ ما الذي تعنيه أيها الحثالة؟
على أي حال، مشيت معهم حتى غطى الظلام الشوارع، بينما كانا يتحدثان مع بعضهما كما لو لم أكن موجوداً: "نحن محظوظون حقاً اليوم... أشعر وكأننا حصلنا على سمكة ذهبية."
مشين حتى تقلصت المباني واختفى الناس تماماً.
وصلنا أمام مبنى من أربعة طوابق. كان الضوء ينبعث من جميع نوافذه، وحتى من الخارج استطعنا سماع الضوضاء الصاخبة بالداخل.
"أه... أهذا هو المكان؟" سألت بصوت مرتعش.
لم يجيباني. بدلاً من ذلك، دفع الذي كان يمسك بي الباب مفتوحاً وسحبني للداخل.
كانت الطاولات مبعثرة بطريقة عشوائية، بينما جلس العديد من الأشخاص المخيفين عليها. كانوا يصرخون على بعضهم ويضحكون، ويسكبون المشروبات في كل مكان.
حتى عندما دخلنا، ساد المكان الصمت.
حدق الجميع فيّ... بأعين جائعة، وابتسامات ترتسم على وجوههم كما لو أنهم حصلوا على لعبة جديدة.
أنا أيضاً.
ابتسمت.