جلس أليك في غرفته أخيراً وكان المساء قد أفلح في بسط سلطانه. وصل برانيك قبل ذلك ومعه طقما المحاليل، وكان كل طقم موضباً داخل كيس جلدي مقسّم إلى جيوب صغيرة، وما إن انصرف برانيك حتى كان قد حشى الجيوب بالمزيد من القماش، وقد زُود كل كيس بعرى صغيرة في الخلف تتيح تمريره عبر حزام أو سير، وبدا الأمر عملياً ومفعماً بالعناية، إلى أن أخبره برانيك أن المغامرين هم من صنعوا هذه الأكياس.
كان في كل طقم أربعة محاليل: محلول صحي، ومحلول لتحمل الجهد، ومضاد للسم، ومحلول للطاقة السحرية. سيحمل برانيك طقم أليك نيابة عنه، وبدا ذلك تصرفاً ذكياً، بينما ستتحمل مارا طقمها الخاص مستثنية محلول الطاقة السحرية إذ لا حاجة لها به، والأهم من ذلك كله أن محلول الطاقة السحرية كان الآن في كف أليك. قلبه ببطء في يده وبدا كل ما جرى سخيفاً، قطعة ذهب واحدة وأربعة فضيات كبرى، ما يعادل أربع عشرة عربة محملة بالحبوب أو قرابة إحدى وعشرين طناً منها، أو أربعة عشر ألف سجق من سجق الشوارع.
كان أليك يتوقع أن تكون المحاليل باهظة الثمن، فقد حذره الجميع من ذلك، لكن ما لم يتوقعه هو أن تبدو البضاعة على هذه الشكل. لا توجد زجاجة، بل كتلة شمعية زرقاء، كأن أحدهم حاول صنع محلول وشمعدان في الوقت ذاته ثم أصيب بتردد عميق لم يحسمه، كان المحلول إن وضح وجوده مغطى بمادة شمعية زرقاء، وثخينة لدرجة تنفي أي قدرة على تمييز القاع من الرأس، فقد بدا أحد الجانبين أضيق قليلاً، لكن الأمر يظل تخميناً صرفاً.
دحرج أليك القطعة على راحته وضغط بإبهامه على ما ظنه الجنب، وبدت كمادة شمعية وليست كشمع الشموع بل أصلب منه، وعجز عن إيجاد تسمية أخرى لها، ففرك إبهامه بسبّابته ولم يجد أي أثر عالق.
قال بصوت خافت: "ممم..."، ثم عاود تقليبها.
وما أراد معرفته حقاً هو مقدار الطاقة السحرية المختزنة في المحلول، فمدّ حاسة الطاقة السحرية نحوه، ليشعر بالارتداد الثقيل والمألوف، وارتجت ذراعه لكنه نجح في الإمساك بالمحلول، فأبعده عن وجهه ناظراً إليه بحذر، وكان يعرف ذلك الشعور جيداً.
تمتم لنفسه: "رفض عشبة ويكليف؟".
قرب المحلول مجدداً لكنه ظل يرمقه بريبة، فرفع إصبعين من يده الأخرى وحاول مجدداً، ماداً قدراً ضئيلاً من الطاقة السحرية نحو الشمع. جاء الرفض فورياً، وربما كان أقل عنفاً من عشبة ويكليف الطازجة لكنه ظل حاضراً، فعقد أليك حاجبيه ناظراً إلى الكتلة التي في يده. لا مجال للخطأ، لا سبيل لتمرير أي طاقة سحرية إلى الداخل أو عبره. استند أليك إلى الوراء ورمق الجدار ملياً مفكراً في الأسباب.
عزل ربما؟ لحبس الطاقة السحرية في الداخل؟ أو لمنع الطاقة الخارجية من التدخل؟ أعني أن حماية الزجاجة ميزة إضافية جيدة أيضاً على ما أظن، ومهما يكن الأمر فتلك عشبة ويكليف يقيناً، فالرفض ينبعث من الزيت والملح يعين على ذلك، وإن مزجت بعض شحوم الحيوانات أو شمع النحل فستحصل على هذا؟ أو على شيء يقاربه. أعاد اهتماماته إلى المحلول مقلباً إياه ببطء أكبر هذه المرة، وكانت هناك خطوط خافتة على السطح لكنه عجز عن معرفة ما إذا كانت ناتجة عن النقل أو الصنع، فلا توجد حواشٍ ولا شيء يبرز كيف جرى تطبيقه أو صنعه.
قرب المحلول من عينيه وضم أجفانه. كان الغرفة تحظى بما يكفي من الضوء لتفادي التعثر بالأشياء شريطة أن يتذكر مكان تركها، لكنه ضوء لا يكفي لفحص المحلول، فمال بجانبه متناولاً الشمعة التي اعتاد استخدامها في مثل هذه الأمور ثم توقف.
قال: "لن أفعل ذلك".
شمع وقابل للاشتعال، ومحلول باهظ وقابل للاشتعال، وربما قابل للانفجار. استخدم صندوق أغراضه بدلاً من ذلك ليخرج محلول الطاقة السحرية الذي صنعه بنفسه، ووضع زجاجة الحبر الصغيرة على المكتب ونزع سدادتها، فتدفق ضوء أزرق خافت من الفوهة، فأومأ أليك برأسه راضياً. كان الغطاء الشمعي الأزرق أبسط رؤية تحت الضوء، فأدار المحلول ببطء محاولاً فحصه من كل الزوايا، وملياً النظر في الحواف وآثار الاحتكاك، وبدا جلّه متشابهاً إلى أن أدار القاع فتووقف وأعاد الحركة، حيث كانت هناك رقعة صغيرة من الغطاء بلون أفتح قليلاً، ولم يلحظها إلا حين انعكس الضوء عليها، فقد توهجت برفق مع دخول النور.
فرك إبهامه فوق تلك الرقعة الصغيرة وبدت بالملمس ذاته. فحص الكتلة محاولاً تبين موقعها قياساً بالبقية، وكانت تقع في الجانب المعاكس للجانب المستدق. أإذن هو القاع؟ ربما؟ مدّ حاسته السحرية نحو الرقعة الصغيرة، تلك الرقعة الأفتح لوناً في القاع، ليستشعر الطاقة السحرية في الجانب الآخر.
"ما هذا؟".
مدّ حاسته نحو المحيط وشعر بالرفض المألوف، ثم عاد إلى الرقعة وأحس بحاسته السحرية تخترقها، وكرر العملية بضع مرات فوجد النتيجة ذاتها.
قال وهو يمد يده نحو الجزء المستدق الذي اعتبره رأساً وقام بفتله: "تباً لذلك، لا يمكنني سؤال أحد عن هذا بالتأكيد".
قاوم الجزء قليلاً قبل أن يبدأ الغطاء الشمعي بالتصدع والتساقط.
عقد حاجبيه وهو يجذب الشمع فبدأ الغطاء برمته بالتشقق والانفجار، ووسط حيرته أمام هذا الغموض استمر في الجذب حتى هتف حين تساقطت رقعة كبيرة بما يكفي: "آه، إنه قماش".
محاولاً تماسك الشمع عمل على تحرير القماش، وحين نجح في تخليصه أخضعه للدراسة، فإذا هو قنب عادي، فألقى عليه نظرة ملؤها السام قبل أن يستحضر توقعاته الخاصة ويهز كتفيه، فلم يكن قنباً جيداً حتى. أبقى رقعة القاع جانباً بعناية بينما كان يفك الغلاف عن الزجاجة. خرجت الزجاجة أخيراً لتتوهج بخفوت، وكانت زجاجة خضراء داكنة ذات سدادة من الفلين. وضعها إلى جوار محلوله الخاص ونزع سدادتها بصعوبة، وكان مقدار الضوء الصادر أقل بكثير، فانحنى ليقارن بين الاثنين وكان محلوله يعادل خمس الحجم تقريباً.
رفع زجاجة الكيميائي وتفحص الزجاج، وبدت أثخن في القاع وتكسوها تموجات صغيرة، ولم تبدُ له سيئة الصنع قدر كونها مصنوعة برخص وعجالة. بحذر شديد، مدّ حاسته السحرية نحوها.
قال أليك عاقداً حاجبيه: "أهذا... كل ما في الأمر؟".
كانت تحوي أقل من رُبع الطاقة السحرية التي يحتويها محلوله بينما يفوق حجمها حجمه بخمسة أضعاف، فشمّ المحلول فباغته عبق قوي لعشبة محترقة أو محروقة، فالتوى أنفه تذمراً. قرر أن الشمع أكثر إثارة للاهتمام، فبدأ بجمعه محتفظاً برقعة القاع منفصلة، وما إن تحرر الشمع حتى شرع في تكوير الشمع الرافس للطاقة السحرية إلى كرة صغيرة، وهمّ بمدّ حاسته السحرية إليها قبل أن يلاحظ شيئاً آخر.
كان محلول الكيميائي للطاقة السحرية يُسرب طاقته. عدل عن رأيه ومدّ حاسته نحو محلول الطاقة لتتأكد التسريب الأكبر من جهة الأعلى، وبحرص وسرعة شكّل الشمع الرافض للطاقة على هيئة قبعة صغيرة ووضعها فوق الفوهة. توقف المحلول عن تسريب طاقته في ذلك الاتجاه، لكنه ظل يسربها من الجانب. نزع قبعة الشمع وأعاد السدادة قبل أن يعود لفحصه، فكان يسرب ببطء من كل مكان. التفت أليك إلى محلوله الخاص ليبحث عن أي تسريب محتمل، ربما كان يسرب لكنه عجز عن رصد شيء.
هكذا إذن، إنه العزل السحري. أومأ أليك برأسه ناظراً إلى الشمع، ثم التقطه مجدداً وبدأ في تشكيله، وهو تصرف يشبه ما يفعلونه بأحجار التدفئة في معمل الجعة، عدا أن أولئك استخدموا الأدمانتيت. هل يمكننا استخدام الزيت ربما؟ أخذ يقلب الفكرة في ذهنه لفترة، وبدت ممكنة لكنه كان بحاجة لبيان أدائها عند التسخين. كان يجمع الشمع سُدى في كرة متخيلة حين تذكر المادة الشمعية الأخرى. انتظر...
مدّ يده نحو الكتلة الصغيرة ورفعها ودفع الطاقة السحرية مباشرة عبرها، ثم حاول تسويتها وإلصاقها بجانب المحلول المسرب للطاقة، فاستمر التسريب من ذلك الجزء، واستطاع دفع طاقته السحرية خلاله بيسر. أخذ قطنة صغيرة من الشمع الرافض للطاقة وفركها بجانب الزجاج كما فعل مع رقعة القاع، فتوقف التسريب من ذلك الجانب، وحاول أليك مدّ حاسته السحرية إليه فاصطدم بالرفض ذاته. أمسك بالقماش وحاول لفه حولها مجدداً بأفضل ما استطاع، وحين قلبها رأى كيف تجتمعت الزوايا كلها عند ذلك الطول، ولابد أن قطعت الشمع العادية الصغيرة استُخدمت لتثبيت القماش معاً، أليس كذلك؟
لابد إذن أن الترتيب بأكمله غُمِس في الشمع الرافض للطاقة ليلتصق بالقماش ويمسكه، وهذا منطقي، وسيترك موضعاً واحداً مكشوفاً تماماً. إذن فهم يستخدمون الشمع العادي لربط القماش، وتلك غالباً نقطة الإمساك به أثناء الغمس، مما يترك موضع قاع واحد مكشوفاً. مهلا، لماذا يُستخدم الشمع العادي هناك أصلاً؟ ألم يكن أجدر بهم استخدام الشمع الرافض للطاقة أيضاً؟ نزع كل ذلك عن الزجاجة ورفعها في وجه النور.
لم يكن الشمع الرافض للطاقة شفافاً كالآخر، وهو ما جعله يلحظه من الأساس. توقف أليك ناظراً إلى الشمعة المرتجفة لفترة محاولاً استيعاب الأمر، ثم هز رأسه قليلاً وقرّب الشمعة، والتفت ناظراً حوله بحثاً عن شيء يستخدمه في تجربته التالية، فالتفت إلى صندوق أغراضه وعثر على قطعة نحاس خردة صغيرة. وضع الشمع العادي فوقها وأمسك بها فوق الشمعة مراقباً إياه ببطء وهو يذوب من الأطراف، فأومأ برأسه متوقعاً تلك النتيجة، وكشطه فوق جامع الشمع في قاع الشمعة، ثم أخذ قطنة الشمع الرافض للطاقة وكرر الأمر.
انبعثت منه رائحة جافة لعشبة محروقة.
قال: "ممم... ملفوف سحري محروق، لقد جعت الآن".
شعَرَ أليك بسخونة أصابعه لكنه واصل المراقبة، وراحت أطراف الشمع تلين ببطء وتتحول إلى زيت. أخرج زجاجة صغيرة سرقها من مارغريت وأضجعها وسكب قطرات الشمع القليلة فوقها. راقبها وهي تسيل تاركة أثراً ثم تتصلب، فجمع الشمع من جامع الشمع وكرر الاختبار ذاته، فأعطى النتيجة نفسها وسلك السلوك ذاته، وللتأكد فحسب حاول دفع الطاقة السحرية إلى كليهما ليجد النتيجة ذاتها. لابد أن ذلك مقصود إذن، لقد كان يسرب ببطء عبر تلك القطعة الشمعية الصغيرة، وتلك البقعة الضئيلة منذ لحظة صنعه.
صنع الكيميائيون محلولاً وتركوا عمداً موضعاً لتسريب الطاقة السحرية ببطء. استمات أليك في البحث عن أي مبرر لوجود الشمع العادي، هل كان الشمع الرافض للطاقة هشاً عند وضعه لأول مرة؟ لا، فقد أذابه لتوه. ألعله لا يلتصق بالزجاج أو القنب؟ لا، فقد فعل الاثنين معاً. ألعله باهظ الثمن لهذا الحد... لا، لم تكن عشبة ويكليف باهظة إلى ذلك الحين، وكان هذا المحلول مكلفاً بما فيه الكفاية بالفعل.
لا أجد سبباً آخر، إنهم يريدون لهذا الشيء أن يُفرغ طاقته السحرية ببطء. يبقى السؤال: لماذا؟