موضوع: لعنة الفصل 160 — حرية الصيد (الكتاب 3)

اقرأ موضوع: لعنة الفصل 160 — حرية الصيد (الكتاب 3) باللغة العربية على مانجا تايم.

“مسخ!”

كانت الكلمة فجّة. لكنها تبدو دقيقة من منظور الرجل الساقط تحتها. هبط ضباب أول المساء. لم يكن الضباب الغاشي متجانساً. التوى ولتفّ للداخل محيطاً بشكل لا يكشفه سوى الظل المرتجف في الأعماق. امتد شبح أجنحة من جدار إلى جدار. تمايلت زوائد تظهر وتختفي. بقيت تلك الأطياف المظلمة مهما ركض بعيداً. تقترب أكثر فأكثر. تعثر عابد ملك الآلة. اشتبكت قدماه بأنابيب مفككة واصطدمت ذراعاه بمعدن صلب.

خدشت أصابع السطح. حفرت أظافر في شقوق خشنة بينما حاول الرجل بيأس جرّ نفسه للقفز. لكن قدميه انزلقتا من تحته عندما هشّم حذاء نيكسالا فقرات ظهره. أفلتت شهقة ألم من المنتمي للطائفة. التوى رأسه لينظر إلى هيئتها بخوف يماثل ما شعره صانعو الأجساد الذين طاردتهم في النجم المظلم قبل مدة غير بعيدة. سعى متخبطاً لاختلاس شيء من ردائه، لكن نيكسالا وضعت حدّاً لذلك. لم تهتم لمدى غرابة قتال عابد بطفرات تقلّ عنها، فلن تفرّط في يقظتها الآن.

ربما دمرت آلته — مركز قوته — لكن لا يمكن للمرء التنبؤ بما يخفيه البعض. ونيكسالا مثال حيّ على ذلك.

دفع "بوشي"

رأسه نحو الأرض، بينما جذبت "كوريوس"

ذراعه مبتعدة عن أغطية قماشه. منحتها اللوامس حرية الجثو على ظهره، ليضغط حذاء خشن بين لوحي كتفيه. تردّد صدى وقع خطوات تارشون الثقيلة في الممر خلفه، يزينها أزيز بخار متقطع. لم يدرِ العابد تحت حذائها أين عليه أن يخاف منها، أم مما هو آت.

“تعرف شيلو'سوسينالوس؟”

بالكاد كان سؤالاً. انتشر الاسم لدرجة جعلتها تشك في وجود عابد واحد لا يعرفه. رفض الرجل الإجابة. كان مششغولاً للغاية بأفكار أخرى لا طائل منها. ضغط وجنته بقوة على السطح المحزز، فاتسعت عيناه واجهدتا حواف رؤيته لتأمل هيئتها. ازداد الرعب الذي يقبض على جسده إطلاقاً حين تعرف على هيئتها البشرية غالباً — المزينة بقطع ما كان لها أن تكون هناك.

“جنون.”

كان صوته مجرد همس، ومع ذلك أشعل محاولته اليائسة للهرب من جديد. تخبط تحتها. فعل عقيم؛ مسخاتها أمسكته بإحكام شديد. رغم همهمات الملوك المُستدعاة، ومخلوقات الظلام الكامنة بلا انقطاع في الأسفل، وكل أنواع الرعب المخفي في أعماق كورال، ظل الجنون الجانب الأكثر إثارة للخعب في الحياة. كان مستهلكاً للجميع. خطيئتاً مستمرة قد يفقد المرء فيها نفسه وهو يدفع حدود ما يعنيه أن يكون بشراً.

بدت الإمكانية مروعة لمن يتلقاها، وكابوساً للجميع. سرّ نيكسالا ببساطة أن حالتها الفريدة بقيت مجهولة لمعظمهم.

“تعرف شيلو'سوسينالوس؟”

كررت، مقتربة أكثر.

“نعم،”

أصدر صريراً. استوعب عقله السؤال أخيراً وسط تجمده.

“جيد،”

همهمت نيكسالا، آملة تهدئته، إلا أن العابد تصلب.

“وأين أخذ... صولجان المحاكمة الأخيرة؟”

“أي صولجان؟”

اندفع متلعثماً.

“لا أعرف شيئاً عن صولجان.”

“إذن لنُجرّب مجدداً. أين سيخزن شيلو'سوسينالوس أثراً قوياً سُلب من ندبة عدم؟ أثر لا يستطيع استخدامه.”

“في الروافد؟”

بدا صوته غير واثق.

“إحدى الخزائن الداخلية لعقيدة عاشرة.”

“شكراً لك،”

قالت، بينما التقطت "كادلي"

سكينها الملطخة بالدماء من ردائها. جلست اللامسة تلوّح بسرعة فوق السطح الصلب. كفرشاة لا نصل، تزيّن الأرض حول العابد بطلاء قرمزي قريباً. أملت أن يلتصق بالسطح طويلاً لتنفيذ الطقس، لكنه للأسف انزلق عن السطح وتصاعد على لوامسها في لحظات معدودة. فقاعت أصابع وسط السائل متلهفة لمسّها. ربما تتعلم الرسم بسرعة يوماً ما، لكن ليس اليوم. متذمرة بصوت خافت، أخرجت قطعة طباشير ورسمت الطقس بالطريقة العادية — الأقل فعالية.

“إذن... يمكنني الذهاب؟”

سأل العابد آملاً. بدا جاهلاً بالخماسية المحيطة به الآن. امتنان نيكسالا مع ارتخاء قبضة لوامسها بعثا برسالة خاطئة. أملاً كاذباً.

“لماذا قد تظن ذلك أصلاً؟”

توهج جسد العابد فجأة من الأسفل. اشتعل الطقس ببريق بينما أصاب الرجل تشنج. انتفض جسده. تخبط يائساً ليفلت من قبضتها حين أُقرّ ضحيةً. أمسكت بقوة، ولم يكن هناك مفرّ من الألم الحارق حين انتُزعت دماؤه وقوته وروحُه من غلافه. راققت نيكسالا الرجل وهو يذوي. ترددت صرخاتها في الممر، وبدت كأنها تعلق حتى بعد أن انكمش إلى قشرة جافة. لا بد أن الرفيقين اللذين تركتهما لتتبع هذا المسكين قد سمعا، حتى وإن لم يتبعاها.

كان ميتاً لحظة أن كشفت نيكسالا عن نفسها. لن ينجو. بغض النظر عما إذا كان هدفها الوحيد هو مجرد مدّ أجنحتها. حسناً... لقد مات لحظة رأت نيكسالا عابداً منفرداً يتجول في ممر منعزل. سواء أكان رسولاً لحربهم، أو يؤدي مهام وضيعة لعقائده العليا، لم يهم نيكسالا. وجدت فرصة ولن تدعها تفوت.

“تعلمي،”

تردد صوت في الممر خلفها.

“كان بإمكاني إخبارك عن الروافد.”

التفتت نيكسالا عن البقايا المُضحّى بها.

“إذن لمَ لم تفعل؟”

“هل أقرأ عقلك؟”

توقف تارشون أمامها. حتى وهي تنهض من وضعية الجثو، كان على نيكسالا أن ترفع رأسها لتراه.

“لا يمكنني المساعدة إن لم تسألي.”

“حسناً إذن.”

دفعت تبرمها جانباً. ظل القضاء على عابد بينما تُبرز طفراتها يستحق العناء.

“أيمكنك إدخالي إلى روافد العابد؟”

“لا. الدفاعات أعظم من أن تُحتمل، والفائدة الاستراتيجية لسقوطه أقل من أي عقدة خادم لتجعله هدفاً جديراً.”

التفتت نيكسالا إلى الفتاة التي تجلت بجانبها، متيمة بريش أجنحتها.

“ليسيرا؟”

طرفَت، مدركة متأخراً ما يُطلب منها. هزّت رأسها.

“يمكنني الاختفاء عن الكثير من وسائل الرصد، لكن إن لم يوجد طريق، فلا طريق. الأمر لا يشبه ببساطة تتبع عابد من الباب الأمامي.”

نقرَت بلسانها، فالتفتت نيكسالا لتحطم بقايا العابد بعينها الثالثة. لم تكن الأضحية لتقوية نفسها — فقد تراجعت فاعليتها أضعافاً مع من يملكون طفرات أقل منها — بل لإلغاء الروح ببساطة. ما كانت لتسمح لمرنمي الأرواح بتسريب أسرارها. وحين تحطمت القشرة إلى رقائق جافة وتدفقت في صدر نيكسالا، أُسرت ليسيرا مجدداً.

“ظننتك قلت إنك رأيت طفراتي؟”

“حسناً، أجل... لكن التركيز عليها صعب حقاً. كانت مجرد صور عابرة حتى الآن حين تظنين أن أحداً لا ينظر، أو ما تتركه خلفها. لكن بأجنحتك المفرودة، يستحيل تفويتها.”

“إذن كيف لا تصابين بالجنون وتلك الأشياء معلقة عند خصرك؟”

لمست جناحاً بحركة خشنة، لكن من مدة بقاء اليد، لم تكن متأكدة إن كانت ليسيرا تريد شعور ريشها فحسب.

“هذا...”

التفتت نيكسالا إلى تارشون. حتى وإن أقسمت الفتاة بولائها، لم يكن الأمر قابلاً للشرح بمثل هذه البساطة.

“ليس مما يُقال علناً.”

حدقت ليسيرا، بخيبة أمل، في عابد الآلة وكأن خطأ نيكسالا في الإحجام عن الكلام يعود إليه بطريقة ما. بلا بقايا للقشرة، دفعت نيكسالا مسخاتها للاختباء تحت أغطيتها. تقدم تارشون نحو جانب النفق، وغرز أصابعه في لوح الأرضية الذي حمل بعض الشققات الطفيفة حيث أفسد طقسها المعدن، ورفعه. لابد أن لوح المعدن الثقيل وزنه طن، لكنه قلبه بسهولة. قبل أن يقفل الجانب السليم من اللوح في مكانه، حصلت نيكسالا على نظرة لممر الزحف الضيق تحت الأرض.

امتلأ بالقنوات والأنابيب، لكن إن أُزيلت، لربما تسنى لمن هي بحجمها المرور. لم يمتلك رفيقاها الأثنان طريقة لاستعادة صولجانها، لكن هذا لمَعني إقلاعها عن المحاولة. كان ملكها. اكتسبته بإسقاط مالكه السابق، وستعيده بين يديها، بغض النظر عن مدى إحكام قفله داخل أرض العابد.

“بما أنك فعلت ما شئت، فقد حان وقت العودة.”

ربما جارى تارشون نزواتها، لكنه بدا جلياً يفقد صبره. حسناً... ظنته فاقداً لصبره. لم يكن شخصاً يسهل فك طلاسمه. إما أنه استعجل عودة نيكسالا داخل أسوار طائفة الآلة ليلتحق بالحرب مجدداً... أو أن ليسيرا جعلته يشعر بعدم الراحة. يستحيل الجزم. أومأت نيكسالا وتركته يقود بينما انسحبت مع ليسيرا للخلف. أرادت سؤال عما جرى بين الاثنين. التقيا بوضوح. لكن مع احتمال تنصت عابد الآلة، لم يكن التوقيت مثالياً.

اتفقا على بقاء ليسيرا وسط صانعي الأجساد. قضت أشهراً بالفعل في سعيها لتُقبل، ولا حاجة للتخلي عن كل ذلك حين يقدم شتى الفرص. حتى وإن عجزت نيكسالا عن فعل المثل. سيُلاحظ الكراهية المتدفقة في عروقها قبل طفراتها بوقت طويل. لذا، لا ينبغي رؤيتهما معاً قط. لن يحادث أي صانع أجساد عابداً للآلة. إلا إن كان ذلك عبر أسنان مصكوكة. وساء الأمر خصيصاً لكونهما فريدتين في طائفتيهما. ليسيرا بلا جراحات تعديل جسد، ونيكسالا عاجزة عن حمل أجزاء جسد ميكانيكية.

لحسن الحظ، استطاعت إحداهن التواجد في كل مكان دفعة واحدة.

“كيف عرفوا ما ينتظر تحت الهرم؟”

سألت كيف رتبت ليسيرا الخدعة بأكملها من الأساس، لكنها لم تكن خفية قط في كراهيتها لتارشون. الأفضل ألا تكشف كل أسرارها. حدقت ليسيرا في تارشون بحذر قبل أن ترسل نظرة مستوية صوب نيكسالا.

“سأخبرك حين تخبريني ما تلك الطفرات.”

عبست، مفترضة أن تلك ستكون إجابتها عن أي سؤال مستقبلي، غير أن ليسيرا لم تملك كبح نفسها.

“لكن...”

تلاشى صوتها.

“سأقول إنني استغلت بعض الصلات التي تمتلكها العقائد العليا خارج صانعي الأجساد. ليس الجميع حذراً حيال أطفال غير مرئيين يتصنتون على أحاديثهم.”

أفسحت ابتسامتها الساخرة المجال لحدقة غاضبة.

“حسناً، لم يكونوا كذلك قبل أن يكشف أحدهم كيف تعمل أسمائي.”

“كان عليك الاستسلام منذ البدء.”

هزّت نيكسالا كتفيها، ومضت متجاوزة تارشون إلى النفق المنتظر. تقدم عابد الآلة أمام ليسيرا ليمنع دخولها.

“معذرة، المعبد مغلق حالياً ولا يسمح بدخول أي شخص من خارج طائفة الآلة.”

أبدت نيكسالا امتعاضاً. أدركت احتمالية حدوث ذلك، لكنها لم تذكر الأمر علّ تارشون يتغاضى عنه.

“ألا يمكنك استثناء الأمر؟ سيساعدني بقائي على تواصل معها.”

“لا استثناءات.”

لم يتزحزح.

“لا نضع استثناءات.”

أفلت أنين تبرم من شفتيها.

“اترك لي نسخة مطابقة هنا، إذن؟”

أومأت ليسيرا وابتعدت. تقبلت حقيقة رفض ترحيبها برشاقة تفوق ما كانت نيكسالا لتفعله. أُغلق الجدار، وما إن مرت لحظة حتى دوى إنذار في أذنها. قطع تارشون خطوتين في الممر، وشبك يده في الفضاء الفارغ، لينتشل ليسيرا التي تجلت فجأة من لا شيء.

“تباً،”

سبّت. ملوحة من الياقة في يد تارشون لنيكسالا.

“وداعاً.”

انفجر جسدها في حزمة مألوفة من الذرات البيضاء، واهتز النفق ليتحرك. ربما لم تكن بهذه الرشاقة. قضمت نيكسالا مفصل إصبعها قبل أن تقرر أنه ليس سراً يجدر إخفاؤه عن تارشون إن كان سيُدخل ليسيرا إلى طائفة الآلة.

“في المحاكمة النهائية، أقسمت بالولاء لي.”

التفتت لتثبت عينيها في عيني تارشون.

“تقنياً، هي جزء مني. ألا يمكننا إدخالها؟ وجودها بجانبي سيكون مفيداً للغاية.”

تحركت الفتحة في عينيه، مقيمة إياها. طال صمته لدرجة أيقنت معها أن الجواب سيكون بالنفي، لكن كلماته لم تكن رافضة تماماً.

“سأطرح الأمر على تا'سترالانوڤ'ر.”

كان ذلك أقصى ما أمكنها أمله.