الفصل 96: لا شيء ليثبته تهيأ لارتطام، ليهوي مجدداً على فراشه ويغيب عن الوعي بقية اليوم. لم يحدث ذلك. شعر بعوض ذلك بعاديّة. عاديّة تامة مطلقة. بلا أيّ آثار عالقة في عقله. بدا جسده مرهقاً قليلاً، لكنّه لم ينم منذ فترة. وقف بايك وأجرى تمريناً سريعاً ليختبر حدود جسده. لم يكن هناك أيّ خطب ولو بأبسط قدر. تسللت ابتسامة ببطء إلى وجهه. على حدّ ما تذكّر، كان هذا نجاحه المطلق الأوّل من دون أيّ شوائب.
لم تكن هناك شواهد تحذيريّة، ولا مشكلات كبرى يتعيّن عليه معالجتها لاحقاً، ولا أشياء فاتته. ولم يكن صراعاً محموماً لإصلاح أخطاء سابقة أو أمراً جاء متأخراً فيه. لقد انجز شيئاً قبل وقته المفترض بزمن طويل. فعله باكراً وبصورة أفضل بكثير ممّا قد يظنه أحد ممكناً. لم يكن هذا هو التحكّم الذي طُلب منه بلوغه؛ كلا، كانت تلك بداية التمكن. كانت هذه أداة يستطيع استخدامها متى شاء، وأدرك أنها قد توقِع ممارساً بلوريّاً على حين غرة.
عزّز هذا الأمر فكرة استحالة تحدّي أيّ أحد لمكانته في الطائفة الخارجيّة. اعتقد أن لي فينغ وحده من يستطيع خوض قتال حقيقيّ معه، ومع ذلك كان واثقاً تماماً من خروجه منتصراً. لكنّه لم ير أيّ سبب لخوض ذلك القتال من الأساس. لم يكن لي فينغ ليقف في طريقه أو طريق ليمينغ. لم يكتفيا بالاتفاق على العمل معاً، بل لم يرغب أيّ منهما في تلك القمة. ليس حقّاً. كلّ ما كان يهم بايك هو المراكز الخمسة الأولى.
وما كان يؤول إليه الأمر في النهاية هو بطولة نهاية العام ومن سيؤهَّل لدخول الطائفة الداخليّة. لم يكن تصدّر القائمة تذكرة مضمونة للدخول. لا يزال أمامهم طريق طويل. عام كامل تقريباً، لكنّه لم يستطع الجلوس بلا حراك، ليس لكونه لا يؤمن بأنه سيبلغها. لقد اقترب بالفعل من المستوى الذي يدخل فيه التلاميذ الطائفة الداخليّة. كلا، إن توقف عن الحركة، فسيفقد الزخم ويصاب بالركود. أخبرهم والدهم مراراً وتكراراً أن لا شيء أخطَر على الممارس من انعدام التهديد.
الرضا القاتل يقضي على الممارسين. قد يظن المرء أنه بلغ ما يكفي. وأنه يستطيع إبطاء سعيه قليلاً ليبلغ المرحلة التالية، أو أيّ معلَم تالٍ. وربّما يفعلون. لكنّ الخطوة التالية دائماً ما تكون أضخم بكثير من سابقتها، لدرجة أن المرء إن لم يقتحمها جادّاً، فسيتأملها ويفكر. لقد عشت خمسمائة عام؛ وما زال أمامي بضع آلاف من السنين. ألم أُعش حياة طيبة؟ ألا أستحق الراحة؟ كانت الإجابة نعم.
كان المرء يستحق الراحة فعلاً. لأنّ الجهد لم يكن مجدياً. وإن لم يسترح، فسيكون مصريّاً قضاء وقت أطول بأربع مرات ممّا عاشه بالفعل، كابداً وداففاً نحو العقبة التالية، مع احتمال مؤكّد تقريباً بفشله في بلوغها أو موته في المنتصف. ولن يعرف طعم السلام أو الراحة لأكثر من لحظات معدودة في كلّ مرة. وهنا دخلت الاحتمالات حيز التنفيذ. واحد فقط من كل مئة سيتقدم، وقد تسوء الأمور أكثر في العوالم اللاحقة.
وحين وُجِد ما يدفع الممارس قدماً؛ سواء أكان تهديداً أم حافزاً، ضغطاً عائليّاً أم التزاماً مجتمعيّاً، أو والأفضل من ذلك، تهديداً لحياته، كانوا يميلون نحو السعي لتلك القوة. نادر جداً ذلك الشخص القادر على مواصلة الممارسة بلا سبب سوى طلب القوة لذاتها. وحتى في تلك الحالة، لم يكن الفارق كبيراً ذا بال بين الانتقال من العالم الخامس إلى السادس. قلة قليلة فقط تستطيع فرض إرادتها عليك، ويمكن تفادي أولئك بسهولة.
ستعيش لفترة أطول ممّا يرغب فيه أيّ أحد حقّاً، ولن تحصل على أيّ راحة إضافية. لذا فإنّ أغلبهم سيتساقطون. رفض بايك أن يكون واحداً منهم. لقد كان كذلك حين عجز حتى عن البدء. رأى كيف ستكون حياته لو ظلّ بشريّاً. ثم تقبل ما كان قادراً على فعله بصفته ممارساً عقيقيّاً وشعر بالسعادة. كان ذلك مرضياً. أما الآن، فهو يعلم أن ذلك كان ضئيلاً للغاية. وإذ مُنح فرصة ثانية نادراً ما تُتاح للممارسين، لم يستطع إهدارها.
استحالت عليه القناعة بما يملكه، ليس لأن ما يملكه لم يكن جيداً. بل كان كذلك. أفضل بكثير ممّا تخيله يوماً. بل لأنه رأى كم يمكن لكلّ شيء أن يتغير ويتحسن. لم يبلغ هدفاً ويتوقف. ربّما يفعل الممارسون ذلك. يفكرون في البلوريّ أو ما بعده بقليل. يتغلبون على الصعاب ويبلغونه، ثم يستريحون. يمنحون أنفسهم وقتاً لإنجاب الأطفال، ثم حين يحين وقت الحراك مجدداً، تكون جذوة النار قد خمدت منذ زمن طويل.
تلك كانت قصص النجاح. لم يكن بايك ليصبح كذلك. بلغ هدفه الأول ثم تجاوزه، وصار كلّ شيء أفضل. ثم تجاوز هدفه التالي. هذه المرة لم يضع حتى هدفاً. لم تعد هناك وجهة تنتظره، بل الدرب والتقدم وحدهما. لمَ قد يتوقف إطلاقاً؟ هل اعتقد أنه قادر على بلوغ القمة؟ ليس تماماً، ولكن لمَ كان ذلك مهمّاً؟ هل وُجدت القمة أصلاً؟ بدا له السؤال سخيفاً. دائماً ما حكت القصص عن أبطال يملكون إيماناً راسخاً بصعودهم وأنه لا شيء سيوقفهم عن تحدّي السماوات.
لم يكن بايك كذلك. لم يمتلك ذلك الإيمان بنفسه يوماً؛ بل كان سيتصنّع ذلك تصنّعاً. لذا، كان عليه إيجاد حافزه الخاص بدلاً من ذلك. لم يكن شبيه والدته التي تحاول مواكبة والده. لم يكن أحد يعلم ما يدفعه والده، لكنّ بايك كانت لديه فكرته الخاصة. إن لم يمتلك هدفاّ، فلا حاجة به للإيمان ببلوغه. لم يكن هناك إيمان ليُهزّ. ولا شيء بمقدوره إيقافه. وبدلاً من التسابق نحو القمة، سيتحرك بدافع الحركة نفسها.
لم يكن مهمّاً كم قطع من المسافة، بل حقيقة تسلقه المستمرة هي ما سيحدد هويته. ضرب هذا كله عقل بايك كإشراقة دفعة واحدة. لم تتوفر له الفرصة الكاملة لاستيعاب كلّ ذلك، لكنه علم يقيناً بصحته. وقف في نهاية فراشه بابتسامة عريضة طفحت على وجهه. استرخَت كتفاه، ولم يشعر قطّ بمثل هذا التحرر والتحفّز. لم يكن الأمر أن التزامه تجاه عائلته قد تلاشى، بل كفّ عن كون عبئاً مضطراً لحمله.
لم يشعر بأي ضغط من عدم خذلان والدته، ولا بشعور الفشل لعجزه عن مواكبة شقيقته. سيكون قادراً على فعل كلّ هذا. بل إنّ تقدمه، على النحو الذي سينتهجه، سيساعدهم، ولم يعد بحاجة لإيجاد طريقة بديلة لخدمة مصالح العائلة متى فرغ، لأنه لن يفرغ أبداّ قط. وحين تلاشت القوة الداعمة له للأمام، اكتشف أنها كانت تبطئ مسيرته. كان يضبط إيقاعه ليتناسب مع الضغط، حريصاً على امتلاك ما يكفي دائماً لمواصلة الحركة في المستقبل.
وبات بإمكانه الاندفاع للأمام الآن؛ فإن سقط، سقط. لكنّ ذلك سيكون كلّ شيء. كان بايك يؤجل ممارسته لفترة الآن بسبب ذلك. لقد مرت أسابيع منذ أن أحرز تقدماً نحو المرحلة التالية. صحيح أن داختيانه كان ينمو، لكنه بلغ عوائد متناقصة هائلة. كان يضيف الحجم ذاته في كلّ مرة، لكنه كنسبة من الحجم الكلي، لم يعد يشكل فارقاً يذكر. ليس وكأنه كان سيتوقف، لكنه تجاوز منذ زمن الحجم الذي كان بحاجة إليه.
لقد كان يتعثر لأنه لم يعلم ما يتعين عليه فعله تالياً. لكنّ ذلك كان كذبة. لقد أراد دائماً شيئاً إضافيّاً ليعمل من أجله تالياً، لذا كان يقوم بأمور أقلّ أهمية، فقط ليحافظ على تقدم سهل، لكنّ ذلك لم يكن كلّ ما بوسعه فعله. غادر بايك غرفته ودخل غرفة الممارسة المجاورة في الجانب. أعدّ أدوات التحكّم وجلس في المنتصف. لم يعلم إن كان سيتمكن حقّاً من إحراز تقدم أو ما سيحدث لو فعل، لكنه لم يكن مستعداً للمجازفة بتخريب فراشه إن استطاع تجنب ذلك.
كما أن خطر التشتت هناك سيبدو عالياً للغاية إن عاد غوان لي. لن يزعجه أحد داخل الغرفة. غاص في روحه، متفحصاً كتلة التشي الدوارة في مركز داختيانه. كيف ينبغي له التقدم؟ كانت لديه فكرة عن كيفية التقدم إلى البلوريّ من الحكايات والمعارف العامة، لكنْ كحال أشياء كثيرة، كان واثقاً تماماً من أن ذلك لن يكون الأنسب له. لقد تجنب بسلبية تعلم المزيد. ولم يكن هناك سبب يمنعه من التماس المزيد من المعلومات.
لا سبب، سوى الغرور، الذي اعترف بحرية بأنه كان يتنامى. لكنه كان واثقاً تماماً بأنه يستحقه. فبين ابتكاراته الخاصة، واكتشافاته مع غوان لي، ومحادثاته مع الشيخ سونغ، أدرك أنه يمتلك فهماً لنظرية التشي أفضل بكثير من أيّ ممارس في مستواه. كما أنه لم يتبع الممارسات القياسية، حتى وإن وضعها ممارسو العوالم العليا واختُبرت طوال آلاف السنين. فقد صُممت للممارس العادي، وهو لم يكن كذلك.
قاوم بايك الاعتراف بالأمر، لكنه كان مميزاً، وليس فقط لأن تشي الخاصّ به كان بطيئاً. وبينما لم يكن ممارساً طبيعيّاً بمعناه الحرفي، فإنه لم يجد أمرهم مستغلقاً كما يعلم الجميع. كان يُفترض أن يتطلب فهم أمر واحد ممّا توصلوا إليه في فترة ما بعد الظهر عمراً بأكمله. لكنّ الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لبايك. لم يكن عبقريّاً في كلّ شيء، لكنه بدا مالكاً لموهبة ما. ولم يكن ليهدرها.
لذا، أخذ بايك جزءاً ضئيلاً من التشي وشرع في فحصه. لم يكن سوى تشي توبازيّ تأثر بعامل التشي، مانحاً إياه بداية تشي أعلى في العالم الروحي. لكن ما ذاك حقّاً؟ تذكر كيف تقدم. أدت التركيزات الهائلة لشيء من تشي الياقوت في مساحة واحدة إلى تأثير متسلسل حول تشي الخاصّ به وبنى التشي التي تشكل روحه إلى نسخة أشدّ وأقوى. أكان بإمكانه تكرار ذلك من أجل التوباز؟ ربّما هذا ما يفعله أغلبهم.
يرقّون أعضاءهم ويحصلون على قوة أكبر وتشي فاعل حتى يبلغوا عتبة، ثم يرفعونها مجدداً. كانوا يضغطون التشي، لكنه لم يكن واثقاً من أن طريقته ستعمل بهذه الصورة. أولاً، راودته حدوسات حول اللزوجة التي ستجعل الأمر شاقّاً. وثانياً، عانى من فرط حشو داختيانه لأنه احتاج إلى التعافي بعد إدخاله لمزيد من التشي. كلا، كانت هناك أمور أخرى سيجربها أولاً. وقبل ذلك، وُجد ما أراد فهمه. حين تقدم إلى التوباز، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحوي فيها داختيانه تشي يعود لعالم أعلى من الياقوت.
لقد تقدم حقّاً في الياقوت لأنه أخذ تشي الروح القديمة وقسّمه، مجبراً داختيانه على الاتساع. من الواضح أنه لم يمتلك إمكانية الوصول إلى تشي البلوريّ، وحتى لو فعل، لما ساعده بالطريقة نفسها. ما تساءل عنه حقّاً هو إمكانية فعله للأمر ذاته. أيمكنه شطر بعض من تشي الخاصّ به مجدداً إلى الياقوت، وما الذي سيتعلمه من ذلك؟ بات مختلفاً تماماً عما كان عليه من قبل. امتلك قدرات حسية وقوة أكبر بكثير.
لا بدّ وأنّ أموراً هائلة قد فاتته. بل وأبعد من ذلك، فقد تعلم الكثير حول التشي ونظريته. حتى وإن استطاع رؤية كل ما يستطيعه الآن، لما حاول فهمه أصلاً. لم يكن واثقاً حتى من قدرته على فعل ذلك. اختلفت طريقة شعوره بالتشي. لم يكن متأكداً أإن كانت تلك صفة لشيء من تشي الخاصّ به أم لكونه ينتمي هو الآخر للعالم الأعلى. ربّما وُجد جانب من التشي لم يكن متاحاً له التفاعل معه حين امتلك وزناً روحيّاً أدنى في العوالم السفلى.
أو جزء من الممارسة لم يكن يعرفه أو يفهمه بعد. لذا عزل جزءاً صغيراً من التشي. كان يدور بأسرع سرعة أمكنه جعل الكتلة بأكملها تدور بها. حاول جعله يدور بسرعة أكبر، آملّاً أن يتمكن من عزله بشكل أفضل لكونه أصغر حجماً. وحين لم يفعل شيئاً، أدرك أن ذلك يتسق بوضوح مع ما يعرفه. إن دفعت عربة عديمة الاحتكاك بينما تجري بأقصى سرعة، فلن تستطيع دفع ريشة لتتحرك أسرع إن كنت تجري بالفعل بأقصى سرعتك.
لم تكن تلك أفضل استعاراته، لكنه كان واثقاً من فهمه لها. لذا شرع في إبطاء سرعة التشي. ومع تباطئه، استطاع إلقاء نظرة على جزيئات التشي الفردية. فصل التشي ببطء إلى أجزاء أصغر فأصغر. صار الفصل أشدّ صعوبة شيئاً فشيئاً. استطاع تحريكها بسهولة أكبر بكثير ممّا تذكره عند تحريك الجزيئات الفردية حين كان في الياقوت، لكنه بدا كمن فقد بعض مرونته. كطفل ينمو، فتصبح أصابعه أطول وأقوى، لكنها تصير أغلظ أيضاً.
حين امتلك بضع جزيئات فردية، لم يعد يشعر جيداً بالصدوع التي استخدمها سابقاً لتفكيكها. صارت كتلة واحدة صلبة لولا معرفته لظن أنها لا تقبل التكسير بطبيعتها. لذا وكما يفعل طفل بزوج من الحجارة، فعل هو تماماً: التقط اثنين وحطمهما ببعضهما.