الفصل 85: هندسة الزراعة بعد أن استيقظ ونظّف جسده، تسمّر بايك أمام ما رآه في المرآة. كانت التغييرات أكثر دقة وأشد تطرّفاً مقارنة بجميع القفزات التي شهدها في المرحلة الأولى من زراعته الجسدية. بدا واضحاً أنه كان مخطئاً حين ظنّ أنه على وشك اتخاذ الخطوة التالية، بل كان على حافة التقدم إلى المرحلة الثانية. تختلف طرق الزراعة الجسدية عن بعضها اختلافاً كبيرًا، وبدت مراحله ذات قفزات ضخمة لدرجة أنه لم يحتاج إلا لعدد قليل منها ليبلغ المرحلة التالية.
لقد سمع بطرق مثل زراعة اللوتس اللطيف التي قد تضم سبع أو ثعل مراحل في المراحل الأولى. وربما المئات في المراحل اللاحقة. لا يمكن قط وصف أيّ من طرقه في الزراعة باللطيفة أو المتدرجة. لم يكن أنيقاً، بل كان فظّاً ومباشراً. بدءاً من تمزيق دانتيانه بغية التقدم وصولاً إلى سحق الأشياء بقوة عمياء في قتالاته، لم يسمح بايك للمشتتات بأن تعيق تقدمه. كان ذلك جزءاً مما أوقعه في هذا القدر من الحيرة إزاء ما رأاه في المرآة.
فقد تركته المراحل السابقة أصلع، ببلاطات تحت جلده. وكان هذا نقيضاً تاماً. ربما يعود الأمر إلى توافق زراعته الجسدية أخيراً مع الروحية، لكنه بدا أكثر توازناً. نما شعره حتى صار خصلات سوداء طويلة ونسيابية تصل إلى ما بعد كتفيه بقليل. وما كان لا يقل وضوحاً هو تبدّل ملامح وجهه بشكل طفيف للغاية. صارت عظام وجنتيه أكثر بروزاً بعض الشيء، وذقنه أفضل تناسباً بقليل. باختصار، بدا أوسم قليلاً.
ظلّت عضلاته وعرض كتفيه على حالهما تقريباً، لكنه لاحظ أن خصره صار أنحف، فعدّل رداءه قليلاً ليناسب مقاسه الجديد. كأن معظم التغييرات التي نات عن قضاء وقت طويل كبشريّ فاني قبل الاستيقاظ قد تبخّرت. حتى جلده صار أكثر بياضاً. لا يزال من الممكن التعرف عليه، لكن التغييرات كانت واضحة. الجزء المسنن خلف أسنانه لم يختفِ؛ وإن كان قد أصبح أكثر حدة. نخس ذراعه. قطع الدرع المائلة تحت جلده لا تزال موجودة، حتى وإن بدا إفرازها أصعب للرؤية؛
لكنه استطاع استشعارها. كانت أصغر حجماً وأكثر بكثير. وفقط حين راقب الجلد وهو يتحرك عن قرب تمكن من تمييز نقش الحراشف السداسية، ولاحظ أنها باتت تتداخل قليلاً الآن. شعر بالامتنان لأنه بدا طبيعياً أكثر الآن. بل إن التغييرات بدت أقل وضوحاً مقارنة بأي ممارس توبازي ذي جسد من المرحلة الثانية، إذ ظلت عيناه طبيعيتين واختفت كل تعديلاته. مع زوال ضغط التقدم الملِحّ الذي أرهق طويلاً قائمته، استغرق بايك وقتاً لتقييم كل ما تحتم عليه العمل عليه.
أولاً، احتاج إلى إعادة صياغة دانتيانه. لقد فرغ تماماً الآن، وهذا منعه من فعل أمور عديدة أو حتى القتال بفعالية. ثانياً، كان عليه معرفة الوضع في الطائفة الخارجية والتحدث إلى ليمينغ. ثالثاً، هناك دراساته مع تاكا والسيطرة بشكل عام على غيبوبة المعركة خاصته. رابعاً، أبحاثه مع غوان لي والشيخ سونغ مستعدة للتقدم. خامساً، كان عليه مواصلة توسيع دانتيانه. سادساً، أراد الدفع بزراعته للتقدم مجدداً.
سابعاً، أراد تطوير وصقل التقنية التي ابتكرها بشكل أكبر. وربما تمكن من دمجها تماماً في الفن، والغاية، وكل شيء. شعر أن هذه قائمة لائقة للغاية. كان متأكداً من وجود أشياء نسيها، وهناك أيضاً أمور لم تجد طريقها إليها. مثل مساعدة أخته وأصدقائه على التقدم. كان عليه شطب بعض البنود لنفسه أولاً. والأهم هو إتمام السيطرة على غيبوبة المعركة خاصته. كان يحرز تقدماً جيداً، لكنه ما زال مرتبطاً بموعد نهائي.
مع ذلك، وقبل أن يتسنى له الشروع في البنود الثالثة والخامسة والسادسة والسابعة، احتاج إلى المزيد من التشِي. حتى البندان الثاني والرابع سيغدوان صعبين ددون ذلك. لكن قبل أن يبدأ، أراد تلقي بعض المشورة. ذكر غوان لي فكرة في وقت سابق، لكنهما قُطعا قبل أن يتسنى له الاستفسار عنها أكثر. لذا توجّه نحو الغرف المشتركة في منزله ليرى إن كان بوسعه إيجاد رفيقه في السكن. لم يكن غوان لي قد استيقظ بعد.
استطاع بايك سماع تنفسه المنتظم خلف بابه. وهو أمر لم يلاحظه من قبل، وأعزى ذلك إلى الحواس المحتدمة بعد اختراقه. بالنظر عبر النافذة، رأى أن الشمس لم تشرق بعد. يبدو أن زراعته لم تستغرق وقتاً طويلاً كما ظنّ. فكر في مغادرة المنزل، لكن تلك كانت فكرة سيئة في غياب أي تشي. عوضاً عن ذلك، التقط عصاه وتوجّه إلى الفناء الخلفي. استقرّ في مكانه، وبدأ في أداء بعض الحركات الأساسية.
توقع أن يبدو الأمر غريباً، لكنه بدا طبيعياً أكثر من أي وقت مضى. لم يكن يمتلك ميلاً كبيراً تجاه أي سلاح بعينه، لكن الأمر بدا هنا وكأنه يقاتل أعزلاً. حيث كان الأكثر راحة، لكن هذا بدا جيداً بالقدر ذاته. شعر أن العصا جزء منه. وكان إدراكه لها بحدة شعوره بيديه. كانت كل ضربة دقيقة، وكل حركة تتبع المسار الذي قصده تماماً. اكتفى بتقرير ما يريده فأطاعه جسده. أسرع في إيقاعه، مجتازاً عدة سلاسل حركية دون توقف.
ومع كل مجموعة منجزة، زاد من سرعته مجدداً. شقت عصاه الهواء بصوت طنين مسموع مع كل ضربة. في النهاية، عرق جبينه حتى. توقف لشرب بعض الماء، وترك العصا مسندة إلى المنزل قبل أن يبدأ في تمرينات قتالية خالية من الأسلحة. لم يكن التغيير ملحوظاً بالدرجة ذاتها؛ لقد صار أسرع وأقوى يقيناً، لكنه لم يشعر براحة أكبر مقارنة بما سبق. توقف عندما فتح باب الفناء، وأطلّ غوان لي برأسه.
"ها أنت ذا."
مشى بايك نحو الداخل والتقط قطعة قماش احتياطية ليمسح بها وجهه.
"كنت تبحث عني؟"
"بعد أن ذهبت للزراعة، راودتني بضعة أفكار أردت عرضها عليك."
قال غوان لي وهو يتنحى جانباً ليسمح لبايك بدخول المنزل.
"هات ما عندك،"
قال بايك.
"كنت في الواقع في انتظار استيقاظك أنت أيضاً."
"أوه، رائع."
قال غوان لي بنبرة متحمسة وهو يتحرك نحو أحد الكراسي ويلتقط ورقة واحدة.
"إذن، كنت أفكر في الطريقة التي ربطت بها الملاحظات التي أنجزناها."
أومأ بايك برأسه.
"ما بها؟"
"حينها، بدا الأمر وكأنك ألّفتها على حين غرة وأنت تمضي. لم أستطيع رؤية ذلك بالطبع، لكني لا أظن أنني رأيتك تستخدم شيئاً مشابهاً من قبل."
"لم تكن من الصفر تماماً إذن. كانت هناك بعض الأمور التي جربتها مسبقاً أثناء قتال نمل اليشم الدموي وأدت إليها، واستخدمت خطوط طاقة مريديان موجودة مسبقاً. لكن نعم، لم تكن مأخوذة من فن تعلمته في كتاب أو ما شابه."
أكد بايك.
"جيد، هذا ما ظننته."
قال غوان لي وهو يناوله قطعة الورق. استغرق بايك لحظات قليلة ليدرك ما ينظر إليه، لكنه عبس بعدئذ وبدأ في فك طلاسمه.
"هذا ليس فناً كاملاً."
صرح بذلك.
"لا، ظننت أن تصميم خطوط مريديان خاصة بي لا يزال مبكراً بعض الشيء."
قال غوان لي.
"أفكر في استخدام القليل الذي أملكه وربما انتقاء جزء من فنون موجودة واستخدام خطوط المريديان الخاصة بها."
كان ذلك أحد المسارات الواضحة التي يمكن لأفكارهما أن تسلكها. لم يمتلك بايك سوى خطّي مريديان، وكان بإمكانه امتلاك العديد غيرهما. لكن مع سير الأمور على هذا النحو، لم يكن متأكداً تماماً من أنه سيكون مقيداً بالقدر الذي ظنه أولاً. مع ذلك، ربما كان من الآمن افتراض أنه سيضطر للاكتفاء بأقل مما يرغب. لذا، ربما كان اختيار مجموعة من خطوط المريديان التي يمكنه استخدامها لتغطية أي موقف أو ابتكار أي تقنية أكثر منطقية من تعلم فنون كاملة.
كان الأمر غامضاً للغاية وغير ضروري إن استطاع إعادة نحت وتطوير خطوط مريديان أخرى. ومع ذلك، كان الأمر مغرياً.
"هل سيتطلب هذا المزيد من خطوط المريديان؟"
سأل بايك وهو يدقق النظر في الورقة.
"لا، صممته ليعمل بما أملكه."
"فن بلا مريديان. لم أسمع قط بشيء كهذا من قبل،"
تفكّر بايك.
"لا شيء فيه ينبغي أن يكون دائمًا؛ أعتقد أنه يمكنك تجربته دون مشاكل. لكن لديّ بعض الاقتراحات."
شرع في شرح مطول للأسباب التي تجعل بعض خيارات غوان لي قابلة للتحسين. قاوم غوان لي، وحين انتهيا، لم يبقَ أي جزء من الفن الأولي الذي تصميمه غوان على حاله، حتى وإن ظل التأثير ذاته. لقد أصبح فحسب أكثر قوة، وسرعة، وكفاءة.
"سيكون هذا أسهل بكثير لو كنت في توباز،"
أوضح بايك، رافعاً يديه بيأس إذ وجد نفسه مجدداً مضطراً لوصف ما يعنيه عوضاً عن رسمه في الهواء. ليس وكأنه كان قادراً على فعل ذلك الآن، لكن لا بأس.
"أنا أعمل على ذلك،"
تململ غوان لي.
"أترى أنه يمكننا العودة إلى عقدة التشي مجدداً؟ لقد أحرزت تقدماً جيداً هناك."
"قريباً، يمكننا اصطحاب ليمينغ ويسين مجدداً. لقد كنت أنوي البدء في الضغط على ليمينغ؛ أظن أنها ربما تتباطأ إذ يُشتت تركيزها بعيداً عن الزراعة."
قال بايك: "لكن قبل أن نفعل ذلك، أردت التحدث معك بشأن فكرتك الخاصة بتسهيل إعادة تعبئة تشي خاصتي. لقد فرغت تماماً، ولا أريد أن أكون عرضة للخطر بالنظر إلى مدى الفوضى التي جعلتها تبدو عليها البارحة."
"تقصد الأمر الذي اقترحته بشأن صنع باب قبل أن يقاطعنا لي فنغ؟"
سأل غوان لي.
"بالضبط،"
قال بايك.
"يعجبني الأمر، لكني أرى مشكلة، وكنت أتساءل إن كانت لديك أي أفكار بشأنها."
"تقصد ما سيحدث مع نمو دانتيانك؟"
"نعم،"
قال بايك.
"لديّ أيضاً بعض الأفكار حول كيفية بناء شيء دائم، لكني لست متأكداً مما هو الأفضل. يبدو خاطئاً صنعه من لحم روحي. أشبه بصنع باب من اللحم. لكن خياراتي الأخرى لن تنمو معي."
"أدرك ما تعنيه."
قال غوان لي.
"قد يكون الباب تشبيهاً سيئاً. أنت محظوظ. تحتاج إلى شيء يمكنه التمدد مع دانتيانك كلما ملأته. لذا لا يمكن أن يكون جامداً للغاية، وإلا فسيتشقق أو يتسبب في مشاكل أخرى. لكن لا يمكنك جعله ضعيفاً للغاية، وإلا فسيتمزق. ربما شيئاً أشبه بستارة خيمة. يمكنك وضع أزرار من جانب وعروات من الجانب الآخر؟"
"سيكون ذلك مثيراً للاهتمام،"
قال بايك. فكر في الأمر قليلاً. لم تكن هناك أي طريقة لنجاح ذلك مع أي شخص آخر. الفجوات عند إغلاقه تسببت في تسريبات، لكن على عكسه، بوسعهم سحب التشي عبر الغشاء. إذن، ماذا ستعني تلك الفجوات الصغيرة بالنسبة له؟ بوسعه على الأرجح جعلها ضيقة بما يكفي لتعذر دخول التشي أو خروجه. كان أكثر قلقاً بشأن جعله قوياً بما يكفي. وعند فتحه، كان بإمكانه سحب التشي بمعدل جنوني. إن لم يكن مضطراً لانتظار التئامه في كل مرة، فسيكون في الواقع أكثر كفاءة من الممارسين الآخرين.
المشكلة الوحيدة كانت القوة. احتج لأن يكون قادراً على النمو دون تمزيقه.
"الأزرار ستخلق نقاط ضغط."
تفكّر بايك.
"ولكن ماذا لو صنعت سلسلة من المزاليج المتداخلة التي تترابط معاً؟"
"مثل مجموعة أقفال؟"
سأل غوان لي.
"أستتحتاج إلى مفتاح؟ أم ربما مجرد أداة لدفعها إلى مكانها قسراً؟"