لعلّ الهواء الخارجيّ صار لاذعاً ومائلاً إلى البرودة طوال الوقت الذي قضته في قاعة الرقص. أو ربّما كان دفء حلبة الرقص وتكاثف الأجساد هناك هو ما جعلها تألف حرارةً أعلى ممّا في الخارج. لم يكن الفارق صارخاً، غير أنّه جعلها تعقد ساعديها وتتمنّى لو معطفاً بحوزتها. لم يكن فستانها، على ما فيه من جمال، دافئاً البتّة.
سألت المدير: "أين أردتَ التحدث؟"
رماها أوزبين بنظرة فاحصة، ثم أشار إلى أحد مباني المدرسة القريبة.
"إذا مررنا من هناك سنجد جلسة صغيرة. توجد مقاعد وما شابه. إنّها هادئة للغاية."
هزّت رأسها موافقةً، فقد عثرت حشرات الغريم الخاصة بها على المكان الذي يقصده سلفاً. مجرد مساحة مفتوحة تربط الممرات بين أجزاء المدرسة المختلفة. وتوسطتها شجرة ضخمة، تتكفل أوراقها بدور سقف يظلل بضع طاولات نزهة ومقاعد وصناديق تعجّ بالزهور. ربّما كانت بقعة لطيفة لتناول الطلبة وجبات غدائها. وتبدو رومانسية جداً، مع أنّها استبعدت أن يكون أوزبين قد قصد ذلك. عجزت حشرات الغريم عن رصد أيّ أحد، أو كشف أيّ قناص، أو استشمام أيّ متفجرات عالية القوة أو غبار في الجول, لذا لم يرجح كونها مصيدة.
قال أوزبين وهو يتحرك نحو إحدى طاولات النزهة: "علينا الجلوس."
تبعته أكيلاري، ناظرةً بعينين متربصتين إلى عكازه حتّى أسندها إلى جانب الطاولة وتخلى عنها. انزلت في المقعد المقابل له بشيء من العناء. قد تكون الفساتين جميلة، لكنّها قطاً لم تكن مصممة لتيسير الحركة.
أخذ أوزبين نفساً عميقاً ليستجمع شتاته، ثم شرع يقول: "قرأت الرسالة التي بعثت بها سالام. ذكرت فيها أنّك تستمتعين بوقتك في فايل. آسف لإفساد ذلك. قد يكون آيرونوود مفرط الحماس أحياناً، لكن الذنب يقع على عاتقي."
أومأت أكيلاري ببطء مشوب بالريبة، كمن يواجه حيواناً مسعوراً. لا لأنّها ظنّت أوزبين مسعوراً، بل لأنّ ما من سياسيّ يبدأ حديثه بالاعتراف بالذنب إن استطاع تفاديه.
"حسناً. أجل، بدا ذلك لئيمات بعض الشيء منك، لكنّي أستطيع تفهم دوافعك. فلم يكن بينك وبين أمي أيّ تواصل يذكر منذ فترة."
"أظنّ هذا التعبير تقليلاً من شأن الواقع. نحن في حالة حرب منذ آلاف السنين."
أسندت مرفقيها إلى الطاولة.
"أتدري، لم أستوعب قط طبيعة تلك المعركة الأبدية الدائرة بينكما. ألم يكن أسهل لو تعلمان من أخطائكما وتغيران قواعد اللعبة؟"
قال أوزبين: "لا أظنّ الأمر بهذه البساطة."
"ربّما لا. لعلّي أكره الخسارة، لذا ربما كان رأيي متحيزاً."
حاولت افتعال ابتسامة وألفتها تتحول إلى ابتسامة حقيقية حين لمحت ارتعاشة عند زاوية فم أوزبين.
"من كان يتخيل أنّ سالام ستربي فتاة تشبهها إلى هذا الحدّ. من كان يظنّ."
ردت أكيلاري: "مهلاً الآن، أنا لست شبيهة بأمي البتة. لأمر واحد، هي تتفوق عليّ ذكاءً في كل منعطف. ولأمر آخر، لدينا نهج مختلف تماماً تجاه... حسنًا، أمور كثيرة."
"أه؟ حسناً، انتابني الفضول الآن."
كان يستدرجها لانتزاع معلومات. بصورة فاضحة تقريباً. لفعلت المثل لو تبادلا الأدوار.
قالت: "كنت دوماً من أشدّ المدافعين عن بقاء البشرية، على سبيل المثال. أريد أن أرى البشر يزدهرون، وأن أرانا نغزو النجوم ذات يوم ونمدّ أيدينا عبر النظام الشمسيّ بل وما وراءه."
مدت رقبتها إلى الوراء. حجبت أنوار بيكون وفايل النجوم، لكن ظلّ بعضها ساطعاً بما يكفي للتلألؤ عبر ضباب الضوء وحاجز الأغصان والأوراق فوقها.
قال أوزبين: "هذا... طموح."
"أنا من النوع الطموح من الفتيات."
أومأ المدير موافقاً: "أظنّني ألاحظ ذلك. لقد كنت ودودة للغاية مع بعض الطلبة هنا. الآنسة روز، الآنسة سكارلاتينا..."
نظرت من السماوات إلى الأسفل آملةً أن تخجِل بعض خصلات الشعر المتدلية أمام وجهها حمرتها الخفيفة.
"بالطبع. إنهما صديقتان جيدتان."
أردف: "صديقتان."
"لن أناقش حياتي العاطفية مع حبيب أمي السابق."
رفعت أوزبين كلتا يديه استسلاماً.
"معك حقّ. أنا فقط أقلق على سلامة طلبتي."
"إذن لافتضحتَ بأنّ وجودهم قربي أمر جيد. لا أريد التباهي، لكنّي قادرة على حمايتهم. هذا أيسر الأمرين. أمّا إبقاؤهم سعداء فهو ما أجده شاقاً أحياناً. أرجو فقط أن يكون كوني أفضل صديقة ممكنة كافياً لهذا الغرض."
مطّ نظره إليها طويلاً، بعينين تحكمان وتقيمان.
"أنت تردين الخير لهم حقاً، أليس كذلك؟"
قالت: "أفعله. وسيّدي إنّي أفعله. ولهذا لم أمانع الحديث معك هنا."
أخذت نفساً عميقاً لتهدئة أعصابها.
"أريد لهذه الحرب أن تنتهي."
رفع حاجبيه معاً.
"أستقفين في وجه أمك؟"
"أترضى بافتراض وجوب وقوفي ضدها لكي تنتهي الحرب؟"
"أليس هذا هو الواقع؟"
هزّت رأسها نفيّاً: "لا، بالطبع لا. تُخاض الحروب لأسباب. وآخر حرب خضتها كانت حرباً من أجل البقاء. البشر يقاتلون بأظافرهم وأسنانهم دفاعاً عن حقهم في الحياة. وهذه... هذه ليست ضد ملك أو قوة غريبة. هذه الحرب برمتها قائمة بينك وبين سالام، لأن كلاكما عاجز عن ترك الأمور تسير بهدوء."
قال: "أتمنى لو نستطيع تغيير ذلك، لكنّي لا أرى ذلك واقعاً."
"أتعجز، أم تمتنع عن المحاولة؟"
سألت.
"لو كفت أمي عن إرسال الغريم ضد البشرية، لو تراجعت وسمحت للبشر بالنمو مجدداً وأتاحت للعالم الازدهار، أكنت لتسمح بذلك، أم ستتخذ الأمر ذريعة لاستدعاء ملوكك مجدداً؟"
"لا أستطيع تخيل حدوث ذلك وسالام تدير الدفة."
"تخيلْه على أيّ حال."
طلبت منه.
"أنا... أظنّ الأمر سيكون لطيفاً، إعادة بناء البشرية، فتح البوابات والانطلاق إلى ما وراء حصوننا."
مرّر إصبعاً على تعرّج في خشب الطاولة.
"لقد طال بقاء كثير من العالم محبوساً خلف الأسوار."
سألت: "أفتقبل بالهزيمة إذن؟"
انتفض رأسه متسائلاً: "عفواً؟"
قالت: "أوزما. لقد كنت تقود جانبك ضد أمي لآلاف السنين ولا أظنّك اقتربت يوماً من النصر. آن الأوان لتغيير اللعبة. أنا مستعدة لفعل هذا القدر، وأظنّ أمي ستوافق أيضاً. كفّ عن محاولة قتلها، كفّ عن تعريض كل شيء للخطر... واستسلم ببساطة. لا أعني أن تقصد أمي وتجثو على ركبتيك أو ما شابه. ولا أحد يعلم كم تحمل في قلبها من حقد وربّما عذبتك لمجرد التسلية، لكن هذا لا يعني أن تواصل القتال في معركة خاسرة بالأساس."
"تجعلين الأمر تبدو سهلاً."
"وهو كذلك. أريد إرجاع الغريم. أريد إحداث تغييرات على المستوى المجتمعيّ تسهم في معالجة أمور مثل الجريمة المنظمة والعنصرية المتفشية التي تعانون منها. وإذا عملت من جهتك أنت أيضاً... ربّما لم تكن النجوم بعيدة إلى هذا الحدّ بعد كل شيء؟"
قال: "طموحة."
حمل صوته هذه المرة نبرة غريبة، بحة لم تكن موجودة في المرة السابقة. تركت لديها انطباعاً بأنّ الأمر هذه المرة كان بمثابة إطراء.
"أريد لهذه الحرب أن تنتهي. أريد لكل الحروب أن تنتهي. أريد أن أكون سعيدة مع أصدقائي. أريد أشياء شتى، لكن جلها يغدو مستحيلاً ما لم يتوقف القتال."
انزلت من على المقعد. تمنت لو استطاع الوقوف ببعض الأناقة، لكن ذلك استحيل بوجود طاولة نزهة وفستان منسدل، إلا إن لوت نفسها خارج المقعد وغامرت بكشف ما سترته عن العجوز المقابل لها.
"على أيّ حال يا أوزبين، ستنتهي حربك، لا بضوضاء بل بهمس. ولعلّ ذلك هو الأفضل."
استدارت ومضت ماشية.
*** تذمرت أكيلاري وهي تعثر على حزمتها المفضلة من فرط الحيوية تتحدث بسرعة ألف ميل في الثانية مع نيو المنصتة: "روبي، أنقذيني."
اصطدمت بالفتاة الأقصر طولاً من الخلف ومرغت خدها بخصر روبي.
وراحت تتأفف: "أحتاج إلى مساعدة."
سألت روبي متجاهلة الاحتكاك.
وكانت عيناها توحيان لأكيلاري بكلب يدرك حاجة صديقه للمساعدة، وتفيضان برغبة في إصلاح الأمور: "ما الدواعي؟"
أجابت أكيلاري: "خضت اجتماعاً مرهقاً للغاية. والعلاج الوحيد للإجهاد هو احتضان الأشياء اللطيفة"، ثم عصرت روبي بقوة.
ضحكت الفتاة بخفة: "أأنت بحاجة إلى مساعدة في العثور على شيء لطيف؟"
أبدت أكيلاري صدمة مصطنعة: "أهناك شيء ألطف منك؟"
التفتت في أرجاء الغرفة كمن يبحث. رفعت نيو يداً وأشارت بها نحو وجهها.
"محاولة لطيفة يا نيو، لكنّك لا تبلغين سوى تسعة عشر جزءاً من عشرين من لطافة روبي."
انتفخت وجنتا نيو بغضب فوريّ.
دفعت أكيلاري روبي أمامها مرددة: "يا روبي، استخدمي عين الجرو مع نيو، بسرعة."
لم تستطع رؤية ملامح وجه روبي، لكنّها جعلت نيو تحول وجهها بعيداً وتزيد من عبوسها. كان ذلك نصراً.
"أرأيت، روبي هي الألطف هنا."
مرغت وجهها بروبي مجدداً، فنالت جولة أخرى من الضحكات الخفيفة.
هتفت روبي بحماس: "علينا أن نرقص! لقد وعدت نيو بأن أرقص معها، لكنّك موعدي الليلة... لذا يجب أن نرقص معاً أولاً."
تساءلت أكيلاري: "آه، لكن مع من سأرقص بينما أنت مع نيو؟"
"ألا تمانعين تطوعي إن قبلت بي؟"
التفتت الفتيات الثلاث لتجد فيلفيت واقفة عن كثب بالقدر الذي يكفي لتسمع كلامهن. تقدمت خطوة للأمام، ومابت رأسها للأمام قليلاً بحيث غطت أذنا الأرنب المتدليتان عينيها قليلاً.
"آه، أعني، إن لم يكن لديك مانع."
قالت أكيلاري: "يا روبي، تحركي جانباً. فيلفيت تتصرف بحماقة وتحتاج حضناً جماعياً يعصر الحماقة من داخلها."
انتهت الليلة بالكثير من العناقان، وبكمّ هائل من الرقص البشع.