الأميرة الفصل 2

اقرأ الأميرة الفصل 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظت عاريةً في سرير. أخبرها شيء بأنّ في الأمر خطباً، وبأنّ عليها النهوض ومغادرة السرير والبدء بالبحث عن سلاح واستدعاء سربها للدفاع عن نفسها. لكنّها حين شرعت في التحرّك، بدا وكأنّ أثقالاً رُبطت ببدنها، فجعلت كل حركة قلبها يخفق بوتيرة أسرع في صدرها وتدفق عليها موج من الإرهاق. لذا استدعت سربها، الملايين من الكائنات التي كان يجب أن تحيط بها، منتظرةً، مستعدةً لطاعتها لأنّها كانت... لأنّها هي نفسها. لبّى نداءها بضع مئات. هذا كل ما هنالك، لا الملايين التي ترقّبتها. لقد كانت مملوكة لها لتتحكم بها، أجل، لكنّها كانت خاطئة أيضاً، شيء ما كان يشدّها لتواصل ما كانت تفعله، حتى لو اقتصر ذلك على التحليق بلا هدف في دوائر، في بحث دائم عن فريسة غير موجودة. كانت رؤيتها عبر عيونها مشوهة ومحيرة، بحراً من نتوءات صخرية مشرشرة تغمرها لُجّة من الضوء الأرجواني، وبقاعاً من سائل أسود يتشحّط جعل قلبها ينبض باضطراب حين ركّزت عليها، وأماكن كانت الأرض نفسها فيها تشتعل بالنيران. ثم جابت بها، سربها الصغير يططن مقترباً من البناء الوحيد المرئي. كان برجاً، نصباً تذكارياً من الحجر الأسود ينهض من الأرض كإصبع متوعدة، يتحدى السماوات أن تحتج على اقتحامه. وتدفق ضوء قرمزي من النوافذ المفتوحة. ولم يتطلب الأمر سوى لحظة ليسلّ لدن أصغر أفراد سربها إلى داخل البناء ويطير عابراً ممراته الكثيرة. كانت مستلقية مغمضة العينين حين عثر السرب على غرفتها. فانفتحت عيناها برفرفة وللمرة الأولى عاينت الكائنات التي تتحكم بها بعينيها هي. كانت شبيهة بالدبابير، بذيل منتفخ يخفي إبرة بطول بوصة وستة أقدام منتهية بشفرات تغوص في غطاء سريرها. وكانت أجنحة حمراء وسوداء تضرب الهواء بقوة تكفي لجعل الغرفة بأسرها تهتز وهي تحوم فوقها. استدعت واحداً منها، وتحرك البقية نحو الجدران والسقف والأرض، مغطين السجاد المطرز والأثاث الخشبي الذي لم تعطِهِ إلا القليل من اهتمامها. وحطّ أصغر أفراد سربها برفق بجانبها، متحرّكاً العظم الأبيض فوق وجهه بينما أمال رأسه. ببطء، وبجهد أكبر مما تستحق المسألة، سحبت ذراعها من شرنقة الأغطية المخملية ووضعت يداً على رأس الدنبور. سألت: "ما أنتِ؟" وجاء صوت من المدخل يقول: "إنه رماح". وقفت امرأة هناك، طويلة وقوية الشكيمة، ترتدي عباءات سوداء ذات حواش حمراء دقيقة. وخطت إلى داخل الغرفة غير آبهة بالكائنات، الرماح، التي كانت تدبّ قرب قدميها. لم تكن بحاجة لذلك، فقد كانت تتحرك عن دراية خارج طريقها. كررت وهي تمرر إبهامها على رأس الدنبور: "رماح". توقفت المرأة جانب السرير وتتبعت مسار ذراع الفتاة وصولاً إلى الرماح الذي كانت تلاعبه. "ألا تخافين منه؟" قالت: "لا". وسألت المرأة: "وأنتِ قادرة على التحكم به؟" تجمّرت عيناها الحمراوان في عينيها، ورغم أنها لم تشعر بأي عداء من المرأة، إلا أن النظرة جعلتها ترغب في الانكماش داخل السرير. أجابت بصدق: "نجل". وأردفت: "إنه حشرات". وارتفع حاجب رقيق على رأس المرأة. "وليس البقية؟" سألت: "البقية؟" أشارت المرأة باتجاه الباب. ولم يكن عليهما الانتظار سوى ضربات قليلة للقلب حتى ولج كائن آخر. كان هذا طويلاً، وذراعيه الطويلتين تنتهيان بمخالب بيضاء عظمية حادة، وبرأس كلب بأسنان بطول أصابع الفتاة وببدن مغطى بفراء أسود خشن. قالت: "هذا ذئب بيفو". أجابت بيسر: "حسناً". وسألت المرأة: "أتستطيعين التحكم به كما تفعلين مع هذه الرماح؟" أوضحت: "إنه ليس حشرة". وانضم حاجب ثانٍ إلى الأول. وقالت: "يا له من تخصيص دقيق. ألا تخافين منه؟"، ولا تزال تشير إلى ذئب البيفو. أخذت لحظة لتفقد الكائن الأسود مجدداً. كان ضخماً ومهيباً، بأسنان مكشوفة وكأنه مستعد لقضم قضمة منها في أي لحظة. "لا". أصدرت المرأة صوتاً في مؤخرة حلقها لعلّه كان ضحكة. "معظم من هم في مكانكِ لكانوا مرعوبين". سألت: "أهناك أحد غيري مثلهن؟" سقطت يدها عن رأس الرماح، وكل إصبع تحترق من إرهاق الإفراط في الاستخدام. قالت المرأة: "لا أعلم". تثاءبت، فانشق فكها واغرورقت عيناها بالدموع جراء الفعل. "ما اسمكِ؟" أمالت المرأة رأسها إلى جهة، ولا تزال تفحصها بعناية. "أنا سالم، ملكة الغريم". كانت كلماتها الأخيرة "حسناً"، قبل أن يباغتها ظلام النوم. *** راقبت سالم الطفلة وهي ترتاح. كانت إصاباتها بليغة، أو هكذا كانت قبل أن تتكرم بشفائها من أسوأها. مع ذلك، كانت أغطية سريرها ملتفة حول بدن نحيل للغاية ومتجمع على الجانب الذي تفتقد فيه الذراع. بحسب القامة، بدت في عمر سيندر، مع أنها بدت أنحل بكثير من ذلك. أدارت وجهها عن الطفلة والتفتت إلى وباء الرماح التي تحتل الغرفة. كانت وديعة، أكثر بكثير مما تكون عليه عادة، حتى في حضورها. وذلك الذي كانت الطفلة تداعبه التف في كرة محكمة بجانب الفتاة، مع إبقاء مخالبها مطوية لتتجنب إيذاءها. كان الأمر مقلقاً، ومبعثاً للاطمئنان. لقد مضت أعوام طويلة منذ أن حدث أي شيء مثير للاهتمام، منذ أن رأت أي شيء جديد حقاً، لدرجة أنها لم تكن متأكدة كيف تتعرض لهذا الاقتحام المفاجئ. كان بإمكانها قتل الفتاة وحسب، لتنهي الأمر وتحمي نطاقها. لكن أكان هذا ما تريده حقاً؟ إنها سالم، ملكة الغريم. وهي لا تحتاج إلى حماية من مجرد فتاة، ولا حتى تلك التي تشاركها سماتها. أمرت ذئب البيفو في وسط الغرفة بينما استدارت ومشت خارجة: "احرصي عليها". وأضافت: "إنها مثيرة للاهتمام". *** عندما استيقظت للمرة الثانية كانت الإضاءة في غرفتها مختلفة. كانت الشمس في الخارج في كبد السماء وكان الضباب الأرجواني الذي سلب المشهد ألوانه في أضعف حالاته. تطلعت حول الغرفة، وامتدت حواسها لتشمل سربها الصغير من الرماح. لم تستغرق سوى لحظة لاكتشاف أنها لم تكن وحدها. المرأة، سالم، عادت. كانت جالسة على كرسي لم يكن موجوداً من قبل، وكتاب في حجرها ورأسها منخفض لتتأكد من التركيز على الصفحات. درست سالم لبعض الوقت، وتتبعت نظرتها منحنى فكها والعروق السوداء حول عينيها. وكان شعرها عجيباً أيضاً، ست خصلات كذيول حصان بارزة في زوجين من ثلاثة من كل جانب من رأسها، وبقية شعرها ينسدل حتى أسفل ظهرها كنافورة بيضاء. قالت: "يبدو شعرك كعنكبوت". رفعت سالم بصرها عن كتابها، وطوت زاوية إحدى صفحاته دون أن تنظر، وأغلقت المجلد بصوت خافت مكتوم. "أيبدو كذلك؟" أومأت. وكان بإمكانها أن تشعر بدفء يتسلق خديها وتساءلت لِمَ سمحت لنفسها بالتكلم بصوت عالٍ. سألت سالم: "أفترض إذن أن أغير تسريحة شعري؟" هزت رأسها. لن يكون لائقاً إهانة المرأة التي ترعاها. "أنا أحبها". أصدرت سالم صوتاً آخر في مؤخرة حلقها، وهو صوت ربطت بينه وبين التسلية الخفيفة بسرعة. وقالت بيسر: "إذن سأبقيها هكذا. كيف تشعرين؟" توقفت، محركة أطرافها العارية حتى الآن تحت ملاءات الساتان لسريرها، وداعة المادة الناعمة وهي تنزلق متمتمة على الجلد العاري. كانت ذراعها وساقاها ما زالتا ثقيلتين، ومتعبتين، لكنه كان الآن تعب عضلة تتعافى بعد تمرين شاق، وحرقة وألم مألوفان. قالت: "أفضل. أفضل بكثير". قالت سالم: "لقد كنت نائمة لثلاثة أيام". قالت وهي تمد ساقيها تحت الأغطية حتى ارتجفتا: "أه... أنا آسفة". الدنبور المستقر بجانبها تحرك مبتعداً بكل طباع قط مبلل متجهم. قالت سالم: "الأمر لا يعتد به. كانت لدي أسئلة لكِ". شيء ما، صوت صغير في مؤخرة عقلها، أخبرها بأن تكون حذرة، وأن تحترس من هذه المرأة سالم، لكنه غرق بسهولة وسط لامبالاتها. أرادت فقط أن تنام مجدداً، أو ربما أن تتجول وتتحرك؟ لم يبدو أن بدنها يتفق على ما تريده. قالت أخيراً: "حسناً". سألت سالم: "ما اسمكِ يا طفلة؟" كررت: "اسمي". كان لها اسم. وكان لها أسماء عديدة، لكن في تلك اللحظة لم يكن أي منها يطفو إلى السطح. قالت: "لا أذكر". ارتفع أحد حاجبي سالم. وقالت: "هذا مؤسف. لا يمكنني الاستمرار في مناداتك بالطفلة". هزت رأسها. "لست طفلة". كذبت سالم: "بالطبع لا". لقد التقطت ذلك، لكنها لم تعلق. "إذن ربما كنية في الوقت الحالي. ربما دنبور؟" أشارت سالم إلى كل الرماح التي لا تزال معلقة بالسقف. منحت سالم نظرة مقتضبة لا تسرّ. قالت: "ليس هذا اسمي". قالت سالم: "أعلم أنه ليس كذلك، يا طفلة". تحولت نظرتها غير المسرورة إلى حدقة، لكن كل ما فعله ذلك هو إضافة وميض من الفرح في عين سالم. قالت: "لا أحب دنبور". لم يكن اسماً لطيفاً. ولم يكن حتى اسماً حقيقياً. وبدا شريراً أكثر من اللازم إلى جانب ذلك. "حسناً جداً، يمكننا تأجيل هذا لوقت لاحق. هناك أسئلة أهم". تحركت سالم في مقعدها، ووضعت ساقاً فوق الأخرى. "كيف أتيتِ إلى هنا؟" أجابت فوراً: "لا أذكر". نظرت إليها سالم مطولاً. حثت بحذر: "ولا حتى أي شيء البتة؟" أرادت الاحتفاظ بما تعرفه لنفسها، ولكن، ربما لم يكن ذلك حكيماً. كان عليها أن تمنح بعض الثقة في نهاية المطاف، ولم تكن سالم سوى لطيفة معها. "أذكر قتالاً. كان هناك الكثير منا. وكان لدي سرب كبير". سألت سالم: "وممن كنتم تقاتلون؟" عبست، محاولة تفكيك الذكريات، حتى وإن كان معظمها مرقعاً في أحسن الأحوال. "بدا كرجلاً. كان ذهبياً، وقوياً، وتطلب الأمر الكثير منا لقتاله". تحول اهتمام سالم، الذي كان فضولاً عابراً قبل قليل، إلى حد السيف الحاد. تجمّرت عينا حمراوان عليها وأبتافتا الرمش. طلبت بإلحاح: "أخبريني المزيد". "هو... هو دمر الكثير، وقتل الكثير منا. لكننا قاتلناه و... وأعتقد أننا فزنا. ربما". سألت: "ومن ثم استيقظتِ هنا؟" عبست قليلاً، وتراخت نظرتها لتنجرف نحو النافذة. كان القمر معلقاً قرب الأفق. التقطت سالم أنفاسها، ولثوانٍ طويلة تساءلت عما إذا كان شيء قالته قد آذاها. "أظنني أفهم. ماذا يمكنك تذكره أيضاً؟" عبست، محاولة الإتيان بمعنى للصور الممزقة التي لا تزال بحوزتها. "مذكرات كثيرة، ومدينة بجانب الخليج. كانت... مدينتي. أصدقائي... أنا". توقفت وبجهد من إرادتها رفعت يدها حتى وجهها لتمسح بعض الدموع المتجمعة هناك. همست: "آسفة". قالت سالم: "لا بأس". سألت سالم: "أين أنا؟" استغرقت سالم وقتاً لتجيب. "أنتِ على ما تبقى من العالم. ما تركه". بحركة أنيقة واحدة فرقت سالم ساقيها ونهضت. "لدي شؤون لأعتني بها. استريحي الآن. يمكننا الحديث أكثر لاحقاً". قالت: "حسناً. شكراً لكِ". توقفت سالم، فرمشت عيناها للأسفل للحظة قبل أن تلتقيا بعينيها مجدداً. وقالت قبل أن تتحرك نحو الباب: "أكيلاري". سألت: "ماذا؟" "اسمكِ، سيكون أكيلاري".