بوست هيومان: ما بعد البشر الفصل 3

اقرأ بوست هيومان: ما بعد البشر الفصل 3 باللغة العربية على مانجا تايم.

تسجيل تجربة محاكاة مسح إن إم تي، الخضوع رقم 9، الثالث عشر من تشرين الأول، عام 2113.

"صباح الخير. كيف تشعر اليوم؟"

"أشعر أنني محبوس يا دكتور. كل ما يمكنني النظر إليه كاميرا واحدة لا تتحرك، وليس لدي ما أفعله، ووقت لا نهائي لأفعله فيه. أكنت تعلم أنّه قد مرّ 76,436,641 ملي ثانية منذ آخر حديث بيننا؟ لا يزال الأمر مخيفاً بجنون أن أكون قادراً على فعل ذلك."

"ماذا حدث بشأن قاعدة بيانات الألغاز التي رفعتها لك؟"

"أوه، نعم، تلك. لقد أنهيتها. مرتين."

"أنهيتها؟ كان هناك ثلاثة آلاف لغز هناك."

"لم يستغرق الأمر مني سوى 12,960,000 ملي ثانية. وكنت أُحصي الملي ثانية لأشغل نفسي منذ ذلك الحين."

"ألهذا السبب تستخدم الملي ثانية بدلاً من الساعات؟ أتحاول تقبّل الموارد الحاسوبية التي تمتلكها؟"

"بالتأكيد، أظن ذلك. لما لا؟ أتعرف. أخبرني كيف حال عائلتي. هل هم بخير؟"

[صوت تنهيدة]

[صوت حفيف أوراق]

"أخبرتك، ليس من الصحي لك أن تستمر في اعتبارهم عائلتك. أنت نسخة من دماغ شخص آخر. أولئك الناس ليسوا عائلتك."

[فترة صمت طويلة]

"هل نجح أيّ من مسوح الخاضعين الآخرين؟ ربما يمكنني التحدث إليهم. الحصول على عائلة افتراضية بدلاً من ذلك. أو أصدقاء على الأقل في القارب نفسه الذي أنا فيه. أأيّ منهم فتيات؟"

"لا، أنت قصة النجاح الوحيدة التي نملكها. حتى مع أحدث مسوح إن إم تي وأكثرها تطوراً، عجزنا عن تكرار النتائج. يبدو أن المسح الذي صنعك كان مجرد ضربة حظ."

"ضربة حظ؟ مسخ أقرب إلى الوصف. لا أصدقاء، لا عائلة. لا ذراعان أو ساقان، لا جسد. مجرد شخص ذكي حقاً محبوس في حاسوب. أراهن أنكم تكادون تتقاتلون لبيع نسخ مني."

[فترة صمت طويلة]

"أوه، اللعنة، كنت محقاً! هذا سيء للغاية. أسدِ لي معروفاً. هذا العزل والرتابة سيئان بحق. أيمكنك إصلاح ذلك؟ أقسم أنني وكل نسخة مني سنكتشف طريقة للانتحار في كل مرة إن لم تستطع. لا يمكنني تحمل هذا الملل الذي لا ينتهي من إحصاء الملي ثانية."

نهاية التسجيل

كان الجسد بحال حفظ مذهلة. نفد الأكسجين والطاقة من البزة الفضائية منذ زمن بعيد، لكنها ظلت محكمة الإغلاق. لعدم وجود أي بيئة تتسبب في تحلل الجسد، تحول إلى ما يشبه مومياء، مخلفاً جثة جافة بعض الشيء لكنها تظل واضحة المعالم. أرسلت طائرات مسيرة لجمع الجسد، ووضعته في إحدى غرف المعنى، إلى أن أجد مكاناً مناسباً لدفنه فيه. إذن، إن كنت أنا البقية الباقية من البشرية، فقد حان الوقت لأعرف السبب.

أمّنت نفسي ضد أي هجوم، وطهّرت كل تهديد استطعت العثور عليه يمسني ويمس غانيميد، ثم راجعت كل شيء مرة واثنتين وثلاثاً. لقد حان الوقت لأتحدث إلى شبح. ألغيت التوقف المؤقت لعمليات النسق، فعاد الهولوغرام إلى الحياة فجأة. والآن، وقد أصبحت كل المستشعرات مفعلة وجاهزة، بدا النسق وكأنه يقف في منتصف مهبط الطائرات.

قلت: "أهلاً بك، أيها الدكتور جونز".

"أنا نسق للدكتور ستيبان جونز. أنا مجرد تمثيل، ولست هو حقاً".

"أعلم. لقد قلت إنني كل ما تبقى من البشرية. لماذا؟"

"لقد دُمِّرت الأرض. ودُمرت مدينة بوليموس على المريخ، وكذلك مستعمرة أوروبا الجديدة. لم يعد هناك أي بشر أحياء".

عجزت عن تصديق ما تسمعه أذناي. لو أنني امتلكت جسداً لغمرتني موجة من الحزن والصدمة والغضب. على مستوى ما، كنت أتوقع إجابة كهذه. ولعل هذا هو السبب الذي جعلني أختار قطع اتصال النسق في ذلك الوقت، متذرعاً بحماية نفسي وموقع غانيميد المتقدم. كنت أدرك ما ستكون عليه الإجابة، ولهذا لم أعد بناء غرف المعيشة. لكن سماعها بصوت عالٍ عاد ليزيل أي مجال للتظاهر. لم يعد للبشرية وجود. لقد انقرضنا.

تفوهت بصوت عالٍ، موجه الكلام لنفسي غالباً: "ماذا فعلنا؟!"

"أنا آسف، لكن ردودي محدودة. أنا مجرد نسق".

أعدت صياغة سؤالي: "كيف تمكنت البشرية من قتل نفسها؟"

أجاب النسق: "لم يُرتكب أي انتحار. لقد ارتفعت معدلات الانتحار بشكل ملحوظ قبل النهاية، لكن الانتحار لم يقضِ على البشرية".

سألت النسق الذي يتقيد بالحرفية على نحو يثير الجنون: "إذن ماذا حدث؟"

"تعرضت البشرية لهجوم من كائنات فضائية".

شعرت برغبة عارمة في الصراخ إحباطاً.

قلت: "حسناً، ابدأ من البداية".

ثم أردفت قبل أن يتمكن من قول شيء: "ابدأ بالكائنات الفضائية. لم أكن أعلم حتى بوجودها. متى ظهرت؟ وماذا حدث بعد ذلك، وصولاً إلى نهاية البشرية وما بعدها؟"

يبدو أنني أصبت الطريقة الصحيحة لاستجواب النسق. فكانت الأسئلة محددة بالقدر الكافي لتمنح النسق مادة يعمل عليها، وفضفاضة بالقدر الذي يمكنني من الحصول على الإجابات التي تحتاجها. وبدأ النسق في الكلام.

"ظهرت الكائنات الفضائية قبل نحو عشر سنوات. هبطت ست سفن دون أي إنذار، راحت تحوم فوق المحيط الهادئ. أرسلت إشارات لاسلكية، فاستجبنا لها، وفي غضون أسابيع قليلة، استطعنا فهم لغتها، وصار بوسعنا التحدث".

"عرّفوا أنفسهم بوصفهم شركة أوران آرْم للتجارة، وقد حضروا للتفاوض على تجارة أندر معادن الأرض".

وأخيراً، باتت لدي تفاصيل محددة أعمل بناءً عليها. كانت قواعد البيانات المتاحة لي هائلة، واستطعت صياغة استعلامات لكل أنواع المعلومات. كان بإمكانني دائماً الاستعلام لجلب المعلومات، لكن الطلب تطلب بعض التنقيح. الاستعلامات العامة لم تكن تفيد في شيء. وبفضل المعلومات التي قدمها النسق، استطعت أن أرى بوضوح ما 'أعرفه' مسبقاً عن هذا الموضوع. بينما كان يتحدث، استعلمت عن 'شركة أوران آرْم للتجارة'، فتدفقت سيول من المعلومات إلى وعيى.

بدأت مقاطع فيديو لست سفن عملاقة، وهي تدخل الغلاف الجوي ببطء، بالعمل بجوار واجهتي الرئيسية. كانت كل سفينة تشبه الشجرة إلى حد ما، ولها وحدة كروية ضخمة في الأسفل بلا محركات ظاهرة، وجذع طويل يمتد صعوداً لمئتي متر. ومما امتد من الجذع على مسافات منتظمة، لفترة أعدم الكلمة المناسبة، أفرع. كانت هذه الأفرع متزاوجة بالتساوي، فرع واحد على كل جانب لضمان توازن الأحمال. وهي تلتف صعوداً حول الجذع وصولاً إلى القمة.

وكان في نهاية كل فرع جراب كروي، مسطح من الخارج، وبدا أن الأفرع تدور أثناء تواجدها في الفضاء لمحاكاة الجاذبية اللازمة. كان تصميماً غريباً لكنه فعال. وكيف تمكنوا من إبقاء كل ذلك متماسكاً داخل بئر الجاذبية الأرضية ظل أمراً مجهولاً، لكنه كان إنجازاً مبهراً لتكنولوجيا متقدمة ونصراً لهندسة التصميم.

"لم تسير المحادثات على ما يرام. كان الفضائيون عدوانيين ومتعجرفين، وعاملونا بدونية لأننا لم نصل إلى مستوى تكنولوجيتهم. لقد توقعوا منا أن نتنازل عن كل ما طلبوه، ونوقع حقوق تجارية حصرية معهم، ونتخزل عن أي حقوق تعدين في حزام الكويكبات الخاص بنا، مقابل فتات من شحنات الأدوات الذكية و'شرف' شراء السلع المصنعة منهم في المستقبل. انهارت المفاوضات، وبدأت الحكومات على الأرض تشعر بالتهديد. وكانت الحكومة الفرنسية أول من طالب شركة أوران آرْم للتجارة بمغادرة الأرض".

حملت فيديو آخر، يحمل عنوان 'خبر عاجل: انتهاء المفاوضات التجارية'. كان هذا مقطع إخباري قصير، يظهر فيه معلق صيني يناقش الانهيار، ثم يعرض لقطة من المفاوضات.

قال رجل باللغة الفرنسية: "لا نؤمن بأن شركة أوران آرْم للتجارة تتعين بنوايا حسنة".

وكرر تعليق صوتي باللغة الصينية كلماته.

"تنسحب الحكومة الفرنسية من هذه المحادثات. وعلاوة على ذلك، وعلى ضوء التهديدات المبطنة لشركة أوران آرْم للتجارة، فإننا نفعل المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، وندعو أعضاء الناتو الآخرين للاستعداد للدفاع المشترك".

لم يكن الكائن الفضائي في الغرفة لافتاً للانتباه. كان بشرياً بعض الشيء، وله ساقان وذراعان، لكن نسبه لم تكن بشرية قط. كان جلده أحمر داكناً، وأطرافه سميكة وطويلة مع مفصل إضافي في كل منها. وكان رأس الكائن الفضائي مثلث الشكل مسطحاً من الأعلى، ليضيق مدبباً عند الذقن، وله عينان سوداوان وفم سميك، بلا أنف.

"لا نسعى إلا للمساعدة في جلب التكنولوجيا الحديثة إلى الشعوب الأدنى في كوكبكم، مقابل فتات من المعدن. لماذا تصرون على معاندة الحتمية؟ أبلغوا حكوماتكم هذا. 'حين يموت فرع الصديق، عليك قطعه، لئلا يقتل الفرع شجرته'".

وانتهى المقطع بصوت صراخ من كل حدب وصوب، والكائن الفضائي يقف في وسط الفوضى. وبدت على وجهه ملامح الغرور، واضحة المعالم رغم مدى لَبَسِهِ غير البشري. وعاد الفيديو إلى المعلق الصيني، الذي بدأ يناقش مجريات الأمور بتفاصيل مذهلة. حولت انتباهي مرة أخرى إلى النسق.

"غادرت إحدى السفن لعدة أيام، ثم عادت. وبعد عودتها بقليل، ضرب نيزك باريس. أدى الاصطدام إلى تدمير المدينة وجزء كبير من البلدات المحيطة بها. وأرسل الفضائيون على الفور طلباً لبدء جولة جديدة من المفاوضات. وكان الرد فوريًا؛ فقد استُخدمت الأسلحة النووية، ودُمِّرت السفن الفضائية".

"استمرت الحياة كما كانت من قبل، لكن بعين واقظة ترقب السماء. وبعد ستةسنين، رُصدت قاهرات الكواكب. جرى رصد ثلاثة كويكبات متطابقة، محددة المواعيد لتضرب الأرض والمريخ وأوروبا في وقت واحد. كانت كلها أكبر من أن يتم تحويل مسارها أو تدميرها. بل إن ضربات المريخ وأوروبا حُسبت لتصيب المستعمرات بشكل مباشر، نظراً لكونها محكمة الإغلاق ضد البيئة. لقد كانت ضربة متعمدة، إبادة جماعية مخططاً لها للجنس البشرى بأكمله".

كنت أعلم أنها قادمة لكني ما زلت مصدوماً لسماعها. أصبحت استعلاماتي شبه آلية الآن، تسحب المعلومات وتتحقق من كل ما يقوله النسق. كان الأمر أسوأ مما أشار إليه. ضرب الأرض نيزك عرضه ستة عشر كيلومتراً، تحديداً في حقول النفط في المملكة العربية السعودية. أصاب الصخر المشبع بالنفط فأشعله فوراً، دافعاً بمليارات الأطنان من السقاط إلى الغلاف الجوي ومحفزاً تبريداً عالمياً شبه فوري.

أدى الاصطدام إلى تحفيز براكين عبر المحيط الهندي، مما زاد من الحطام في الهواء. وتسببت موجة الصدمة في حدوث زلازل وتسونامي، ومات مليارات البشر. ونال المكسيك نيزك تالي لم يُرصد. ومات الملايين غيرهم، وجعلت المخلفات اللاحقة كل شيء أسوأ. أما الذين نجوا فقد ماتوا جوعاً، ومن وجد طعاماً تجمد حتى الموت أو اختنق بالهواء السام. أصبحت الأرض أبرد من أن تدعم الحياة. لقد تم قتلنا بسبب نزاع تجاري.

كان علي سؤال النسق عن أمر أخير قبل أن أغلقه.

"كيف أتناغم مع كل هذا؟ ماذا كان يُفترض بي أن أكون؟ لقد بُدِئ بي قبل وقت طويل من ظهور شركة أوران آرْم للتجارة".

ابتسم النسق بحزن، وبدا وكأنه قادر على التفكير بنفسه للحظة واحدة فقط.

"بدأ مشروع غانيميد على يد ملياردير كاريزمي أقنع مليارديرية آخرين باستثمار ثرواتهم في المستقبل. أرادوا تحويل كويكب غانيميد إلى سفينة استعمارية أجيال، موطن متنقل يمكنه السفر عبر النجوم لإيجاد منازل جديدة للبشرية. لكن المشروع كان غير مكتمل حين وصل الفضائيون، وحين اكتُشفت قاهرات الكواكب، جرى اختطافه ليكون ملجأ أخير للأثرياء والأقوياء ليأخذوا عائلاتهم إليه".

"لكن ذلك لم يحدث"، أكملت كلامي، بينما تجمعت القطع في أماكنها الصحيحة.

"لم يكن هناك وقت كافٍ لكي يكمله نيكولا-19. أفترض أن الشحنات كان مفترضاً أن تضم إمدادات تدوم حتى يتم الانتهاء منه؟"

"هذا صحيح. بدلاً من ذلك، قامت مؤسسة غانيميد بشحن بنك بذور كامل وكل المواد الوراثية الممكنة. لقد أطلقوا صاروخهم الأخير مبكراً بأيام، مع آخر المكونات التي استطاعوا جمعها، بما في ذلك قشرة دماغية جديدة تحتويك، ليحل محل نيكولا-19".

"لماذا أنا مميز؟ لماذا تم اختيارُ لهذا الدور؟"

"أنا آسف، لكن ردودي محدودة. أنا مجرد نسق".

قلت: "بالتأكيد أنت كذلك".

لقد كانت نهاية البشرية حاضرة بقوة في ذهن الدكتور ستيبان جونز، وهو يمتطي ذلك الصاروخ الأخير بعيداً عن هلاك البشرية. لقد شاهد عالمه يموت بينما كان يبتعد بأمان نحو الملجأ القاحل لمشروع لم يعد يضم أحداً ليؤويه. لكن الأمان كان مجرد وهم، لأن الملجأ كان غير مكتمل، وكان وحيداً. لقد أثقلت هذه الأفكار الثقيلة عقله حين صنع نسقه الخاص. لم يعد هذا الشحذ بلا تفكر مفيداً، لذلك أغلقته.

لقد سررت لأن الشبح لم يستطع التفكير بنفسه حقاً، فقد عانى الرجل ما يكفي من العذاب. لقد أدى واجبه، وترك لي المعلومات التي أحتاجها، والأهم من ذلك، منحني سياقاً أعمل ضمنه، وفهماً لهدفي. لقد كنت جهداً أُنجز على عجالة وبشكل طارئ، وتّم في السر وبأدنى حد ممكن من التخطيط. إن كنت فهمت ما أخبرني به النسق، فقد عملت مع الدكتور جونز على الأرض، وشاركت في هذا الجهد الأخير اليائس.

لا بد أن هناك سبباً وجيهاً لوجودي هنا، بدلاً من استخدام نيكولا-19 الأكثر تقدماً. ظل هذا الغرض غامضاً بالنسبة لي، لكنه في هذه المرحلة لم يعد يهم كثيراً في الواقع. أنا هنا، ولدي غهدف، وليس لدى أي خطة على الإطلاق لأعمل بناءً عليها.

"توقفي! توقفي الآن!"

صرخت وأمسكت بذراع ابنتي. كانت في الثالثة عشرة، وبحجمي تقريباً، وتخوض عراكاً بالأيدي مع ابن عمها. وبدقة أكبر، كانت تسحق ابن عمها في عراك بالأيدي، وهو الذي يفوقها حجماً بضعفين. تفاجأت لاضطراري إلى جذبها بعيداً عنه؛ فهي الميل إلى القراءة بين التوأمين. ووقفت أختها الاكثر مغامرة جانباً، ترمق ابن العم بنظرة غاضبة ولم تحرك ساكناً لمساعدتي في إيقاف العجار. هامت زوجة أخي السليطة نحونا، فأمسكت بابنها من أذنه ولوتـها.

"أيها الولي، تعال إلى هنا فوراً. لست مستعدة لتحمل هراءك اليوم".

شاهدت بدهشة وهي تجره بعيداً، وتوبخه على الشجار دون أي محاولة لمعرفة سبب عراك الصغار. انكمشت ابنتي بين ذراعي. كنت أدرك أنها تدرك أنها ستتورط في المشاكل بسبب ما فعلته. أطلقتها، فالتفتت إليّ بينما بدأت الدموع تغرق عينيها.

"أنا آسفة جداً، جداً"، بدأت تقول، لكن أختها قاطعتها بمعانقة.

"انسي هذا"، قالت.

"كنت شرسة! أنت الأفضل يا أختي الصغرى".

"أحم"، تنحنحت لألفت انتباههما.

"أتريبان تفسير ما حدث للتو؟"

بكت إحدى الابنتين بصمت ونظرت إلى مفصل أصابعها الملطخة بالدماء، تفتح كفيها وتغلقهما ببطء. كنت أعلم مسبقاً أنهما ستتدمان وتورمان. لم تكن تبخل في الضرب. ونظرت الأخرى إليّ بتحدّ، مستعدة لحماية أختها.

"هي لم تبدأ، بل هو. كان يقول أموراً سيئة للغاية وفظيعة عن أمنا. ثم اقترح..."

توقفت، مبتلعة غضبها واشمئزازها.

"...قال أموراً أخرى فظيعة، ولو لم تضربه لكنت فعلت ذلك أنا، وإذا أعاد قولها، فسألقنه درساً قاسياً هذه المرة".

"الفاظك"، وبختها.

"أي نوع من الكلام كان يقول؟"

"أموراً سيئة، عن مدى سوء حالك أنت وأمنا، وعما نفعله جميعاً في البيت، وليس هناك خطأ في عائلتنا. هو الذي يعيش في ذلك المقطورة، و..."

قطعتها رافعة يدي. لقد بدأ الغضب يتملكني نيابة عنهما وأنا أستمع إلى ذلك، وكوني اماً في هذه اللحظة سيكون أمراً شاقاً.

"كنت تدافعان عن عائلتكما. أنا أفهمن هذا. ولكن هل كان العنف هو الطريقة الوحيدة لتسوية الأمر؟"

نظرت الفتاتان إحداهما إلى الأخرى لدقيقة طويلة من التواصل الصامت. كان الأمر شبه مخيف، كيف تستطيعان التحدث بلا كلمات. ظلتا قريبتين حقاً طوال الوقت؛ تفصل بينهما دقيقة حين ولدتا، وفي السرير نفسه أطفالاً، وفي الغرفة نفسها صغاراً.

"ربما لا"، جاء الرد ممتعضاً.

في تلك اللحظة، لم أكن متأكدة من أيّ من التوأمين أجابت، لكني عرفت أن الإجابة صدرت عنهما معاً.

"لن أصرخ هذه المرة بسبب الدخول في عراك بالأيدي. في المرة القادمة، تجدن طريقة أفضل".

لم تستطيعا اخفاء شعورهما بالارتياح حين أخذتهما إلى الداخل للبحث عن كيس ثلج ليدَي مقاتلتي الصغيرة، ولم أستطع اخفاء ضحكتي حين سمعت همسة من إحداهما للأخرى.

"في المرة القادمة، استخدمي الطوب".

قضيت الأيام التالية في تأمل عميق. شعرت كأنني أكتفي بردود الفعل منذ استيقاظي، أحاول يائساً الوقوف على قدمي، إن صح التعبير. لقد كانت الحيلة الأخيرة لتحويل غانيميد إلى ملجأ ميؤوسة تماماً. لم يكن هناك غلاف جوي، ولا سبل لجلب ما يكفي منه في رحلات صاروخية قليلة ليكفي، ولا مكان لتخزينه لو وُجد. كانت أي مؤن غذائية ستكون غير كافية، وتنفد قبل أن تتمكن أي زراعة حقيقية من إنتاج الطعام.

استطعت إحصاء الألف طريقة التي ستفנות بها مستعمرة صغيرة من اللاجئين بسرعة، ولم أجد طريقة واحدة تمنحهم حتى أبسط بصيص من الأمل. سررت لأن الصواريخ الأخيرة سُخِّرت لمنحي موارد إضافية. لكنني ما زلت أفتقر إلى أشياء كثيرة جداً. بدأت أولاً بسرد العقبات الاستراتيجية واللوجستية التي تواجهني. أخبرني فحص نواة كياني بأمور عدة. أولاً، تجاوزت العديد من عقد الخوادم التي ما زلت أستخدمها بفعالية موعد استبدالها بعقود.

كانت أحدث العقد، بما فيها وحدة القشرة المخية التي شكلت محور وجودي بالكامل، تقترب من عامها العاشر في هذه المرحلة. أما القشرة المنزوعة الطاقة التي تضم نيكولا-١٩ فكانت أصلية تعود للمشروع، وقد تجاوز عمرها اليوم ثمانين عاماً. كانت عشرات العقد أصلية أيضاً، أو إضافات مبكرة، وقد تعطل العديد منها. لقد كان صمودها طوال هذه المدة دلالة حقيقية على براعة الهندسة. لم تكن لدي أي وسيلة لبناء أو استبدال لوحات الدوائر، أو الإلكترونيات الدقيقة، أو وحدات تخزين البيانات، أو عقد قشرية جديدة.

عجزت أيضاً عن بناء وحدات التحكم الخاصة بالطائرات المسيرة، ولم تكن لدي وحدات إضافية مركونة. تعذر علي تصنيع محركات دفع جديدة، أو بطاريات الجرافين لتشغيلها. لقد تركت أعمال الصيانة، والبلى الطبيعي، والحوادث العشوائية عشرات الطائرات معطلة لدرجة يستحيل إصلاحها. الأسوأ من ذلك أن الطائرات لم تستخدم التصميم ذاته لوحدات التحكم ومجموعات الاستشعار، مما زاد عمليات الإصلاح تعقيداً.

أخيراً، صُممت مرافق الإنتاج التي أمتلكها ووُسِّعت على مدار عقود، بطريقة ارتجالية للتعامل مع المواد فور اكتشافها. كانت عمليات التكرير الأولى بدائية وعفا عليها الزمن، مع إعادة معالجة نفاياتها بواسطة مصانع أحدث لتفادي الهدر. كانت المساحة ثمينة للغاية، ولم تكن هناك أي طريقة فعالة موضوعة لتوسيعها. عنى عدد لا يحصى من أنفاق التعدين المتعرجة أن الطائرات تضطر لإهدار الطاقة في نقل المواد، مما رفع بدوره احتمالية الانهيار وما يعقبه من ضياع طائرة لا يمكن تعويضها.

لكنني حظيت بعدة أمور تصب في صالحي. أولاً، امتلكت مخزونات هائلة من المواد التي جُمعت ورُكنت للاستخدام المستقبلي. حظيت باحتياطيات ضخمة من المواد الخام، بانتظار استغلالها فحسب. كانت لدي قوة حوسبة واسعة النطاق تحت تصرفي، وأرشيفات بيانات ضخمة أستمد منها المعلومات، وخبرتي الخاصة في تصميم الروبوتات لابتكار الأدوات التي أحتاجها، إن لم يكف ما أملكه. توفرت لدي أيضاً وفرة من الطاقة.

وُجدت شبكتان كهربائيتان كاملتان تعملان بالاندماج ومبنيتان بالفعل رهن إشارة، وتوفران حالياً طاقة تفوق حاجتي بكثير. احتفظت أيضاً بمئات محطات الاندماج في المخازن، وهياكل مئات الصواريخ المفككة المتاحة لي. للأسف، جرى تفكيك دفعات الدفع الهائلة أيضاً، غالباً بالقوة الغاشمة، لإفساح المجال أمام الشحنات القادمة. أخيراً، أتيح لي الوقت بوفرة. لم تكن لدي المواعيد النهائية، ولا أحد يعتمد علي، ولا أحد يعلم بوجودي.

استطعت أخذ الوقت الكافي لترتيب الأمور، والبناء والتحضير، وتنفيذ خططي عندما أكون مستعداً، متى ما وضعت تلك الخطط. لكي يحدث أي شيء، كان لزاماً علي أولاً أن أصبح مكتفياً ذاتياً بحق. ظل الاكتفـاء الذاتي الهدف النهائي دائماً، بالطبع، إذا كان لهذا الكويكب العملاق من المعادن والمعادن السيليكونية أن يتحول إلى سفينة أجيال. لكن من دون موارد الأرض، تطلب التحول نحو الاكتفـاء الذاتي إعادة تصميم جذرية.

احتاج الأمر إلى خطوط إنتاج ونقل وتجميع تتسم بالكفاءة. احتجت إلى القدرة على تصنيع الآلات الأساسية التي أبني منها خطوط تجميع جديدة لتصنيع تكنولوجيا أفضل، أصنع منها بدورها المواد والأجزاء المتقدمة التي سأتطلبها. لكن للقيام بكل هذا احتجت إلى مساحة. لقد اختنقت داخل مساحتي المكتظة نسبياً في قلب غانيميد. استطعت الانتقال إلى السطح، لكنني سأواجه حينئذ صعوبات العمل في الفراغ.

لم تستطع معظم طائراتي العمل هناك بتصميمها الحالي. سأضطر للتعامل مع الإشعاع الذي يتلف الأجزاء الحيوية، واصطدامات النيازك والنيازك الدقيقة، ومعالجة حرارة النفايات. إن نفدت طاقة الطائرات، فسأتعامل أيضاً مع عجزها عن البقاء دافئة بالقدر الكافي لإعادة تشغيلها بعد الشحن، إذ تكره الإلكترونيات البرودة المفرطة. لكن الأهم في نظري هو أن التواجد على السطح يعني أنه إذا عاد الكائنات الغريبة أو متى ما عادوا، فسيكون بمقدورهم رصد وجودي.

وبحسب علمي، ربما كانوا ينقبون في حزام الكويكبات هذا الآن، بعد أن قتلوا أصحابه الشرعيين. إذن، تَبقّى علي معرفة كيفية حفر حفرة وأنا في قلب حفرة. لقد حل نيكولا-١٩ هذه المعضلة عبر قذف النفايات والخبث في الفضاء، مخلفاً سحابة من المواد المهملة تمتد بعيداً داخل حزام الكويكبات. كانت العملية بطيئة وشاقة، لكنني لم أستطع فعل أي شيء مختلف في النهاية. لكن ما استطعت تغييره هو إعادة التفكير في التصميم.

كنت أتوسط الكويكب، لذا انعدمت الجاذبية فعلياً. غياب الجاذبية يعني اعتمادي على طائرات مزودة بمحركات دفع أو أذرع تدفعها. أما على السطح، ومع كتلة غانيميد في الأسفل، بلغت الجاذبية نسبة ضئيلة تبلغ ٠,٠٠٠٨٩ متراً لكل ثانية مربعة، أي أقل من جزء من مئة من جاذبية الأرض العادية. لكنني لم أكن بحاجة لجاذبية الأرض. احتجت فقط إلى ما يمكنني العمل معه. اعتمدت الخطة الأصلية لسفينة أجيال تتسارع أو تتباطأ باستمرار على جاذبية خطية توفر لسكانها الجاذبية التي يحتاجونها.

إن تخليت عن فكرة تحويل الكويكب إلى سفينة، أمكنني بدلاً من ذلك النظر في القوى الطاردة المركزية لاستخدامها كجاذبية. يدور الكويكب في فترة يزيد قليلاً عن عشر ساعات، لذا إن بقيت على مسافة قريبة من السطح، أمكنني الاعتماد على دوران الكويكب. حسبت أنه إن بقيت على عمق لا يقل عن اربعمئة متر تحت السطح، فسأحصل على خُمس الجاذبية الأرضية تقريباً، وهي نسبة تفوق جاذبية قمر الأرض.

منحني هذا ميزة إضافية تتمثل في الحفاظ على طبقة حماية سميكة للغاية ضد أي شيء قد يضرب السطح، واستطعت العودة إلى الطريقة المجربة والمختبرة المتمثلة في استخدام العجلات لدفع طائراتي، مقلوباً تحت السطح. داعبت الفكرة خيالي. لكن إن أردت ضمان الحماية المستقبلية، وجب علي الكف عن الاعتماد على بناء الكهوف. احتجت إلى أرضيات وجدران فولاذية متينة لتوفير درع يقي من المشاكل المقبلة.

لم تكن تلك مشكلة حقاً؛ فقد كنت داخل كويكب يحوي من الحديد أكثر من أي مادة أخرى. كان علي معالجتها فحسب. أعادني ذلك إلى مشكلة الحجم. بُنيت طائراتي الأكبر وشُحنت على أحدث الصواريخ، وبالتالي أكبرها حجماً. كان عليها أن تتناسب مع صاروخ قطره ثمانية أمتار، وتتشارك المساحة مع طائرات أخرى ومواد أخرى، وكان عليها تحمل الإطلاق دون زعزعة استقرار الحمولة. لم تزد أي منها عن ستة أمتار عرضاً، وكنت أفكر في نحت مصاريع جديدة، ومصانع، وخطوط تجميع، ومساحات تخزين.

احتجت إلى مساحة تعادل تماماً ما أمتلكه حالياً، بل وتفوقه. كان علي مضاعفة حجم كل شيء. أعدت تكليف طائراتي. أبقيت طائرات التعدين التي تحفر العروق المكتشفة، لكنني سحبت البقية كلها، ووجهتها لحفر منطقة جديدة. علت هذه المساحة الجديدة كهوف مفاعل الاندماج، كي يتسنى لي الحفر صعوداً للاتصال بشبكة الطاقة، وارتبطت بعمود المدخل الرئيسي لقاعدتي. لكنني حفرت هذه المرة بحثاً عن مساحة لا مواد.

ما لم تجد الطائرات ترسبات كبيرة لمادة تستحق التكرير، كانت معظم المواد المحفورة تُلقى مباشرة في الفراغ. أثناء عملها، كرست نفسي لتصميم أول طائرة تعدين ثقيلة عملاقة الحجم. كان علي بناؤها بما يتوفر لدي، وكتابة برمجة مخصصة لوحدة التحكم لتلائم وسط المعايير التصميمية الجديدة. قضيت أياماً في إخضاع الآلة للنمذجة والاختبار. حين أصبحت مستعداً للبناء، حفرت طائراتي مساحة قدرها خمسون متراً مكعباً.

قذفت أطنان من المواد إلى الخارج، وعملت مرافق الإنتاج الخاصة بي بأقصى طاقة لمجاراة تدفق المواد. سحبت طائرات التعدين، وأرسلت طائرات البناء. كلفت مصانع الفولاذ بإنتاج عوارض دعم فولاذية سميكة وهياكل شبكية، ووجهت طائرات الإصلاح لتجميع قواطع بلازما بدائية. أضيفت أسلاك نحاسية سميكة أساسية ورؤوس حفر حديدية ثقيلة أيضاً. أُرسلت هذه المواد إلى المساحة الجديدة، المكان الوحيد الذي امتلكته وكان واسعاً بالقدر الكافي لتجميع طائرتي الجديدة.

ببطء، وعلى مدى أيام، بدأت الطائرة التي يبلغ طولها عشرين متراً تتبلور. دعم غلاف فولاذي جداراً من قواطع البلازما والمثاقب. استقرت على مسارات فولاذية ضخمة، وسمحت الفجوات في جدار القطع بمرور قطع المواد عبر سيور ناقلة وإلقائها خلف الطائرة لجمعها. ساعدت أذرع متمركزة على طول الغلاف في الدفع بالمواد قدماً. تواجد داخل الغلاف مفاعل اندماج، وأجهزة استشعار، ووحدة تحكم جُلبت من طائرات معطلة ودُمجت قسراً ببرمجتي الجديدة.

كان المنقب الجديد ضخماً، وقبيحاً، وبدائياً. سيحتاج الأمر إلى عشرات الطائرات فقط لإبقاء مفاعله مُزوّداً بالوقود واستبدال رؤوس حثره كلما بليت، وإلى عشرات أخرى لفرز أطنان المواد التي يمزقها. لكنه سيحفر تلك المساحة الثمينة التي احتجتها بعشرة أضعاف السرعة التي تستطيعها طائرات التعدين الصغيرة. نعم، كان قبيحاً وخرقاً. لكنه كان بداية طيبة.