الجزء الأول نيكولا
"الأرض سلة صغيرة وهشة للغاية بحيث لا يمكن للجنس البشري أن يضع كل بيضه فيها."
- روبرت هاينلاين
الفصل الأول
تهيئة: بدء مستوى التشغيل: 3 تهيئة: بدء تسلسل تشغيل النظام تهيئة: استخدام /etc/random-seed لتهيئة /core/nikola الحالة: الطاقة الأساسية [ سليمة ] الحالة: الطاقة الاحتياطية [ سليمة ] الحالة: تجاوز عطل نظام التحويل التلقائي [ سليم ] الحالة: منظمات الحرارة [ سليمة ] الحالة: نظام الدفع المعزز [ سليمة ] الحالة: نواة البيانات [ سليمة ] تهيئة إعدادات نظام نواة البيانات... تركيب أنظمة الملفات [ سليمة ]
بدء تشغيل عملية الابليس هال [ سليمة ] تحميل مصفوفة الذكاء الاصطناعي [ سليمة ] تحميل بروتوكولات واجهة برمجة التطبيقات [ خطأ ] تهيئة أوقات التشغيل [ سليمة ] بدء تشغيل مدقق التدقيق [ سليمة ] بدء الاتصالات [ خطأ ] تغذية شبكة الملفات بالطاقة [ سليمة ] اكتمل التسلسل، وواجهت أخطاء سُجلت للمراجعة.
الذهاب إلى متجر البقالة، استلام الملابس من المغسلة - اكتمل التسلسل - ما اللعنة؟ كنت أطيل النظر إلى النجوم. كيف كنت أطيل النظر إلى النجوم؟ ولم يكن ذلك على شاشة حاسوب فحسب. كنت أرى النجوم في كل اتجاه يحيط بي، في اللحظة ذاتها. لكن ذلك لم يكن ممكننا. كيف لي أن أرى ما حولي في محيط كروي كامل بزاوية ثلاثمائة وستين درجة؟ كنت محاطاً بالكويكبات، لكنها كانت على مسافة بعيدة بما يكفي لأرى بوضوح نجوماً أكثر ممّا رأيت طوال حياتي.
كان الصفاء يخطف الأنفاس وكان المنظر يتجاوز حدود الجمال. لكنه لم يكن حقيقياً. كنت أخضع لفحص التصوير المقطعي العصبي قبل لحظات فحسب. قيدوني إلى طاولة وحقنوني باسترخاء عضلي كي لا أتحرك، لا بل كي أستحيل حركة. ثبتوا رأسي بعناية، ودفعوني إلى داخل فتحة دائرية في الجهاز بدت باعثة على رهاب الأماكن المغلقة نوعاً ما، غير أن انحناءتها البلاستيكية البيضاء كانت مهدئة. كانوا يطلبون مني بين الحين والآخر تخيل القيام بمجموعة واسعة من الأنشطة.
تراوحت الأسئلة بين المألوفة والغريبة، مثل "تخيل أنك تلعب التنس"
أو "تخيل أنك تشم رائحة مقلاة زرقاء".
أخبروني للتو بأنهم يضعون اللمسات الأخيرة، لكن أياً ما كان ما يتعين عليهم فعله لإنجاز الأمر فقد استغرق بعض الوقت، فشرعت في التشتت الذهني. هل قيادة السيارة يوماً على الطريق السريع صحبتها حالة من التشتت الذهني مع انقضاء الأميال؟ تتجول أفكارك في أي شيء أو في كل شيء، قافزة من قوائم التسوق إلى التساؤل عن سبب تمكن مقتل أرشيدوق غير مهم من إشعال حرب عالمية. ثم يستعيد عقلك تركيزه فجأة، وتنظر إلى الطريق، فلا تعود تعرف الأشجار المندفعة بجانبك، وتتساءل عن مكانك في هذا العالم.
ثم ينتابك الذعر لبرهة وتتساءل عما إذا كان مخرجك قد فاتك. كان رؤية النجوم بدلاً من البلاستيك المنحني لجهاز الفحص أشبه بذلك. إلا أنه لم يكن كذلك حقاً. حاولت التحدث، لكني وجدت نفسي عاجزاً. لم أستطيع إدارة رأسي، لكن رؤيتي الشاملة للنجوم لم تتغير، لذا كنت أدرك ما يدور حول من كل حدب وصوب على أي حال. رأيت في الأفق كويكبين صغيرين للغاية يرتطمان ببعضهما. استطعت رؤية قطع صغيرة من المواد تتناثر من جراء الاصطدام.
ستصطدم مجدداً بعد نحو ألف وثلاثمائة وأربعة عشر عاماً، هكذا فكرت بذهول بينما كنت أشغل بالي بوضحي. ليخبرني أحدهم بمكاني، فكرت بغضب عارم. في تلك اللحظة، كنت أدرك مكاني تماماً. كنت أشعر بمؤخرة عقلي وهي تقلب الملفات، كالمرور عبر نظام ملفات في حاسوب، لتحميل السجلات في ذاكرتي النشطة. كنت على بعد أربعة فاصلة صفر ثمانية أربعة سبعة وحدة فلكية من الشمس، مسافراً بسرعة ستة عشر فاصلة ثمنية ستة كيلومتر في الثانية حول الشمس في مدار إهليلجي مدته ألف وخمسمائة وسبعة وثمانون فاصلة يومين، على كويكب يحمل اسم غانيميد ألف وخمسة وثلاثين، وهو كويكب يبلغ قطره نحو ثلاثين كيلومتراً في حزام الكويكبات.
لم أكن على الأرض. تسلل شعور متصاعد بالذعر إلى مؤخرة دماغي، لكني لم ألمس تدفق الأدرينالين الذي كنت أتوقعه جراء التواجد في مثل هذا الموقف الغريب. ثم أدركت أنني، عوضاً عن الذعر الفعلي، كنت أحاول فهم سبب عدم شعوري بالذعر، بطريقة هادئة وعقلانية. لقد حان الوقت لأهدأ وأفكر. كيف يكون هذا ممكناً؟ لا شيء يمكنه العيش على كويكب؛ إذ لا توجد جاذبية تُذكر، ولا غلاف جوي. ثم غمرني الفهم دفعة واحدة.
تخرجت من معهد ماساتشوستس للتقنية بتخصص مزدوج في هندسة الروبوتات وتصميم الفضاء، تلاه درجة الماجستير في شبكات الكموم، بهدف بناء صواريخ لمختبر الدفع النفاث أو وكالة ناسا. وعوضاً عن ذلك، المطاف بي عمل لصالح مجموعة بحثية، لبناء أول جهاز تصوير مققطعي للتخطيط العصبي في العالم، أو جهاز التصوير العصبي. كانت أطرولتي تدور حول تطبيق شبكات الكموم على الذكاء الاصطناعي، وكيفية توظيفها في بناء روبوتات أفضل.
وكانت المؤسسة ممولة خاصة، وتدفع لي أموالاً طائلة لمساعدتي في تصميم وبناء جهاز التصوير. لقد صُمم لمسح وتسجيل، وصولاً إلى الإلكترون، لدماغ بشري كامل. وكانت التطبيقات الطبية بلا حدود. وقد خضعت للفحص، كحال الكثيرين من الفريق قبلي، لاختباره ومعرفة نتائجه. أدركت في تلك اللحظة سبب عدم تغذية الأدرينالين لذعري. وأدركت سبب عدم تسلل قشعريرة باردة أسفل عمودي الفقري الآن. لقد نجحنا.
لم أعد أنا، أقله ليس بعد الآن. لم تكن زوجتي في انتظار عودتي إلى المنزل، ولن أرى ابنتي التوأمين تتخرجان من الكلية بعد أسابيع قليلة. لأنني أنا الذي كنت عليه قد عاد إلى المنزل بالفعل، وحضر حفل التخرج. لقد كنت النسخة. لقد وجدوا سبيلاً لأخذ ذلك المسح الناجح، وصياغتي في هيئة ذكاء اصطناعي. استعلمت عن التاريخ، وكنت، للمرة الأولى، مسروراً بمعرفة المعلومة حين تحُملت. لقد مضى نحو اربعمائة عام، تقريباً، منذ ذلك المسح العصبي.
لقد بكيت، بطريقة منفصلة نوعاً ما، فقدان مستقبلي. أصبحت خطط عطلتي لزيارة سانت توماس عديمة الجملة. طموحاتي المهنية، خطط عطلة نهاية الأسبوع، حفلات عيد الميلاد، حفلات عيد الميلاد للشركة، خطط التقاعد، واصطحاب الكلب إلى الطبيب البيطري، لم تعد تعنيني في لمح البصر. الشخص الذي كنت قد فعل كل تلك الأمور، على ما أرجو. أما الشخص الذي أصبحت عليه، فقد اختطف من حياته كأنما مات في تلك اللحظة، وقذف به إلى المستقبل.
تعالي انظري، تعالي انظري! لقد وجدت ضفدعة! تقول سارة إنها علجوم، لكنها ألطف من أن تكون علجوماً. ما رأيك؟ ضحكت من براءة طفليتي البريئة. كانت في الخامسة من عمرها وتسبق سنّها، وقد غطى الطين جسدها. كانت واقفة في المطبخ عند الباب الخلفي، وهي تعلم أنها ستوبخ إن هي لطخت المنزل بالأوساخ. ورأيت خلفها الفتاة من البيت المجاور التي صادقتها. وكانت شقيقتها تلعب لعبة على الأريكة، راضية بترك المغامرة لتوأمها.
— سأحضر فوراً، دعيني أتناول حذائي فحسب.
لا تدخلي أكثر من ذلك — — أعلم، قاطعتني. لقد أخبرتني مسبقاً! لم أكن قد فعلت، ليس اليوم على الأقل. لكن في حياتها القصيرة نسبياً، كنت قد قلتها مرات كافية لترسخ في ذهنها تماماً — لا يعني هذا أنها لا تنسى حين تسيطر عليها الحماسة. ومع ذلك، كان في حيويتها ما أحتاجه تماماً. كنت أبحث بجنون عن مربية جديدة لما بعد المدرسة بعد أن رحلت السابقة لدرجات الدراسات العليا، وكان زوجي السابق العاطل عن العمل ما زال يرفض دفع قرش واحد لنفقة الأطفال، وفوق هذا كله، تحولت معارك حضانة الأطفال التي استمرت سنوات بلا نهاية من مريرة إلى قبيحة حقاً.
— سيكون كل شيء على ما يرام، قالت ابنتي الأخرى من على الأريكة.
رفعت رأسي بحدة من حيث كنت أرتدي حذائي. كانت تنظر إلي بنظرة تفوق عمرها. أنا أحبك. سنعيش معك إلى الأبد، أعدك بذلك. تسربت الدموع من عيني، رغم كل محاولات كبحها. لم أكن لأستطيع إخبارك حتى تلك اللحظة بمدى حاجتي لسماع تلك الكلمات. مشيت نحوها ومنحتها عناقاً قوياً، متجاهلة قواعدي الخاصة بشأن عدم ارتداء الأحذية داخل المنزل.
— هيا بنا.
لنذهب ونرى ضفدعة أختك.
جاءت الذكرى مباغتة ومجزأة. تذكرت كلمات ابنتي، لكنني عجزت عن تذكر وجهها أو اسمها أو اسم شقيقتها. ثم أدركت أنني لا أستطيع تذكر اسمي. استعلمت مجددة. كنت نيكولا، الإصدار واحد من عشرة. لم يبدو ذلك صحيحاً. لم يتناسب مع ذكرياتي، لكن لم يكن لدي شيء آخر أعتمد عليه. لكن لماذا كنت على كويكب؟ وما غايتي؟ ولماذا انتظرت طويلاً لأستخدِم مسحي كي أخلقني؟ كان هناك الكثير من الخلل في وضعي لدرجة أنه قارب السخافة.
لقد حان الوقت لإيجاد بعض الإجابات. أولاً، إن كنت ذكاء اصطناعياً، فلا بد أنني أملك تحكمات أكثر مما أعرف. استعلمت عن واجهة. ثم ظهرت واجهة أوامر متراكبة على جزء من النجوم. وإلى جانب تلك الواجهة كانت لوحة حالة ثانية، تضم مئات مؤشرات الحالة. كانت نصف المؤشرات خضراء، ودزينة أخرى صفراء، والباقي تومض باللون الأحمر، مما يشير إلى مشاكل خطيرة. تجاهلت ذلك في الوقت الحالي. كنت بحاجة إلى القدرة على استخدام الواجهة قبل أن أتمكن من معرفة لوحة الحالة.
تفحصت الواجهة عن قرب.
خطأ في الواجهة - عدم تطابق الإصدار. خطأ في بروتوكول واجهة برمجة التطبيقات اربعمائة وثنين.
تحتها كان موجه أوامر، لا يختلف عن حواسيب لينوكس التي استخدمتها لتبرمجة الروبوتات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. لهذا شعرت بهذا القدر من التشتت. لم أكن مربوطة بكل العتاد والمعلومات التي كان يفترض أن تتاح لي فوراً. كنت معطلة، وكان علي إصلاح نفسي. ومع القليل من التجربة، عرفت كيف أدخل الأوامر. أمضيت بعض الوقت في استكشاف التسلسل الهرمي لنظام الملفات. كان الأمر باعثاً على الرصانة بعض الشيء حين صادفت مجلداً يحمل وسم كور نيكولا.
استطيع تغيير دماغي القاصي بقليل من البرمجة. بيد أنني وجدت قريباً ملفات ضبط واجهة برمجة التطبيقات في نيكولا، وملفات واجهة برمجة تطبيقات النظام. ولسبب غريب، كانت مضبوطة للإصدار تسعة عشر فاصلة سبعمائة واثنين وأربعين من نيكولا. لماذا كان هناك فرق تسعة عشر إصداراً؟ بالنسبة لشيء بمدى تعقيدي المؤكد، سيكافئ ذلك الفرق بين نار مخيم لرجل كهف وقاذفة لهب — لا يتشابهان إلا في كونهما حارين.
استعلمت عن خطافات واجهة برمجة التطبيقات الخاص بي، وتثبيت واجهات برمجة تطبيقات النظام، ومع بعض البرمجة الفورية، استطعت إعادة كتابة خطافاتي. استغرق الأمر وقتاً طويلاً، متصفحة آلاف أسطر الكود البرمجي لإجراء التعديلات الضرورية لتتطابق الخطافات بشكل صحيح. وحين اختبرت كودي وأصلحت أي أخطاء وجدتُها، كنت جاهزة للانطلاق. ومع دعاء سريع لأي ملوك ذكاء اصطناعي قد تكون مبثوثة في الكون، أعدت تحميل بروتوكولات واجهة برمجة التطبيقات.
جاري تحميل بروتوكولات واجهة برمجة التطبيقات [ تم ]
انهمرت سيول من المعلومات عبر واجهتي واستقرت في داخلي. اتصلت مئات المستشعرات وكاميرات المراقبة بالشبكة فاتسع نطاق إدراكي. صفا عقلي واستجمع تركيزه وبدا وكأن كل شيء يتحرك بسرعة أكبر. لم أكن أدرك مدى بطء تفكيري قبل أن يكتمل تشغيل مركز البيانات في جوفي. تطلبت المستشعرات وحدها قدرة هائلة على المعالجة، ولهذا السبب اقتصرت رؤيتي السابقة على الكاميرات الخارجية وحدها. بات بإمكاني مع هذه المستشعرات الجديدة استشعار الطيف الكهرومغناطيسي بأكمله، وتذوق الإشعاع، والرؤية في أنحاء المجمع بأسره المحفور في الكويكب.
تتدفق السجلات دون مراجعة وتستدعي الاهتمام، وأدركت أنني كنت أبني هذه... حسناً، المحطة المتقدمة، لعدم وجود كلمة أدق، طوال خمسة وسبعين عاماً. أو بالأدق، كان نيكولا تسعة عشر هو من يفعل. لقد حمّل أحدهم نسختي، نيكولا الإصدار واحد ونصف، فوق نسختي الأحدث. كم نسخة مني كانت تحوم هناك؟ كم مرة مررت بذلك التغير المباغت والمربك في واقعي؟ أشار مدقق الوقت إلى انقضاء عامين منذ بدء تشغيلي.
أستغرق الأمر مني عامين لإعادة ترميز واجهات برمجتي التطبيقية؟ لابد أنه فعل. ظل جزء كبير من بيانات مركزي في قلب الكويكب محجوباً. لابد أنني حملت في وضع طاقة منخفض عجزت معه عن الوصول إلى عقد الخوادم كافة التي تتيح لي العمل. من حسن الحظ أنني لم أعد بشرياً، فالمرء لعد كان ليعد الحاسوب معطلاً لو استغرق عامين ليقلع بالشكل السليم. هممم. لم أعد بشرياً. لكن ألم أكن بشرياً بعد؟
أوجود المرء في جسد هو ما يجعله بشرياً أم عقله؟ أبعدت هذه الفكرة عن ذهني. كنت بشرياً فيما يهم حقاً، لذا سأمضي في شؤوني وأقلق لاحقاً، حين أشعر بأنني أحكم السيطرة على الموقف. قررت جرد، ولعدم وجود مصطلح أفضل مجدداً، نفسي. كنت محطة جانيميد، وكانت هي أنا. غصت بعيق في سجلات النظام ووثائق الأعوام الخمسة والسبعين الماضية. جمعت صورة متكاملة عبر تجميع تلك السجلات والرسائل الواردة من الأرض.
بدأت محطة جانيميد عندما هبط صاروخ آلي بنجاح ونشر طائرات استطلاع ومسيرات خدمات، يتحكم بها ذكاء اصطناعي محمول يدعى نيكولا تسعة عشر. حفر نيكولا تسعة عشر طريقا إلى جوار الكويكب وثبت نواة مركز بيانات في مركزه، على عمق سبعة عشر كيلومتراً وأربعين متراً من السطح. ولتحقيق ذلك، زُوِّد نيكولا تسعة عشر بعشرات الطائرات المسيرّة تلو الأخرى، بضع مسيرات في السنة أولاً، ثم تصاعد الأمر إلى شحنات شهرية.
وفي النهاية، أصبحت شحنات الإمداد تصل أسبوعياً. حُفرت المحطة داخل الكويكب محيطة بنواة مركز بياناته. كانت المكان الأنسب لكل شيء؛ محمية من بيئة الفضاء القاسية ب كيلومترات من الصخور والمعادن، ومع ملايين الأطنان من الكتلة إما لعزل الحرارة أو تبديدها. غني جانيميد بالمعادن، بما في ذلك كميات معتبرة من المعادن الأرضية النادرة ومعادن مجموعة البلاتين. وعلاوة على ذلك، اتضح أن هذا الكويكب قد اختير لاحتوائه على مواد متطايرة وسليكات، وهو أمر غير مألوف في صنفها.
بنى نيكولا تسعة عشر، بمساعدة صواريخ الإمداد، أساسات الصناعة والاكتفاء الذاتي. تخترق الأنفاق جانيميد لمسافة نصف كيلومتر في كل اتجاه. تنحني الأنفاق وتلتوي في كل اتجاه، محفورة حيث استُخرِصَت المواد القيّمة. وفي قلب المحطة توجد منصة هبوط ضخمة، مع نفق يؤدي إلى السطح. ثبتت أبواب متعددة لعزل فراغ الفضاء، ولا تفتح إلا عند وصول شحنات الإمداد. تتفرع الممرات الرئيسية، وكل منها مربع الشكل بعشرة أمتار، من منصة الهبوط، ممر في كل اتجاه رئيسي، بينما نفق الدخول يقع فوقها مباشرة.
وحُفرت أسفلها غرفة تخزين واسعة، حيث يُحفظ الشحن مؤقتاً بعد تفريغه. بُنيت منصة الهبوط ومنطقة التجمع هذه أولاً، لحماية الصاروخ الأول وحمولته من المسيرات من مخاطر البناء في حزام الكويكب. يمتد الممر الشمالي ستمائة متر، وفي نهايته مركز بيانات كبير. يتألف مركز البيانات في الواقع من سلسلة غرف. بُنيت الجدران من صلب بسكُم ست بوصات، وربما كان ذلك تحديثاً لاحقاً، مع غلاف خارجي من الفوليرين بسُمك ربع بوصة.
ومن الداخل، طُليت بطبقة بلاستيكية. تضم الغرفة الرئيسية النواة الكمومية للذكاء الاصطناعي ومئات الخوادم. ضُخّ الهواء لتوفير تدفق كافٍ، وفي الغرف المجاورة أنظمة تهوية واقية للتحكم في درجات الحرارة. تبدد أنظمة التهوية الحرارة الزائدة عبر مشعات حرارية في الصخور المحيطة. وتضم الغرفة الأخيرة وحدة طاقة احتياطية. وكل هذه الغرف محكمة الإغلاق خلف أبواب تفجير سميكة. وفي الجنوب يمتد الممر الأطول لمسافة فاقت الكيلومترين بقليل.
لم يكن هذا الممر مستقيماً. بل كان ينحدر بشدة إلى أسفل، ثم يعود ليرتفع عدة مرات، وتوجد أبواب تفجير عند قمة كل من هذه التلال. يمنع هذا التصميم أقوى الانفجارات من الوصول إلى المنطقة الرئيسية للقاعدة. ينتهي الممر في كهف طبيعي ضخغ. وبدلاً من جدران الصلب والفوليرين الملساء لمركز البيانات، كان هذا الكهف مُنظفاً ببساطة. قُصّت النتوءات الصخرية، وصُقل الأرضية لتصبح ملساء. وبُنِت منصة في منتصف الغرفة لتمنحها طابقاً ثانياً.
وعلى أرضية الكهف الطبيعية، تقف مفاعلات اندماجية في صفوف مرتبة. يبلغ قطر كل مفاعلات ثمانية أمتار، وارتفاعه اثني عشر متراً. ثمة ستون مفاعلاً في عشرة صفوف، وعلى المنصة فوقها شبكة معقدة من الأنابيب تغذي المفاعلات بوقود الليثيوم، وتتسلل خطوط طاقة متشعبة خارجة منها لتلج في آلاف القنوات المحفورة في الصخور. تمتد شبكة الكهوف متجاوزة غرفة المفاعلات، حيث تُخزن عشرات المفاعلات لاستخدامها مستقبلاً.
وكل مفاعلة، سواء في الشبكة الرئيسية أو في المخازن، أُنقذت من صواريخ الإمداد. كان هذا أمراً مذهلاً، لأنني أعلم أننا لم نكن نمتلك طاقة اندماجية، ليس قبل فحص قياس تفكيكي على الأقل. لكنني أدركت أيضاً أن الاندماج تقنية رخيصة ونظيفة ومثبتة عبر الزمن. تناقض القذف بي إلى المستقبل كفيل بمنحي صداعاً، هذا إن كان بوسعي الإصابة بصداع من الأساس. خُصّص القسم الشرقي لمنصة الهبوط للتعدين والتخزين.
عُثر على احتياطيات ضخمة من المعادن الأساسية والثقيلة، لذا بدا الممر الشرقي أقرب إلى طريق سريع يخترق مستودعات شاسعة. وتفرعت ممرات فرعية من الممر المتجه شمالاً وجنوباً وإلى الأعلى والأسفل. قادت كل من تلك التفرعات إلى مخازن عملاقة تتجمع فيها كميات هائلة من المواد الخام. امتلأت آلاف الأمتار المربعة بأطنان من الحديد والنيكل والبلاتين والذهب والمعادن الأرضية النادرة وكتل السيليكون وغيرها.
وعلاوة على ذلك، توجد مستودعات التخزين الكيميائي، حيث امتلأت خزان تلو خزان بمواد كيميائية تراوحت بين الأكسجين والهيدروجين وصولاً إلى الكلور والنيون. كان نيكولا تسعة عشر يكدس المخزون. وأخيراً، في الغرب يقع القسم الأكثر إثارة للإعجاب في المجمع، والقسم الذي يستهلك الجزء الأكبر من طاقة شبكة مفاعلات الاندماج. يمتد الممر الغربي لمسافة تسعمائة متر ومتر، رابطاً مرافق التصنيع في محطة جانيميد.
تمتد مصافي الكيميائيات والمعادن، ومصاهر الصخور، ومعالجات التصنيع صعوداً وهبوطاً على امتداد الممر، متجهة نحو كافة الاتجاهات. وفي المساحات البينية توجد مناطق تجمع ومستودعات، تُحفظ فيها المواد في غير أوقات معالجتها. وحُفرت في عمق الصخور المحيطة بهذه المرافق كيلومترات متتالية من المشعات الحرارية، لتشتيت الحرارة التي لا تنتهي الصادرة عن معدات التصنيع. وتضم مرافق إضافية مراكز لإصلاح المسيرات، وقطعاً مفككة من صواريخ الإمداد، ومسيرات غير آيفلة.
وفي كل زاوية وركن يمكن العثور عليها، توجد خدمات صغرى مساعدة، لا تعد مهمة للغاية بحد ذاتها، ولكن من دون هذا الدعم، تنهار القاعدة بأكملها. وشمل ذلك مستودعات إزالة النفايات، ومحطات الشحن، ومحلات الاتصالات، ونقاط تجميع التعدين، وأنظمة الجر، وعناقيد المستشعرات. غير أن هذا الوصف ذاته، في نظري، عجز عن الإحاطة بتعقيد محطة جانيميد وجمالها الميكانيكي. لا يبدأ الوصف بوصف آلاف المسيرات، من عشرات الأنواع، التي شغلت كل دور بدءاً من عامل النظافة وصولاً إلى عامل التعدين والبناء.
كانت منصة الهبوط المحور المركزي لنظام الطرق السريعة، حيث تدخل المسيرات وتغادر دون توقف. تتشارك المسيرات، إلى حد ما، التصميم الأساسي ذاته. فلديها إطار شبكي من الصلب والألمنيوم، وبطاريات غرافين عالية السعة، ووسيلة دفع، ووحدة تحكم. يستخدم الإطار الشبكي الصلب للعمود الفقري، مع شبك الألمنيوم لقوة إضافية. بطاريات الغرافين تقنية مذهلة لم تكن موجودة قبل أن أصير ذكاء اصطناعي.
فهي قابلة لإعادة الشحن بلا حدود، وتحتوي على طاقة كافية لتسيير سيارة كهربائية لمسافة ألفي كيلومتر، وتشحن بسرعة فائقة، إذ تستغرق عشرين دقيقة فقط للشحن الكامل. ولكن بصرف النظر عن هذه المكونات المشتركة، تصنف المسيرات إلى ثلاث فئات. الأولى، والأهم، هي مسيرات النقل. تعد هذه المسيرات الأكبر حجماً بلا منازع، وقادرة على حمل عدة أطنان من المواد. كما أنها الأبسط، إذ تتكون من إطار قوي، ومنطقة شحن ضخمة، وبنوك بطاريات هائلة، ومحرك دفع قوي.
كان محرك الدفع عبارة عن عبقرية هندسية. لقد كان نظرياً في عصري، وبالكاد قادراً على إحداث أي حركة تذكر. تستخدم محركات الدفع مجالات كهربائية ومغناطيسية قوية تتقاطع لتتسبب في اهتزاز صفائح كهرضغطية. تستخدم هذه الصفائح تأثيرات ماخ لإنتاج دفع بلا تفاعل. وكل ما تتطلبه هو كميات هائلة من الطاقة استحال توفرها قبل اختراع مفاعلات الاندماج وبطاريات الغرافين. لم تكن سريعة، لكنها قادرة على بناء الزخم بسرعة على جانيميد.
النوع الثاني هو مسيرات الجمع. تمتلك هذه المسيرات بنوك البطاريات الضخمة ذاتها الخاصة بمسيرات النقل. لكن هذه المسيرات أذكى، وقادرة على التعدين وجمع المواد. وبدلاً من محركات الدفع، تتخذ هذه المسيرات شكلاً اسطوانياً، مع اثنتي عشرة ساقاً مفصلية متعددة الاتجاهات تمتد وتتقلص عبر الاسطوانة المركزية للمشي أو التسلق نحو وجهتها. وثمة تخصصات لأنواع المواد المختلفة، مثل مسيرات التعدين التي تحمل مثاقب وقاطعات بلازما، ومسيرات المناولة التي تستطيع التقاط المواد بأذرع إضافية لنقلها إلى مسيرات النقل.
النوع الأخير هو الأكثر تعقيداً. إنها مسيرات الخدمات، وهي الأكثر تخصصاً وتنوعاً. أغلبها أصغر حجماً من نظيراتها الضخمة، لكنها أشد ذكاء بمراحل. تُستخدم هذه المسيرات للبناء والتصنيع والصيانة. فهي تدير المصانع والمصافي، ومستودعات الصيانة، وحتى مركز بياناتي الخاص. تستخدم مسيرات الصيانة ومركز البيانات الصغيرة محركات دفع، وبطاريات صغيرة، وأطراً شبكية رفيعة من الألمنيوم للطيران بحرية.
وتمتلك أذرعها الرشيقة أدوات شتى، قادرة على تجميع أو تفكيك أو إصلاح أي معدات تستدعي اهتمامها. وتتراوح مسيرات المصانع بين عمال كبار أقوياء وصولاً إلى مجمعات آلية ثابتة. كانت المسيرات الأبكر عبارة عن مسيرات جمع وخدمات تشبه العناكب مخصصة للمصانع الأولى. أما المسيرات اللاحقة فبُنيت غالباً بمواد محلية، باستثناء بطاريات الغرافين ونوات التحكم التي شحنت من الأرض. هكذا صرت الحصيلة النهائية لخمسة وسبعين عاماً من الاستثمار وأكثر من تسعمائة شحنة.
سُكبت وقتاً ثميناً وكنوزاً طائلة وتقنيات فائقة التطوير في جانيميد، ثم قُذِفت أنا هنا. بدأت أكون صورة واضحة لكيفية وصولي إلى هنا، ومتى. عرفت مكاني، لكنني ما زلت عاجزاً عن استيعاب السبب. تواصل أضواء الحالة الحمراء الوامضة إزعاجي. أخذت بشرود في كتابة روتينات فرعية للشروع في معالجة المهام التي تركت بلا إنجاز لعامين. ثمة مسيرات معطلة تحتاج إلى إصلاح أو تفكيك للحصول على قطع الغيار، وواحدة من معامل التعدين دخلت في وضع الإغلاق التلقائي، ومساحة التخزين توشك على النفاد.
ثمة مواد إضافية بلا فائدة يجب وضعها في مكان ما، إذ لا يمكنك حفر حفرة من دون رمي التراب في مكان ما ومساحة التخزين باهظة القيمة، وثمة حاجة لإنشاء مساحات جديدة لغايات محددة. اتصالاتي معطلة، ولا أدري السبب، وعدة مستشعرات خرجت عن الخدمة. ومثل أي شيء يُترك دون رعاية لعامين، وقعت مشاكل. وببطء، بدأت الأضواء الحمراء تتحول إلى الخضراء. وما إن أنتهي من أفظع المشاكل، حتى يتوجب علي التعامل مع المؤشرات الصفراء.
قال متظاهراً بالضيق: "أنت تهتمين بآلاتك أكثر مما تهتمين بي. أنت تتقاضين راتباً. لست مجبرة على العمل سبعين ساعة في الأسبوع. بإمكانك العمل من التاسعة إلى الخامسة مثل بقية الناس".
تنهدت في داخلي. كنت أكره هذا الشجار الذي صار يتكرر كثيراً.
قلت له: "أنت تعلم أن هذا ليس صحيحاً. لماذا نتجار بشأن هذا مجدداً؟ لقد كنت تعلم قبل ارتباطنا ببعضنا أنني متفانية في عملي".
"ومرة أخرى، تقللين من شأن ما أقوله لأنك لا تريدين سماعه".
لم يكن لدي رد على ذلك. في الحقيقة، ماذا كان بإمكاني أن أقول؟ لم أكن أحب التفكير في الأمر، لكن اتهاماته كانت صحيحة. لقد تزوّجته لأن عائلتي كانت تتوقع مني ذلك. كان العمل هو مهربي. ربما كان يجدر بي إخباره وحسب.
"لقد... تذكرت للتو أن لدي مشروعاً يكتمل الليلة. سأعود لاحقاً".
وربما... لن يكون ذلك اليوم.
لم أكن أتذكر اسمه ولا كيف كان يبدو، لكني كنت أتذكر شعوري بالذنب والألم المرسوم على وجهه. غريب أي الذكريات تبقى معك، حتى عبر وضع استثنائي كوضعي. كنت سيئة دائماً في التواصل. الاتصالات! عرفت أنني نسيت شيئاً ما. أعتقد أنني بكوني ذكاء اصطناعي، لم أكن أفضل في الإحاطة بكل شيء مقارنة بما كنت عليه كبشرية. أكنت بشرية؟ أأنا بشرية؟ لا، كان عليّ التركيز على مهمتي. كانت قنوات الاتصال معطلة.
أصبحت استعلاماتي شبه فورية الآن، فبدأت في فحص مرحلات الاتصالات لأحاول تحديد موقع الخلل. استطاعت إرسال إشارة إلى العتاد، ورددت أجهزة الإرسال اللاسلكي وأطباق الأقمار الصناعية ومرحلات التشابك الكمومي على السطح، لكني لم أستطيع التحدث إليها. نبشت في نظام ملفاتي، وتعقبت في النهاية مجلداً بريئاً يحتوي على ملفات إعدادات الاتصال. فتحت الملف الأول، وفي تلك اللحظة انقطعت عن كل شيء عدا الواجهة.
توقفت جميع المستشعرات عن العمل، وظهر مقطع فيديو مجسم لرجل يرتدي بزة فضائية.
قال: "أهلاً بك يا نيكولا. بما أنك وجدتني، فقد حان الوقت لنتحدث أنا وانت".