حدّق سورين بغضب في الرجل الواقف أمامه. استبدّ به شعور متزايد بالاستفزاز كلما طال نظره إليه. يعود جزء من هذا الغضب إلى سهولة تعكير هجومه وتخريبه. سورين تلميذ داخلي في طائفة القمم التسعة الشهيرة. واحتل المرتبة الأولى حالياً في تصنيف الطائفة العشر الكبرى. شعر بالإحراج لأن نكرةً مثله استطاع إظهاره بمظهر ضعيف أمام أيلا. وأيلا إحدى أجمل حسناوات قصر القمر المتجمد، وكان سورين يرغب في استعراض مهاراته أمامها.
لكن هذا الرجل بدا مصراً تماماً على إذلاله. وما زاد الطين بلة، أن مجرد النظر إلى وجهه الهادئ والمفعم بالغطرسة دفع سورين إلى الرغبة في ضربه حتى يعجز عن الزحف. عزم على تلقينه درساً يدرك فيه أن طائفة القمم التسعة وعشيرة دونفيلد لستا ممن يمكن الإساءة إليهم بلا عواقب. وفوق ذلك، سيساعده هذا في تنفيس جزء من الإحباط الذي كابدَه طوال الأشهر القليلة الماضية. تعثر تقدمه لسبب ما.
ولم يكتسب سوى مستوى مهارة واحد طوال هذه المدة، وإن أخفق في زيادة قوته، فقد يُطاح به من ترتيب التلاميذ الداخليين. لم يكن يملك رفاهية تحمل ذلك. ستغضب عائلته بشدة إن حدث هذا. سورين عبقري من عشيرة دونفيلد. وعلى الرغم من انتمائه لإحدى العائلات الفرعية، فقد ورث دماءهم وجرى تبنيه في الفرع الرئيسي. ثم انضم إلى طائفة القمم التسعة، حيث رُقّي سريعاً إلى رتبة تلميذ داخلي إثر أدائه المتميز في مسابقة التلاميذ الخارجيين.
لم يكن العبقري الأعظم في طائفة القمم التسعة؛ فقد كان واعياً بما يكفي ليدرك هذه الحقيقة. وُجد عمالقة جعلوا ظهوره يبدو عادياً تماماً. لكنه تجاوز المتوسط بلا شك من حيث القوة والموهبة. ومن هنا زاد الإحباط حين رأى مهاراته تتوقف عن النمو. ولم يكن الأمر كأنه استخدم إكسيرات بااهظة الثمن أو جرعات لتحسين المهارات مثلما فعل بعض التلاميذ الآخرين. ومع ذلك، لن يسمح لأي أبله عشوائي ينتمي إلى طائفة أدنى بأن يجعله يبدو أحمق.
أقرّ بأن الرجل لا بد أنه يمتلك قدراً من المهارة إن نجح في تعطيل المانا خاصته، لكن هذا كل ما في الأمر. لم يحصل ذلك إلا لأن سورين لم يكن مستعداً بالشكل الكافي، ولهذا اضطربت المانا خاصته بهذه السهولة. هذا هو السبب الوحيد. بينما واواصل الحدّق في المراهق ذي الشعر الأسود، لاحظ أخيرًا الفتاة المجاورة له. لم يدرك سورين وجودها لسبب ما. بالطبع كان يعلم بوجودها، لكن عقله لم يسجلها كإنسان لأسباب غامضة.
أمر غريب، خصوصاً حين أدرك مدى فتنة الفتاة. استحالة ألا يلاحظها. تتدلى خصلات شعرها الأشقر الغامق برشاقة فوق كتفيها وقوامها الممشوق. مع ذلك، كانت عيناها هما ما جذب سورين إليها. عيناها تشبهان أروع أحجار الجمشت التي رآها على الإطلاق. مع ذلك، شعر بموجة جديدة من الاستياء عندما رأى المراهق ذا الشعر الأسود يتحدث إلى هذه الحسناء بكل بساطة. شخص عادي المظهر مثله لا ينبغي أن يكون مع شخصية كهذه.
كانت أرفع بكثير من مستواه لدرجة جعلت سورين يشعر بالضيق لمجرد رؤيتهما يتفاعلان. اشتدت حدقة عينيه، وعندما أشار قائد الحراس ببدء المبارزة، سمح للمانا بالتدفق عبر مسارته. تفعّلت [مهارة الجسد النجمي]، وشعر بالقوة تدفق في عضلاته وعظامه. كانت [مهارة الجسد النجمي] إحدى مهارات إرث العشيرة وستشكل قوة أساسية له عند المرتبة الرابعة. إنها مهارة ملحمية عالية المستوى، واحدة توظف تقارب المانا النجمية لديه إلى أقصى حد.
ثم فعّل [خطوة الشبح] واندفع نحو خصمه الذي كان ما يزال واقفاً هناك ينظر إليه ببلادة. بدا أن خصمه لم يدرك حتى أن سورين قد تحرك؛ إذ لم تظهر أي ردة فعل أو تدفق للمانا. سيكون الأمر أسهل مما تصورته، فكّر بسخرية محتقرة. لكنه لم يرغب في إنهاء القتال مبكراً جداً، لذا كبح بعض قوته. لن يكون الأمر ممتعاً لو أطاح بالرجل بلكمة واحدة؛ أراد الاستمتاع قليلاً بهذا الوضع. اقترب مسافة قدمين ووجه لكمة مباشرة إلى معدة خصمه.
ابتسم عندما شعر باطّراف قبضته تصطدم به. بيد أن تلك الابتسامة تحولت بسرعة إلى ذعر حين شعر وكأنه ضرب بيديه طقماً كاملاً من الدروع الصفائحية. أرسلت الارتدادات والرجعات الناجمة عن لكمته آلاماً لاذعة صاعدة في ذراعه. وما زاد الأمر إثارة للقلق هو تعبير وجه الرجل. كان يحدق في سورين بما بدا وكأنه خيبة أمل مستترة بصعوبة. عبر ومض أحمر خاطف من عيون المراهق ذي الشعر الأسود، فتراجع سورين على الفور بأقصى سرعة استطاعها.
وقف هناك، وبدأ عبوس يرتسم على وجهه بينما كانت أنفاسه تتردد قصيرة. لم يكن يعلم السبب، لكنه شعر لسبب ما بكمية لا تُصوّر من الخطر حين حدق في تلك العينين. ومع ذلك، كان عقله مركّزاً تماماً على معرفة كيف استطاع هذا الشخص تلقي ضربة مباشرة من سورين دون أن يرتدّ أو يهتم للأمر أبداً. قد يكون سورين كبح قوته، لكن ليس إلى هذا الحد. كانت تلك اللكمة لتطوي معظم أصحاب المرتبة الرابعة.
ورغم ذلك، لم يشعر بأي مانا أو طاقة تنبعث من هذا الفرد. وحسب ما استطاع سورين تقديره، فقد امتصاص الضربة بالقوة الطبيعية لجسده فحسب. مدركاً أنه ربما قلّل من شأن الرجل قليلاً، فعّل سورين بعض مهاراته الأخرى وسحب سلطته. ثم عاد هاجماً، مكتسباً زخماً ومحوّلاً مانا النجوم عبر لحمه، ومعززاً لكمته بشكل أكبر. ومع ذلك، ومرة أخرى، لم يكلف المراهق ذي الشعر الأسود نفسه حتى عناء ضخ المانا في جسده.
على الرغم من ذلك، فقد تحرك على الأقل. بدا الأمر كأنه يتحرك في حركة بطيئة. لم يكن هناك أي عجلة في تحرُّكه؛ وكأن لديه كل وقت العالم للتحرك. ومع ذلك، كان السطوع سريعاً بما يكفي. نجح في اتخاذ وضعية تجعل قبضة سورين تمرّ كاشطة لكتفه، وبينما كان سورين خارج وضعيته قليلاً، رفع قبضته. أدرك سورين خطورة الموقد، فأطلق المانا من قدميه واستخدم [خطوة الشبح] لتفادي الهجوم المضاد. بيد أن الهجوم لم يأتِ قط.
لم يستغل خصمه الفرصة وترك سورين يفر دون أن يوجه أي لكمة. ما الذي يجري بحق الجحيم؟ بدأ شعور خفيف بالرهبة يتسرب إلى معدته. لكنه سرعان ما قمع تلك الأفكار. لم يكن بحاجة لبدء الشك في نفسه. الشك هو العدو الأكبر لأي ممارس. بدلاً من ذلك، دفع نفسه للهجوم مجددًا؛ وهذه المرة، أمسك بمانا النجوم ولفّها حول ذراعه. التوت ومضات ساطعة من المانا متعددة الألوان بشراسة حول ذراعيه، متخذة شكل حلزوني حول جلده حتى استقرت أخيراً عليه.
شعّ النور الأبيض والذهبي بخطر دغدغ الحواس. كانت [كتابة سيف النجوم] تُستخدم عادةً على السيف، لكن بموهبته استطاع تعديلها لتلائم أي سلاح، ما يشمل ذراعيه نفسهما. ونسج مفهوم الحدة خاصته في المهارة أيضاً، مما عزز قوتها بشكل أكبر. كانت تلك تقنية القتال المفضلة لديه، ورغم افتقاره للسيف، إلا أنها ظلت مهيبة للغاية. رأى أخيراً رد فعل على وجه خصمه. مع ذلك، ازداد سورين تهيجاً حين لاحظ أن النظرة مالت إلى الفضول أكثر من الخوف.
وكأن الرجل لم يكن ليدرك حتى خطر هذه المهارة. لكن سورين سيهريه بما لديه. فعّل مفهوم الفضاء الخاص به وسمح له بالتدفق داخل [خطوة الشبح]. كان مفهوم الفضاء لديه حديث العهد نسبياً وغير مستقر تماماً بما يكفي للاستخدام المريح في هذه اللحظة، لكنه جعل مهارة تحركه أكثر فعالية بكثير حين مُزجت به. اختفى من موقعه وظهر مباشرة خلف خصمه، وذراعه المكسوة بمانا النجوم تهوي بعنف على مؤخرة رأسه.
ومع ذلك، بدا وكأن الرجل ذا الشعر الأسود يمتلك عيوناً في قفا رأسه. لم تكن هناك طريقة يستطيع بها استشعار ذلك، لكنه نجح مع ذلك في الاستدارة في الوقت المناسب ورفع ذراعه لصد اللكمة. ألقى سورين بكامل وزنه وسلطته في الضربة. انفجرت مانا النجوم خاصته وحاولت تمزيق لحم خصمه، لكن بدلاً من إطاحة الرجل عبر الحلبة، شعُر وكأنه لتوه لكم جبلاً راسخاً لا يزول. ليس هذا فحسب، بل بدا وكأن تقنيته الخاصة قد انعكست عليه.
محتدمة، حاولت دفقة صغيرة من مانا النجوم الاصطدام بإطاره. أحسّ بالشك ذاته يعاوده، ومعها بدأت ثقته تتزعزع. لا بد من وجود نوع من الخدعة في ما يفعله الرجل. لا توجد طريقة تجعل شخصاً في المرتبة الرابعة يصمد أمام تلك الضربة دون أن يرمش، ناهيك عن عدم تحركه بوصة واحدة. لا بد أنه يمتلك نوعاً من الدماء القوية أو وُلد بتكوين خاص. لا تفسير آخر.
قال سورين بسخرية: "إذاً لهذا السبب كنت تتصرف بهذا الغرور قبل قليل".
توقف الرجل وأمال رأسه متسائلاً: "ماذا؟"
"حسنًا، قد تمتلك بنية جسدية خاصة، لكن ذلك لن ينقذك".
بدأ سورين في جمع المانا. قد يستخدم السيف في المقام الأول، لكن هذا لا يعني أنه يفتقر لعدة مهارات تساعده على القتال عن بُعد. ضغط مانا النجوم خاصته في حلزون ضيق، مشكلاً صاعقة مانا شديدة التكثيف. وخلافاً لتلك التي أطلقها سابقاً، كانت هذه مشحونة بسلطته. ومع ذلك، وقبل أن يطلقها لترتحل، لوّح بذراعه فاندفعت موجة عارمة من مانا النجوم نحو هدفه. فقط عندما قاربت الموجة على الوصول أطلق صاعقته لتخترق الهواء بصفير مدوٍ.
بيد أنه صُدم حين شعر بصاعقة المانا خاصته تصطدم فجأة بقوة جبارة. وكما في السابق، كان خصمه يعبث بماناه، وعلى الرغم من بذل إرادته لتعزيز الصاعقة، لم يستطع فعل شيء إذ تلاشت الصاعقة المضغوطة لتصطدم بصدر خصمه بصوت فرقعة خفيف ولطيف. دفن سورين إحراجه تحت الغضب، وقبل أن يعي، أخرج سيفه من خاتم التخزين. هرع إلى الأمام، دافعاً بـ[كتابة سيف النجوم] لتلتف حول النصل. كان السيف كنزاً مربوطاً بالروح كسبه من صدع، وكان سيفاً قوياً للغاية.
فهو يلائم مانا النجوم خاصته بينما يتمتع بحدة لا ترحم. اقترب وشنّ ضربة بسيفه مستهدفة صدر الرجل. مع ذلك، شعر بنصله ينحرف بعيداً، وقبل أن يتمكن من سحبه لطعنة، أحسّ بوزن لا يُصوّر يهوي عليه وعلى يديه. تخبط بإرادته، كاد يعجز عن التحرك، ثم خرجت يد من العدم وأمسكت بمعصمه. حاول جاهداً الانسحاب، لكن الأمر كان مستحيلاً. كانت هناك قوة وطاقة هائلتان خلف هاتين اليدين الناعمتين لدرجة منعته من التحرك بوصة واحدة.
لا يوجد تفسير لامتلاك جسد نحيل مثل هذه القوة. أرسل سورين دفقة مركزة من الهالة ومانا النجوم مباشرة نحو وجه الرجل، لكن ذلك لم يجدي نفعاً أيضاً. تجاهلها كما يتجاهل المرء بعوضة. ثم، وكأن الحدث يدور في حركة بطيئة، رأى قبضة تظهر من العدم متجهة مباشرة نحو وجهه. رفع كل وسيلة دفاعية امتلكها، ورغم ذلك، تحطمت جميعها تحت القوة التي ضربته. رنّ جمجمته بصوت عالٍ، ولم يرَ سوى نجوم متلألئة.
ظل عالقاً، وحاول الإفلات، لكن كل تقنية ومهارة حاول استخدامها انتزعت من بين قبضته. لم يملك سوى البقاء هناك والتخبط بعبث تجاه آسرِه. ثم تلقى ضربة أخرى؛ هذه المرة، شعر بتصدع قفصه الصدري. كيف كان الأمر ثقيلاً إلى هذا الحد؟ تقيأ ملء فهد من الدم وتدلى ببلادة بينما كان خصمه يمسكه معلقاً من معصمه. لم يكن على وشك الاستسلام، وحاول الهجوم مرة أخرى. دفع نفسه قدماً وسحب مانا خاصته مرة أخرى.
بيد أن عيني سورين اتعسعتا عندما رُفِع في الهواء، وقبل أن يدرك ما يجري، كان يطير عبر الأجواء بسرعة خاطفة. حاول إعادة تفعيل مهارات الدفاع خاصته وتمكن بصعوبة بالغة من وضعها في مكانها. لحسن الحظ أنه فعل ذلك، لأنه اصطدم بجدار حجري مجاور بقوة هائلة حطمت الجدار جنباً إلى جنب مع جسد سورين. شعَرَ بشيء ما في ظهره يتفكك، ولم تكن أحشاؤه بأفضل حال. عجز حتى عن الكلام إذ استمر وزن ثقيل جاسمًا مباشرة على صدره.
حاول إخراج استسلامه بصوت أجش، لكن شيئاً لم يخرج. بدلاً من ذلك، أطلق أنّة خشنة عندما هبطت فجأة هالة قاهرة عليه بلا رحمة. لم يحتى حتى على الصراخ قبل أن يشعر بأن عقله ينهار ويغيب عن الوعي.