لم يكن هناك سوى الفوضى وتفريغ العقل تماماً مع الاندفاع وسط الجنون. كان يحصد النملة تلو الأخرى دون نهاية تلوح في الأفق. وفي القتال والتركيز على النجاة وحدها راحة غريبة. لم يعد لمدى قوته بعد بلوغه المرتبة الرابعة أيّ وزن أمام الأعداد الهائلة التي دفعته إلى حافة الهاوية بينما كان يصارع تياراً جارفاً من الوحوش. كان تنفّسه ثقيلاً وممزقاً بلسعات النمل في كل ثانية. أطلق طاقته الحركية مجدداً لاهثاً بحثاً عن الهواء ومستنفداً كل ما تبقى في مخزونه.
تهاوى مخزونه من المانا بسرعة مع غياب أيّ كبح لنفسه. كانت مهاراته شغوفة وجاء التنازل عنها حتمياً لضرورة توفير المانا للاستشفاء والبقاء. توقف عن إطلاق أشواك المانا وصبّ تركيزه على تعزيز جسده وصلابة جلدة تخفيفاً لوتيرة العلاج. دار في حلقة واسعة مطيحاً بثلاث نملات وقاطعاً أقدام اثنتين أُخريين، بينما استحوذ التلوث الزاحف إلى جسده على جلّ تركيزه. عجز عن تقدير حصيلة ما أباد من النمل وسط أكوام الجثث المحيطة به والتي بثّ فسادها ضباباً كثيفاً وثقيلاً.
ساعده تاجه كثيراً متوهجاً بشدة لدرجة صدّ أسوأ درجات التلوث، إلى جانب محاولات دراسل المستميتة لإصابة جراحه. ورغم هذا العون وجد جوليوس نفسه عاجزاً عن مواءمة هذه الأعداد الجارفة التي يرميه بها النمل. لهث متلفتّاً حوله ليرى المزيد من النمل يتدفق داخل الأخدود بلا نهاية، ثم أطلق زئيراً هديراً مع تحرير طاقته الحركية المتراكمة. انطلقت نبضة حركية مفردة فمزقت نمل محيطه وذرّتهم دون أن يملكوا أمام هذا الهجوم المدعوم بمفاهيمه وسلطته فرصة واحدة.
رمى جوليوس نظرة عابرة على فأسه وأطلق ضحكة مشمئزة. كانت الفأس مهترئة المعالم متصدّعة المعدن ومثلومة الحافة في مواضع شتّى. والواقع أن وزر ذلك يقع عليه لاستخدامه القاسي لها. فقد سرى هلال الخراب عبر السلاح طوال القتال متمرداً على طاقة متقلبة لم يُصمم السلاح لاحتمالها. وحرصاً على تفادي انكسار السلاح في خضم المعركة نزع إلى استبداله بفأس من صنع مانا خاصته. استغرق وقته في نسكها متأئداً وضفْر كل خيط مانا حتى نهايته متخيلاً كيف يزيد كل انضغاط من متانتها.
غرس هالاته بداخلها وأجرى فيها وتراً من مانا الحياة. ثم غمر السلاح بسلطته بابتسامة ماكرة. كانت بذرة العنقاء المدمرة سلطة جبارة وعجزت أدواته تماماً عن احتواء ذلك الكم الهائل من الطاقة، لكنه لم يأبه. وبينما هدد التركيب بالتداعي أمسك به بقوة إرادته المحضة. أجهد روحه وهو يضخ المزيد من الطاقة بغير توقف كابحاً انهيارها. اضطرب [حكيم الهمجية] من هول الجهد وكاد يسقط تحت ثقل إرادته.
ولدى الفراغ منها غاب الشبه تماماً مع مصنوعاته المعتادة. خلت من الشفافية المعهودة لتبدو وكأنها مادية ملموسة، حاملة لثقل استشعرته حتى حواس المانا لديه. ثقل أثقل إدراكه فتأمله لبرهة. كانت داكنة الزرقة تميل إلى السواد وتتخللها خطوط من ضوء أزرق وأبيض تتطاير على السطح كله. ومضات أنذرت بتداعي سيطرته لعدم قدرته على ضبط الطاقة العارمة داخلها بالكامل. لكنها تماسكت وهذا يكفي للمرحلة.
انتهت فترة الهدنة وانقضّ النمل على موقعه مجدداً فعاد إلى العمل مستأنفاً المذبحة. حُسبت كل حركة بدقة لغاية وحيدة تتمثل في إبادة هذا النمل. جُمعت الطاقة الحركية مع كل خطوة مهما صغرت دون إهدار ذرة واحدة. كانت حرب استنزاف لم يقبل فيها الهدر. انتظم في إيقاع ثابت مخلصاً لنمل يقلّصه ببطء مع ترشيد ما أمكن من الطاقة. لم يعبأ بالإصابات الطفيفة التي تراكمت مفضلاً التضحية ببضع خدوش مقابل الإطاحة بنملات عدة.
غير أن شيئاً ما تبدل. كان يمزق نملة تعلوه بيديه العاريتين حين استشعار اقتراب شيء نحوه. بلا تردد بادر بنشر حاجز أمامه وأرسل دفعة حركية نحو الهدف. اصطدما محدثين انفجاراً هائلاً أودى بحياة النمل القريب فوراً وهزّ جدران الأخدود من شدة الموجة الصدمية. التفت جوليوس بوجهته فرصد نملة مغايرة لبقية الحشرات. أصغر حجماً لكن طاقتها أعلى جودة. استنفر جوليوس فوراً ومع انطلاق كرة سوداء دوّامة من فم النملة أرسل طلقة حركية لاعتراضها قبل وصولها.
لكن تلك الكرة اختلفت عن سابقتها؛ إذ لم تهتز بل امتصت الطاقة الحركية. واصلت الكرة مسيرها نحوه فانحرف جانبياً متفادياً إياها. غير أن مسارها تبدل فجأة لتعقبه أثناء تحركه. ولمزيد من الإزعاج تجمهر النمل فوقه محاصراً منافذ هروبه. سدد شوكة مانا نحو الكرة مشبعة بهالاته المدمرة ومانا النار. وعلى عكس الدفعة الحركية خلفت هذه أثراً طفيفاً. اهتزت الكرة بعنف حين تقاطع الهجومين لكنها تفوقت في النهاية وامتصت الشوكة.
عبس جوليوس مطيحاً بنملة حاولت نهش حنجرته ومحوّلاً جلّ اهتمامه للكرة ليرسل شوكة أخرى. راقب التقاءهما في الهواء مجدداً بتركيز. حدث الأمر سريعاً لكنه استشف أموراً عدة. أولها تألف الكرة أساساً من التلوث مفسرة بذلك شعوره المقبض تجاهها. وثانيها تغذية الكرة بسلطة النملة بكثافة. فبخلاف بقيات النمل بدت هذه قادرة على توظيف سلطتها مع تعزيز الكرة بها. لم يكن جوليوس خبيراً بتوظيف السلطة بأي لمسة أناقة لكنه امتلك شيئاً مشبعاً بسلطته حتى الأعماق.
رمى نظرة هابطة على فأسه وقطع بابتسامة شارداً النمل الأقرب. ثم رقب الكرة متجهة صوبه، وحالما استعد تقدّم وقطع الكرة بفأسه. بدا الفارق جلياً هذه المرة. قاومت الكرة واهتزت ملياً لتتداعى أخيراً مقسومة بضربة فأسه. أبعده الانفجار مقتطعاً جزءاً يسيراً من جلده أصلحته مهارة الاستشفاء سريعاً. وقبل استجماع النمل للمزيد من التلوث إزاءه اندفع نحوها. كان عدد النمل المستقبلي مزعجاً ولجأ للانتقال الآني لولا كلفته الباهظة من المانا حالياً.
عوضاً عن ذلك تسلل بين النمل مبيداً أي منها تعذر تفاديه. وفقط حين بلغ مسافة لا تشكل فيها المانا كلفة مقلقة فعّل [خطوة الفراغ]. تلاشى من العالم متحركاً عبر الفراغ. وحين ظهر مجدداً غاب إدراك النمل لوجوده فشحن فأسه بـ [ضربة الفراغ]. لم يشأ المجازفة راغباً في الإجهاز الفوري على النملة متجنباً إبقاءها حية تحت ضغط عشيرتها الهائلة. لابد أنها استشعار خطراً يهدد حياتها ليظهر درع قوي حول جسد النملة الصغيرة.
اصطدمت فأسه بالدرع بصوت مدوّ متموجاً ومقاوماً للهجوم. غير أن زخمه الكامل ومضافاً إليه [خطوة الفراغ] فاق الاحتمال. حطم الدرع مستشعراً هلع النملة. حاولت تفادي الفأس والفرار مفعلة ضرباً من المهارات لكنه اقترب لحد تكوّم هالاته فوقها وفرض سلطته عليها. ربما لم يبلغ حد الإتقان بالتحكم بالسلطة بعد لكنه لم يحتج سوى لضغط لا يلين. ثم هوى بفأسه على قشرتها الخارجية سامعاً صوت طحن القشرة عاجزة عن مقاومة الفأس.
غاص السلاح قاطعاً أقداماً عدة وقطاعاً معتبراً من جذعها. أطلقت النملة صريراً ومتوهجة ببراعة بطاقة سوداء بنفسجية. اخترق صراخها أذنيه حاداً لدرجة قطف الدم منهما. ربما شكّل الصراخ إشارة ما لاستشعار تبدل سلوك النمل المحيط. بدت برية سابقاً لتغدو شبه مجنونة متوهجة بذات اللون. تجمهروا فوق موقعه بأجساد متوهجة بفساد أسود وحرارة بالغة، مع توهج مانا النار داخلهم رغم خلو رصيدهم من أي تقنيات نارية سابقاً.
تمكن من تسديد ضربة أخيرة للنملة الصغرى قبل مواجهة السرب الغاضب. استشعر اجتياحه وانجرافه، وقبل إزاحتهم استشعر شيئاً يتدفق داخل أجسادهم. اتسعت عيناه لإدراك ما يحدث لكن بعد فوات الأوان. انفجر النمل فوقه متمزقاً جسده. انتحر عشرات النمل محيطة به ليرمى عبر الكهف محطماً الجدران الحجرية العالية. شعر بسحق أضلاعه لشظايا عظمية وتحول أحشائه لعصارة. احترق جلده شبه كليّ لينهض بأنين نحو الأرض.
ولما لم يكن ذلك سيئاً كفاية تسلل الفلوث لجسده باحثاً عن عدواه. عالجت مهارة الاستشفاء الأضرار بجهد مضنٍ من التلوث لتعطيلها. اضطر لاستخدام هالاته لإزالة أثرها. غير أن التشتت بلغ مداه بصعوبة التركيز على خمسة أمور دفعة واحدة. رغم ذلك مضى حتى أزال التلوث تماماً مع عون دراسل في شفاء جراحه. وجاء ذلك في اللحظة المناسبة تماماً لتسلق النمل فوقه مواصلاً نبض ذات الطاقة بأجسادهم.
ومع إدراكه المتجدد لما ينتظره وحال استشعار الشحن لدفعة أخرى سارع بالانتقال الآني بعيداً. دفع الانفجار اللاحق به للخلف دون إصابات. حلّق لأعلى باحثاً عن النملة الصغرى المختفية حتماً وسط السرب فعجز عن تحديدها. لعن متمنياً إيقاع الضرر الكافي لمصرعها. ظن الأمان محققاً في الأعلى فخاب ظنه. فجأة سقط عشرات النمل من السماء متسلقة الصخور أو خارجة من فجوات الجدران منقضة لمحاولات الإمساك بملامسه.
استحال تفادي الجميع مصطدمة بالبعض منه. شرع في قتلها فوراً ليقدم بعضها على تفجير أنفسهم لحظة التلامس. بذل وسعه للحماية من الضرر رغم قوة الانفجار. تمنى الانتقال الآني بغياب الملجأ والمحيط المحاصر بالنمل. أجبر على احتمال استراتيجية الانتحاريين متفادياً النمل قدر الإمكان مع إبادة ما أمكن. طال أمد الأمر حتى وجد نفسه راكعاً يلهث غارقاً بالدماء مختلطة دماءه بدماء النمل.
أما النمل… فلم يبقَ كائن حي يتنفس في محيط مئة ياردة.