استغرقت العودة إلى المخيم وقتاً أقل بكثير. رسموا خريطة للمنطقة وتأكدوا من سلامتها لذا تمكنوا من التحرك بسرعة أكبر. مع ذلك بينما كان يسير خلف الآخرين لم يستطع منع نفسه من الالتفت إلى الوراء. لم يكن يعلم أي نوع من الأشياء تسبب في ذلك الانفجار الضפم للمانا لكنه يكاد يقسم أنه استشعر شظايا صغيرة لشيء مألوف وشعوراً غامضاً بالانجذاب نحو هذه الطاقة. ليس هذا فحسب بل إنه لو لم يكن يعلم أفضل من ذلك لظن أن الانفجار كان متعمدًا.
بدا الأمر كأن شخصاً ما أو شيئاً ما أراد تدمير أي آثار للمانا أو الهالة. هز رأسه. لن يطلق افتراضات. في الوقت الحالي كان الأمر شعوراً أقرب منه إلى دليل مادي قاطع. احتج إلى إيجاد شيء ملموس قبل أن يخرج بأي استنتاجات. عندما وصولوا صُدم بمدى تغير المنطقة. تساءل لماذا استقلوا منطاداً بدلاً من الانتقال الآني إلى الحاجز لكنه أدرك الآن سبب ذلك. استحال نقل كل هذه الأغراض باستخدام خواتم التخزين وحدها.
شك في أن أكبر الخواتم قد تستطيع تخزين بعض هذه العناصر. في فترة قصيرة بُني المخيم برمته وامتلأ بالعشرات من الهياكل المتنوعة الأحجام والغايات. رأى حتى هيكلاً حجرياً ضخماً يبدو كأنه حدادة على جانب المخيم. علاوة على ذلك وُضعت أعمدة ضخمة منقوشة بالتعاويذ في كل أنحاء المخيم. كانت تمتص كمية هائلة من مانا النار المحيطة لكن مع وجود هذا القدر الكبير من مانا النار في الجو بالكاد كان ذلك ملحوظاً.
وُجد اثنا عشر عموداً وكان كل منها بارتفاع ثلاثة طوابق على الأقل. وظُفت كل هذه المانا في خدمة غرض مفيد أيضاً. أحاط حاجز قوي بالمخيم وبدا له أن ثمة المزيد من التعاويذ منسوجة في بنائه. لا بد أنها صُممت خصيصاً للتعامل مع البيئة القاسية للأراضي القاحلة بخلاف المنطاد. في سياق آخر تساءل عن حجم الضرر الذي يمكن لحاجز كهذا احتماله. نظراً لكميات مانا النار الهائلة فقد افترض أنه سيكون كثيراً.
لم يبدو الآخرون متفاجئين بهذا التطور بالقدر نفسه. ربما رأوا مشاهد مشابهة خلال المهام السابقة. كان التلاميذ يركضون في المنطقة على عجلة ولمح ما بدا أنه مجموعة جديدة من البشر أيضاً. كانوا يرتدون رداءات حمراء داكنة ذات تصميم هندسي خماسي فاخر. استقرت في منتصف الخماسية تماماً شعلة. افترض أن هذه هي طائفة مصفوفة الجحيم التي ذكر الكبير هوان أنها ستأتي لمساعدتهم في هذه الحملة الاستكشافية.
سمح يوليوس لكورا والآخرين بتقديم تقريرهم إلى الكبير هوان. لم تكن عليه أي التزامات للقيام بذلك نظراً لأنه لم يكن جزءاً من مجموعتهم تقنياً. عوضاً عن ذلك توجه لاستكشاف المخيم. كان الجميع مشغولي الكرّ والفرّ غير أن بضعة مجموعات أخذت وقتاً للاسترخاء. ظن أنهم وصلوا لتوهم شأنهم شأن مجموعة كورا بغض النظر عن المكان الذي أُرسلوا إليه. لمح مجموعة معينة بدت كأنها خاضت معركة مع وحوش لتوها.
كانت مثخنة بالجراح والرضوض. ووضع البعض ضمادات حول سواعدهم. بل إن أحدهم وضع واحدة حول عنقه. إذ رصد خلو المكان من سواه وعدم وجود ما يشغله قصد جهتهم.
"أهلاً"
لوح لهم بابتسامة دافئة.
"هل تحتاجون إلى أي علاج؟"
رفعوا رؤوسهم ورأوه. لمح نظرة تعرف في أعيُنهم.
"نعم نحن ننتظر دورنا فحسب. عادت مجموعات كثيرة غيرنا قبلنا وتتلقى العلاج في الوقت الحالي. إصاباتنا بسيطة نسبياً وليست ذات أولوية"
شرحت له فتاة ذات شعر بني مائل إلى الحمرة.
"أتريدون مني علاجكم عوضاً عن ذلك؟"
رأى بعضهم يعبس ويتراجع قليلاً للوراء.
"أنت معالج؟"
سألت الفتاة. لكنه لاحظ أنها لم تتراجع.
"نعم لست معالجاً معتمداً لكنني أستطيع علاج تلك الإصابات من أجلكم على الأقل. أتعجب لعدم استخدامكم أي جرع علاجية لها"
قال.
"لدينا جرع علاجية لكننا نفضل عدم إهدارها إن لم تكن ضرورية. استخدمنا واحدة لجرح عنق غلين وذلك كل ما في الأمر."
أومأ محترماً قرارهم. قد تدوم هذه الحملة وقتاً طвيلاً ومن الذكاء توفير الجرع طالما أمكنهم ذلك.
"أترغبون في أن أُعالجكم إذاً؟"
"طالما أنك لا تمانع"
قالت الفتاة ذات الشعر البني بابتسامة امتنان. لوح بيده ومدّها نحو عنق غلين قبل أن يتمكن الشاب من التراجع. ربما استخدم يوليوس شيئاً من هولته لمنعه من التحرك. قليلاً فقط.
"بالتأكيد لا. ليس لدي ما هو أفضل لأفعله على أي حال."
سمح لمانا الحياة بالتغلغل ببطء ونعومة داخل الجرح لتتشبّع به كل زاوية. وُجد نوع من التداخل؛ أيّ شيء تسبب في إيذاء مهارة مقاومة للعلاج على الأرجح ولهذا السبب لم تشفَ الجرعة تماماً. غير أن جزءاً ضئيلاً من الهالة أزال أياً ما كان وألتحم اللحم فوق الجرح بعد ذلك بقليل. لمس غلين عنقه ليبدو متفاجئاً لكونه بخير حقاً.
"شكراً لم يكن مميتاً لكن التنفس كان مزعجاً بعض الشيء"
قال ضاحكاً بارتياح.
"لا تقلق. والآن دعوني أُعالج البقية منكم"
قال لهم وشرع في علاج سائر أسقامهم وإصاباتهم الأخرى. ما إن فرغ حتى شكروه مطولاً.
"أنت لست سيئاً بالقدر الذي تصوره الشائعات"
قال غلين فجأة. تراجع للخلف منقبضاً.
"ماذا؟"
"نعم أنت ألطف بكثير مما ظننت. استنادا إلى ما يقوله الناس لظننتك نوعاً من الساشيين أو المتنمرين."
اختلج وجه يوليوس.
"لا بد أن الشائعات ليست بهذا السوء، أليس كذلك؟"
"ممم. يقول الناس إنك تحب ضرب وتعذيب تلاميذ القاعة الخارجية. وأنك تضحك أثناء فعل ذلك."
"نعم وهناك من يفترض أن هذا هو سبب تخلّي أولئك التلاميذ الداخليين عنك في البرية."
"هذا ما يقوله الناس؟"
سأل عابساً.
"أجل. لكنه لا يمكن أن يكون صحيحاً، أصح صحيح؟ أعني، لا يمكن أن تكون شخصاً سيئاً إلى هذا الحد بعد أن توقفت لمساعدتنا."
همّ بأن يُخبرهم بأن شيئاً من هذا لم يكن دقيقاً لكنه تذكر فجأة مرور أيام صدرت فيها ضحكة أو ضحكتان. مع ذلك لم يكن الأمر استمتاعاً بالتعذيب بل لكونه يستمتع بتحسين تحكمه بهالته الخاصة.
"مهلاً، إذن الأمر صحيح؟"
تدلت كتفاه نحو الأرض. لم يمتلك الطاقة لإنكار ذلك أو محاولة إقناعهم بعكسه. كم بلغتْ سوء سمعته في الطائفة يا ترى وهل فات الأوان لإنقاذها؟
* * *
مكثوا في المخيم بضعة أيام قبل إرسالهم مجدداً. لكنهم هذه المرة كُلفوا بمرافقة مجموعة ضخمة. تمثلت مهمتهم في إقامة قاعدة عمليات أمامية للمهام المستقبلية والمجموعات المسافرة عبر المنطقة. رافَقهم أفراد طائفة مصفوفة الجحيم أيضاً. لم يكونوا جميعاً من الفئة الرابعة كما توقع يوليوس. كان العديد منهم من الفئة الثالثة واُشترط عليهم ارتداء كمية مقلقة من العتاد والعناصر المسحورة لمجرد النجاة في البيئة القاسية.
لكنهم كانوا ضروريين لإنشاء قاعدة العمليات الأمامية. سلكوا المسار ذاته الذي سلكوه من قبل لكنهم صادفوا مجموعة من الوحوش هذه المرة. لحسن الحظ رُصدوا من مسافة بعيدة واستطاعت مجموعة كورا التعامل معهم بلا مشاكل تذكر. قُصفت الوحوش من مسافة بعيدة لتقليص أعدادها وحظي يوليوس بفرصة رؤية طائفة مصفوفة الجحيم أثناء القتال أخيرًا. تقاتلوا بطريقة مختلفة تماماً عن تلاميذ طائفة الشمس المحرقة.
استخدموا استهلاكيّات أكثر بكثير تمثلت في التمائم ومختلف العناصر الأخرى. كما تعاملوا مع الوحوش بأسلوب سلبي أكثر بكثير. على غرار ما توحي به أسمائهم استغلوا المصفوفات والافخاخ تاركين الوحوش تركض نحو انفجارات ضخمة للنار. وبينما تمتلك أغلب وحوش الأراضي القاحلة مقاومة قوية للنار إلا أنها لم تصمد طويلاً أمام قوة الارتجاح الناجمة عن الانفجار. علاوة على ذلك وبتواجد مانا النار الكثيفة المحيطة شُحنت المصفوفات بالمانا بصورة فائقة مما وازن تفوق المواجهة السيئة وزيادة.
جدير بالذكر أن فريق كورا برز بوضوح عن البقية. كانوا قساة ومحوا أي وحش واجهوه بكفاءة وسرعة عجز أيّ كان عن ماراتهما. وُجد سبب وجيه وواضح لاختيارهم لاستطلاع المنطقة بمفردهم. استغرقهم الأمر أغلب النهار للوصول إلى وجهتهم المنشودة وباشر الأشخاص الذين رافقوهم إقامة المخيم بسرعة أذهلته. قبل أن تغيب الشمس خلف الأفق كان الجميع مستقراً ونُصبت الحواجز في محيط المخيم بأسره. أرسلوا رسالة إلى الفريق المفترض أن يتبعهم فور ترسيخ موطئ قدم لهم.
وجب عليهم الصمود في المخيم إلى حين وصولهم. في غضون ذلك تولّى يوليوس نوبة حراسة الليل. لم يكن ملزماً بذلك لكنه بدا مؤهلاً فريداً لمثل هذا الأمر. فضلاً عن ذلك رغب في الاستكشاف بمفرده. قضى وقته في تحليل آلية عمل الأراضي القاحلة وأجرى بعض التعديلات على مهارة [الإدراك المكاني المطلق]. أراد معرفة ما إذا كانت تعديلاته قد نجحت. فضل ألا يتفاجأ بكمين آخر يشنه مخلوق مختبئ في الرمال.
عمل الرمال عازلاً ممتازاً لكل شيء. وشمل ذلك الحرارة والمانا. وللأسف دل ذلك على مواجهة حواسه المكانية صعوبة بالغة في اختراقه. لكنه أدرك شيئاً واحداً لا تعزل الرمال جيداً ضده. وتمثل ذلك في الحركة. عكس الرمال صدى كل جزء من الحركة والاهتزاز. مما يعني نفع ميله الحركي. إذا بسط [مجال الإرادة المحطمة] برفق تمكن من رصد أدق حركة طالما دمجها مع مهارته المكانية. انطلق لاستكشاف الظلام.
لم يكلف نفسه عناء إخفاء مانا أو هالته؛ بل سمح لها بالتنفس خارج جسده بشكل طبيعي. لم يكن بصدد الإعلان عن وجوده لكنه لن يختبئ أيضاً. لم يستغرق الأمر طويلاً ليلتقط أحدهم الطعم. شعر بشيء يتحرك خلفه في الرمال فابتسم. انفجرت الرمال صعوداً بينما انطلقت إبرة عقرب كالسهم نحو وجهه. استخدم أدنى قدر من الحركة لتفادي الهربة جانباً ومع تقوية تقنية الحياة لجسده أمسك بالإبرة واستغلها للإمساك بالعقرب.
ثم وبإدارة حادة لورِكيه رمى العقرب في الهواء. طار المخلوق الضخم في سماء الليل باعثاً نحوه دفقة من مانا النار السامة. لم يكلف نفسه عناء صده بحاجز حتى. صفعه جانباً بذراعه وراقب النار وهي تحاول النيل من لحمه. لكن كما تبين كانت تقنية الحياة والخراب الخاصة به أكثر تدميراً من هذه النار مما يعني قدرته على التعامل معها بسهولة. رغم استمراره في تفحص النيران بينما هاجمه المخلوق مجدداً.
لم ينظر إليه حتى وهو يحاول طعنه مجدداً. انحنى أسفل الإبرة وصفعها بطاقات الحياة والخراب المتراكمة. تَعلم سريعاً أنه رغم جودة تقنية الحياة والخراب للتعزيز العام إلا أن خيارات الهجوم الخاطف بدت محدودة. أخذ يجرب أشياء جديدة وكان سيستخدم العقرب ليساعده. بدا المخلوق نفسه قوياً للغاية بالنسبة للفئة الرابعة. امتلك سلطة قوية حاولت قمعها لكن ضد شيء يشبه سلطته لم يسعه سوى التخبط بلا جدوى.
جرب يوليوس أفكاراً شتى ولم ينجح أي منها وسط خيبة أمله. تمثلت المشكلة في اعتماد تقنيته الزائد على التوازن. جاء ذلك التوازن بثمن تمثل في ناتج طاقة ثابت. إن حاول استخدام المزيد من هالة الحياة أو الخراب اختل التوازن وتفككت التقنية مهددة بتفجيره. بعد استعادته السيطرة على التقنية المختلة راودته فكرة مثيرة للاهتمام. نظر إلى العقرب الذي بالكاد كان صامداً. جمع كَمّاً من الإصابات خلال تجاربه.
حطمت العشرات من الضربات درعه وباتت إبرته معلقة بالكاد بجسده. رغم ذلك واصل هجماته بإصرار. وعندما اندفع للأمام ممدداً إبرته سمح لهالته المدمرة بالهياج عمداً. انفجرت أقسام من الطاقة المنقاة بحذر مسببة تفاعلاً متسلسلاً من الدمار المستحيل إيقافه. أحكم سيطرته على إرادته ووجه هذه الطاقة المتفجرة نحو ذراعه اليمنى بينما ألوى بيده ملطماً العقرب القادم. أفلت الإبرة وهوى براحته مصطدماً بالمخلوق ومطلقاً كل الطاقة المخزنة.
كانت النتيجة... بالغة التطرف. لم يدرِ أإن كان الدرع متضرراً بشدة لاستحمال هجوم آخر أم أن الهجوم اتسم بتلك القوة، لكن العقرب انفجر إلى ألف شريحة. مزقت الهالة المدمرة المخلوق وتناثرت دماء المخلوق عليه. ثم رفع يده ليرى النتيجة وعبس. وكما توقع لم يبقَ سوى قطعة عظم نحيلة تتدلى من ساعده. كان الانفجار المتعمد أثقل من أن يتحمله جسده. قناة مهارة العلاج بسرعة ملاحظاً التئام لحمه وعظامه في ثوان معدودات.
استخدم هالته لإزالة الدماء عن جسده ناظراً نحو الأفق. ربما فشل هذا الاختبار البسيط لكن الليل ما زال في بدايته وتملكه المزيد ليختبره.