درب التسامي الفصل 631 — البروفيسور جوليوس

اقرأ درب التسامي الفصل 631 — البروفيسور جوليوس باللغة العربية على مانجا تايم.

تخطّى ريس عتبة الباحة والتفت يميناً ويساراً. لم يطأ هذه الباحة من قبل، لكنّه تعرّف إلى عدد من مريدي الطبقة الخارجيّة فيها. بدا الأمر مثيراً للاهتمام بعض الشيء؛ فالجميع هنا من بين أقوى المريدين وأكثرهم موهبة في القصر الخارجي. لمح مارفيس، ولم يكن مفاجئاً أن تجدها تقف إلى جوار ثيرا. لاحظ أيضاً إقبال جِي متمهّلاً نحو الباحة. كان تفاديه عسيراً على أي حال؛ فالفتى الضخم يكاد يعجز عن الولوج عبر البوابة، وثيابه توشك على التمزّق مع كل خطوة يخطوها.

لمحت عيناه الشقيقة ساري مركونة في زاوية المكان، فانفلتت منه ابتسامة عفوية. يكاد لا يخلو قلب مريد في طائفة الشمس المشتعلة من معرفتها؛ فهي المريدة المفضلة لدى الجميع بلا منازع. دأبت على تلقين مختلف الفنون والمهارات، وبارعة في التدريس أشدّ البراعة، فتعامل الجميع بالعدل سواء أكانوا من مريدي الداخل أم الخارج. حسْب طائفة تعجّ بالشيوخ العجائز أن تضمّ شخصاً بملامح دافئة وروح مبهجة.

وممّا زاد الطين بلّة، أو بالأحرى حسّن الأمر، حسنها الفاتن. أسرّ إليه غير واحد من أصدقائه بهيمهم بها، ولن يكذب إن اعترف بوقوعه في شباكها هو الآخر؛ فتلك المرأة كانت مذهلة بحقّ. أستكون معلّمتهم حقاً؟ خامره الشك في ذلك. حين أُبلغ ريس باختياره للمشاركة في درس مستحدث، تملّكه الفضول حيال هوية المعلم. بدا من النبرة أنّه شيخ جديد، لا شخصية بحجم ساري. حينئذٍ، علّق الأمل على أمثال الشيخ مالريك أو حتى أحد الشيوخ الكبار.

لكنّه لم يتبين أي شيخ ينطبق عليه هذا الوصف.

— ريس!

أُدعيت أنت أيضاً؟ سألته مارفيس بحماسة وهي تقفز نحوه. وتبعتهما ثيرا متباطئة بخطى ثقيلة، تبدو نظراتها فارغة بالملل كعادَتِها.

— أجل، رغم أنني لاحظت اقتصار الدعوة على كبار مريدي الخارج فحسب.

— أعلم، أمر مشوق، أليس كذلك؟

يتساءل المرء عمّا ينوون تلقيننا إياه. علّقت بابتسامة عريضة. هزّ رأسه بهدوء والتفت يتبين الوافدين الجدد إلى الباحة.

— أسمعتِ شيئاً من الإشاعات عن المعلم؟

— أبداً.

لا أحد ممن سألتهم يدري شيئاً. من تتوقع أن يكون؟ شيخاً كبيراً؟ همست بتآمر وبريق يتراقص في مقلتيها. سخرت ثيرا: — أجل، أشك أن يبرح شيخ كبير مقعده ليعلّم حفنة من مريدي الخارج. وافقها ريس الرأي. لكان أمراً خارقاً لو حدث، لكنّه استبعد تكبدهم عناء كهذا. فنادراً ما يمنحون دروساً لمريدي الجوهر، ناهيك عن صغار طلّاب القصر الخارجي.

— من يدري؟

نائبة زعيمة الطائفة كاساندرا تمنح دروساً بين الحين والآخر. أضافت مارفيس بنبرة متفائلة.

— أجل، مرة أو مرتين في العام، وللقصر الخارجي بأسره، لا لزمرة مصغرة كهذه.

— لا تدرين لعلّ بعضنا لفت انتباه الرؤوس الكبيرة.

انظر إلى ريس، سيترقى إلى مرتبة مريدي الداخل في غضون أشهر معدودة، ولن أُفاجأ إن صار مريد جوهر عقب ذلك بوقت قصير. حاول ريس ألا يختال زهواً بمديحها. كانت مارفيس صادقة، ويعلم تماماً أنها تعني كل كلمة تقولها، ممّا أضفى على كلماتها وقعاً أعمق. وُلِد ريس لعائلة فقيرة من عامة الشعب، وبِيع في سوق الرقّ لكثرة الأفواه التي تنتظر الطعم. لكنّ حظه العاثر انقلب حين قررت طائفة الشمس المشتعلة عقد اختبارات القبول في بلدته الصغيرة قبل سنوات خلت.

اجتازها بحدّ السيف، مستوفياً الحد الأدنى للالتحاق بمرتبة مريد خارجي بصعوبة بالغة. لكنّه نما ببطء وأثبت جدارته خلال الأعوام السالفة. كان توافقه مع العنصر الناري متوسطاً لا غير. غير أنّ الفرصة سنحت له قبل عام ليرفعه إلى مستوى عالٍ بفضل مكافأة صدع، فقفز نموه قفزة هائلة. وحين انفتح أمامه باب التوافق من غير عوائق، تسلّق مراتب القصر الخارجي متسارع الخطى. ومهاراته التي ركدت طويلاً دفعت بها إلى آفاق جديدة، وبحوزته الآن ستّ مهام بمستوى أسطوري، بينما استقرت بقية المهارات في ذروة المستوى النادر.

قلّما يبلغ أحدهم شأواً مماثلاً في المرحلة الثالثة، وهو إنجاز مبهر للغاية إذا أخذنا نقطة بدايته بعين الاعتبار.

— كفى نفخاً لغروره يا مارفيس، فالأمر سيّأ بما يكفي.

عما قريب، لن يجد مكاناً يسع غروره في رأسه الضخم. قالت ثيرا قاطعةً عليه حبل فخره بالطريقة التي تعودتها.

— لمَ تتعمدين إحراجي هكذا؟

ألا تتركينني أهنأ بلحظتي؟ تذمر.

— يمكنك الهناء بها بعد أن تغلبني في نزال.

ردّت ببرود قاطع. كشّر عن أنيابه بمرارة.

فعلى الرغم من "موهبته"

وجهده المضني، ظلّ متأخراً عن ثيرا. وإن ظنّت مارفيس بقدرته على بلوغ مرتبة مريدي الجوهر، فلا شكّ أن ثيرا ستبلغها دونه. وكان عجيباً أنها لم تصل إليها بعد. تلك الفتاة الصامتة كانت شيطاناً في ساحة القتال؛ فلم يصادف قط من يضاهيها مهارة. ربما كانت أضعف منه، لكنّ براعتها في فنون النصال بقيت بلا منازع. صحيح أن مقدرتها على تسخير المانا النارية والمهارات المرتبطة بالنار تخلفَت عن قدراته، لكنّ مهاراتها في استخدام السيف لا بد أن تكون قد لامست قمم المستوى الأسطوري.

خامره شعور بأنها كانت ستجني نفعاً أكبر لو انضمت مريدة لطائفة سيف السماء الزرقاء. وقد فاتحها بالأمر، ولكنّها استشاطت غضباً بطريقة أثارته دهشته حين ذكرهم، ممّا يعني وجود ثأر قديم بينها وبين تلك الطائفة. انقطع حبل حديثهما حين صفقت الشيخ ساري بمرّ كفّيها.

— حسناً، اصطفّوا!

ما ترّدد أحدهم، وتجمّعوا أمامها فوراً. ابتسمت بدفء حين رأتهم.

— ممتاز!

أنا واثقة من تساؤلاتكم الكثيرة بشأن سبب اختياركم لهذا الدرس بالذات. ولهذا، أودّ جلاء بعض الأمور. أولاً، لست أنا من سيلقنكم هذا الدرس؛ فسأقتصر على المساعدة، أمّا المعلم الحقيقي فهو ذلك الفتاة هناك. قالت مشيرة بإصبعها. التفت المريدون المتجمّعون معاً ليلمحوا صبياً مرتدياً رداء أسود يعبث بنوع من التعاويذ في جانب الباحة. قطّب ريس جبينه، ولم يكن الوحيد الذي فعل ذلك. لم يُفصح عن تشكيكه علانية، لكنّ الفتى بدا في عمرهم.

كما لم يشعر بصيغة حضور قوية منه؛ فقد بدا حضور الفتى... باهتاً. ومع أنه لم يُبدِ قلقه بصراحة، إلا أن بقية المريدين لم يضبطوا أنفسهم بمثل كبته. تمتم بضعة مريدين بسخطهم ظانّين أن الفرصة السواتية لتلقي العلم على يد شيخ قدير ضاعت هباءً، لتنتهي بهم الحال مع طفل في سنّهم. كانت أصواتهم خفيضة، لكنّها واضحة بما يكفي لكل من بلغ المرحلة الثالثة فما فوق.

— كفى!

نهرَتهم ساري بصوت اكتسى ببرود مفاجئ. وكان هذا كافياً للجم الشكاوى في مهدها. فهم أدرى من أن يختبروا تلك الشابة؛ فرغم لطفها، كانت صارمة أشدّ الصّرامة حين يقتضي الأمر.

— اسمه جوليوس، وهو ضيف مُكرَّم في الطائفة.

وستعاملونه بكامل الاحترام الذي تولونه لي ولزملائي الشيوخ. وإن سمعت بحرف يناقض ذلك، فستكون هناك عواقب. أمفوموم كلامي؟ تردّدت موجة من التمتمات اللينة عبر الباحة.

— أمفهوم كلامي؟

ارتفع صوتها، فشعروا جميعاً بضغط حضورها يثقل عليهم.

— نعم، أيتها المعلمة!

— جيد.

الآن سيوضح لكم ما ستفعلونه طوال هذا الدرس. أنهت كلامها وانصرفت إلى الجانب، مؤمِئة لجوليوس إيماءة خفيفة. وقف ريس بملامح معقدة حين أخذ الصبي مكانه. وبدا أصغر سناً مما تخيله ريس حين تأمله عن قرب. بدا الفتى مسترخياً بشكل غريب قياساً على الظروف، فأطلق ضحكة مستمتعة.

— لا تقلقوا، أنا أفهم من أين تنبع شكوككم، ومن لا يودّ إضاعة وقته منكم فله الحرية الكاملة في المغامرة بالمغادرة.

هذا الدرس ليس إلزامياً، بل هو مجرد عرض قدمته للمساعدة فور وصولي إلى الطائفة. أما من يختار البقاء، فليحذر؛ فليس لديّ خبرة تدريسية رسمية. وهذه هي المرة الأولى التي أعلّم فيها جماعة كبيرة هكذا. ألقى نظرة فاحصة على ردود أفعالهم قبل أن يتابع: — سيركز هذا الدرس أساساً على تدريب قوة الإرادة. سأساعدكم جميعاً على تعزيز القوة الإجمالية وقدرة الاحتمال لإرادتكم، كما سنناقش سُبل التحكم الفاعل بها لدعم تقنياتكم ومهاراتكم الأخرى.

حين بلغ هذا الكلام مسامع الحشود، ضجّت المكان بالتمتمات مجدداً. حتى ريس والفتاتان بجانبه تحركوا في أماكنهم بعدم ارتياح. تدريب الإرادة؟ أولاً، لم يكن تدريب الإرادة أمراً يسيراً البتة، إذ تطلب قدراً طائلاً من التوتر والضغط لبلوغه. ولهذا وُجدت غرف مخصصة لصقل الإرادة يمكنهم استخدامها بنقاط الطائفة المكتسبة. ثانياً، لم يبدو الصبي – أو جوليوس إن جاز التعبير – مثالاً يحتذى للجلادة وقوة الإرادة؛

فقد كان الانطباع الذي خلّفه حضوره رقيقاً وناعماً. وكان متأكداً من إحساس البقية بالشيء ذاته.

— اهدأوا!

صرخت ساري من الجانب. فانصاعوا لها وأخرسوا تمتماتهم. لكنّ المفاجأة أن جوليوس رفع يده قائلاً: — لا، لا بأس البتة. أفضّل أن تفصحوا عن هواجسكم الآن بدلاً من كبتها لتتراكم مع مرور الوقت.

— أستر جوليوس، أنصح بأن...

حاولت ساري الإدلاء برأي، فقطع حديثها بلطف: — لا بأس يا ساري. أستطيع التدبّر. كان هذا أول تحذير لريس بأن جوليوس قد لا يكون الشخص الذي يبدو عليه. حقيقة إبداء ساري الاحترام كانت أمراً، وعدم اكتراثه بالمقاطعة أمراً آخر تماماً. يبدو أن ثيرا التقطت خللاً ما أيضاً؛ فقد كانت تحدق في جوليوس بحدة نادراً ما رصدها في الفتاة، وهي نظرة لا تومض إلا في خضم المعارك أو حين يسترعي أمر ما انتباهها.

حذو ريس حذوها وأبقى ذهنه منفتحاً. بينما لم يمتلك الآخرون ذات الأناة، واستغلوا الدعوة بتهجم وافر.

— لمَ ينبغي لنا التعلم على يد من يمتلك حضوراً واهناً مثلك؟

— أجل، تدّعي مساعدتنا على تحسين إرادتنا، فما الدليل على درايتك بما تفعل حقاً؟

هتف صوت آخر.

— لا شيء البتة.

أجاب جوليوس بلا أدنى حرج وابتسامة عريضة تسطع على محياه. أثار هذا المزيد من أصوات الاعتراض المتموجة بين الحشود. لم يتوقعوا إجابة صادحة بالصدق هكذا.

— اسمعوا، لا أحد يحتجزكم هنا.

إن شعرتم بعدم جدوى الأمر لوقتكم، فغادروا متى شئتم، الباب أمامكم. قال مشيراً إلى المخرج. ثم ارتسمت على وجهه نظرة حادة.

— لا غضاضة لديّ في طرح هواجسكم الآن، لكنّ اللحظة التي أشرع فيها بالدرس، أتوقع تعاونكم الكامل أو مغادرتكم الفورية، أفهمتم؟

تسلل شعور مباغت بالسلطة من نبرته. ترددت بضعة إيماءات قلقة من الحشود. ابتسم معلّمهم ببراعة، واختفت النظرة الحادة وكأنها لم تكن قط.

— حسناً، من يرغب في المغامرة بالمغادرة فليفعل الآن، ومن يفضل البقاء فسنبدأ قريباً.

راقب ريس بضعة مريدين ينهضون فوراً ويغادرون الباحة من دون تلفظ بكلمة. انتقد قرارهم في قرارة نفسه؛ فرغم تفهمه لشكوكهم، كان الأجدر بهم التريث حتى تلقي الدرس كاملاً قبل اتخاذ القرار. ولمح آخرين، بل وأكثرهم جلبة، يبقون في أماكنهم مرجحين الفكر ذاته.

— حسناً، ما دام هذا قد أُزيل من طريقنا، فلنبدأ.

وكما ذكرت الشيخ ساري، اسمي جوليوس، وسأكون معلمكم إن قررتم مواصلة هذا الدرس. قال وهو يفحص المريدين المتبقين.

— لديّ سؤال الآن.

أيمكن لأحدكم إخباري بأهمية قوة الإرادة؟ تلفّت ريس فلم يلمح أحداً رافعاً يده، إلى أن لاحظ مارفيس ترفع ذراعها ببطء. أشار إليها جوليوس: — تفضلي؟ تلفتت مارفيس بتوجس.

— لأنها تساعد المرء على مكابدة الألم؟

ولأنها تعين على توجيه النية؟ أومأ جوليوس.

— أجل، أهذا كل شيء؟

تململت مارفيس في وقفتها.

— ولأنها تحمينا من التأثيرات الخارجية، سواء أكانت مهارات عقلية أو قدرات مشابهة.

هتف صوت آخر مباغتة. استدار جوليوس وأشار إلى المريد بابتسامة: — وهذا أيضاً. التفت ونظر إليهم بابتسامة ماكرة: — والآن دعوني أسال، ما هي الإرادة؟ لم يحاول شخص واحد الإجابة هذه المرة. ظنّ الجميع أنها مسألة خادعة فلازموا الصمت.

— لا أحد؟

سأل مجدداً بذات الابتسامة الماكرة.

— حسن، وماذا عن هذا؟

كيف تتشابه قوة الإرادة والحضور؟ بُهت ريس. ما قصده بهذا السؤال؟ حقيقة، لم يسبق له أن طرح على نفسه سؤالاً مماثلاً. أدرك أنهما ليستا جانبان منفصلان تماماً، لكن أين تكمن أوجه التشابه؟ ولم يكن الوحيد الذي داهمه الحيرة؛ فرأى عدداً من المريدين يتأملون كلماته، بل ولمح بعضهم يعبثون بحضورهم مباشرة. بدا معلمهم محبطاً فقلّب مقلتيه: — بحقّ السماء، سيكون هذا درساً مملاً إن لم يمتلك أحد إجابة أو تخميناً.

لا تقلقوا بشأن الخطاب الخاطئ، وتفوهوا بما ترغبون.

— أيهما مرجِع للروح؟

قال ريس قبل أن يدرك انفلات فمه بالكلمات. ارتسمت ابتسامة ساطعة على وجه جوليوس: — إجابة صحيحة. سرت ومضة فخر في دواخل ريس رغم صدور المديح عمن بدا أصغر منه سناً.

— يتشارك الحضور والإرادة أموراً مذهلة عدة؛

فأولاً، كلاهما تمثيل للروح بطرق شتى. ومن امتلك روحاً قوية، كانت إرادته قوية عادة والعكس صحيح. لا تنطبق القاعدة حرفياً دائماً، لكنها مؤشر سليم. ومن المهم إدراك أن الإرادة تعبير عن مقدار القوة التي يمكن للمرء استخلاصها من روحه. وإن امتلكتم زماماً كافياً لإرادتكم، فسيكون لها تأثير مباشر في أشياء كحضوركم. انظروا إلى هذا مثلاً. قال الصبي، وبعيناه تلمعان بمرح. تيهت الحيرة ريس لبضع لحظات، لكنّه تراجع نصف خطوة مندهشاً حين شعَرَ بتشوه طفيف في الحضور المحيط بجوليوس.

ثم، وقبل أن يدرك كنه ما يحدث، انفجر الحضور متدفقاً للخارج. انتشرت موجات قوية من الحضور، لكنها لم تخرج عن سيطرة الصبي، بل توقفت قبل أن تصطدم بحشود المريدين. فلم تتأثر جُثثهم سلباً، لكنهم تبينوا الحضور بحواسّهم جلّياً. عُدِّل الحضور بطرق لم يتخيل ريس قط وقوعها؛ فكأنّما تشاهد شخصاً ينسج بساطاً بخيوط حضور خالصة. والمرة الوحيدة التي لامس فيها إحساساً مشابهاً حين رأى شخصاً كساري تتعامل مع المانا النارية.

وساوره الشظ بأن حواس الحضور لم تكن كافية لإدراك نصف ما أتاه جوليوس. بدا المحيطون به مذهولين بالمثل. ومع أن البعض ظنّه غطاء حضور أو ما شابه، فلم يتوقع أحد عرضاً لهذه المهارة قط. لكنّ ما أذهله حقاً لم يكن هذا، بل شعور الرهبة والخطر المتسلل من الحضور. كان مقيداً، لكنّه لم يشكّ لحظة في أن الحضور كان خطيراً وقمعياً للغاية. أشبه بمراقبة نمر لهبي ضارٍ يتربص خلف لوح زجاجي.

— تؤثر الإرادة تأثيراً مباشراً في تحكمكم بالحضور.

وفي المستويات العليا، يمكنها تحسين سيطرتكم على المفاهيم والسلطات. لا يوجد ما تعجز الإرادة عن تعزيزه. ومع إرادة كافية القوة، يمكنكم حتى مجابهة تقنيات التشتيت القوية وتمزيق المهارات الأخرى الأششدّ بأساً. ودوري الآن هو تعليمكم كيفية تحسين إرادتكم وزيادة قدرتها على الاحتمال لتلمسوا بعض هذه الفوائد. غير أن هناك أسباباً عدة لعدم شيوع تدريب الإرادة؛ أولاً، صعوبة خلق سيناريوهات ترفع من إرادتكم.

وثانياً، كونها تؤلم إلى حدّ اللعنة. قال جوليوس ضاحكاً.

— لكنّ حضوري مهيأ بغرابة لهذا الغرض، ولهذا طُلب مني مساعدتكم.

غير أنّه إن لم ترغبوا، فلا داعي لإرهاق أنفسكم. تدريب الإرادة ليس مناسباً للجميع، فليس بمقدور كل أحد احتمال التوتر أو الألم. خامره شعور بأن جوليوس تفوه بهذا عمداً، ونجح الأمر؛ فقد لاحظ اتخاذ بضعة مريدين للأمر تحدياً. كما لاحظ زوال موقفهم الاستخفافي بالصبي. لقد تذوقوا جميعاً طعم الحضور بأنفسهم. ورغم أنه لم يكن سوى في المرحلة، فمن الواضح أن جوليوس امتلك أساساً راسخاً جداً.

لم يكن فرداً ضعيفاً في المرحلة الرابعة، بل كان بمرتبة مريدي الداخل كحد أدنى، وهذا ما انتزع احترامهم في الوقت الراهن. تمحور همّ ريس الأساسي حول كيفية معونة جوليوس للجميع. فأي أفكار يمتلكها لتقوية إرادتهم؟ لكنّه آثر إبقاء ذهنه منفتحاً. فعلى أي حال، إن أراد ازددياد القوة، فسيحتاج لكل ميزة يستطيع الظفر بها، وامتلاك إارادة أقوى ستمكنه بلا شكّ من ذلك. ولم يكن الوحيد الذي تملّكته هكذا هواجس؛

فقبل أن يعي، صار الجميع يصغون لكلمات جوليوس بشغف.