درب التسامي الفصل 628 — التهمه

اقرأ درب التسامي الفصل 628 — التهمه باللغة العربية على مانجا تايم.

تأمّل الحصاة السوداء عن كثب. أدرك أنها ليست مجرد حصاة عادية. لا بدَّ من شيء فريد فيها. قلّبها بين كفّيه وراح ينخسها بهالته وحواسه السحرية. عجز عن إيجاد أيّ أثر، لكن حين تفقد الكيس الذي خرجت منه، لمح شيئاً أغفله سابقاً. استقرت في قاع الكيس ورقة مطوية. أخرجها وقرأ ما فيها. كُلها. ~رينيرا حدّق في الملاحظة ببله ثم أعاد بصره إلى الحصاة. أكلها؟ أكانت جادة؟ إنها صخرة وليست نوعاً من الحلوى.

هزّ رأسه بعدم تصديق وقلب الملاحظة ليبحث عن شيء آخر. ألا تثق بي؟ كُلها فحسب.

~رينيرا تمتم بصوت خافت: "لا يمكن أن تكوني جادة"، ولعاره الشديد، بدأ يدرس الأمر بجدية.

الشيء الوحيد الذي أقنعه بأن الفكرة ليست حمقاء هو أنها لن تحاول قتله قط. وحتى لو كانت مزحة، فلن يصاب بأذى إن ابتلعها. لم يرَ سبباً للمماطلة أكثر، ناهيك عن أن هذا يبدو هيّناً للغاية مقارنة بما أكله في الماضي. تنفس الصعداء بمسرحيّة ووضع الحصاة على لسانه. قضّمها قضمة استكشافية، وكما توقع تماماً، بدا ملمسها تماماً كملمس الحصاة. تجهم وبوجه شجاع ابتلعها كاملة. لم تكن أصغر الأشياء حجماً، ولا كانت منتظمة الشكل.

لهذا غص قليلاً واضطر لاستخدام بعض هالته لدفع ما تبقى منها في حلقه. وحين استقرت في الأسفل تماماً، التقط بعض الماء من خاتم تخزينه وجرع جرعة كبيرة. ثم انتظر. ولخجل شديد منه، لم يحدث شيء البداية. أطلق شتمة وأدرك أنه تعرض للخداع. تخيلها تضحك وحدها، عالمة أنه لن يقاوم وسياكل الصخرة مدفوعاً بفضوله الخالص. تذمر باستياء وذهب ليخرج الكنز الأخير من الكيس الذي منحته إياه. عسى ألا يكون هذا العنصر الأخير مزحة هو الآخر.

همّ بإخراج القطعة حين شعَرَ بجسده كله ينتفض دفعة واحدة إثر طاقة هائلة. هوى على ركبتيه بينما اجتاحته موجة صدمية. انبعثت نبضات هذه الطاقة من معدته، فوجه حواسه إلى الداخل. راقب بقلق طفيف حين أحس بالحصاة تتفكك ببطء. تفتت السطح كاشفاً عن شظية سوداء صغيرة ومتلألئة. مزقت موجة صدمية أخرى جسده، فبصق بغتة لتراً من الدماء. تفعّلت مهارة شفائه، لكن لدهشته، لم تجدِ نفعاً. بدا الأمر كأن مهارة الشفاء لم تتعرف على أي ضرر كي تصلحه.

أثار هذا قدراً من القلق، لكنه لم يضاهِ الضغط المفاجئ المتصاعد في معدته. راحت الشظية السوداء البراقة السابحة في معدته تطلق موجات طاقة قوية بمعدل مرعب. وما زاد الأمر إثارة للقلق هو طبيعة تلك الطاقة. كانت طاقة مكانية. شبيهة بالطاقة التي تستخدمها مهارات الفراغ لديه، اتسمت هذه الطاقة بالتقلب، تماماً مثل مهاراته. بدأت الطاقة تتسلل من الشظية إلى جسده كأنها جذور نبات تحفر في لحمه.

لعله استطاع إيقافها بهالته ومهاراته الأخرى، لكنه أحجم. لم يظن أن رينيرا ستعطيه ما يؤذيه. لذا وثق بها وترك الشظية تؤدي عملها. ويا للأسف، كان القول أسهل من الفعل، وأطلق أنيناً من الألم وهي تشق طريقها عبر جسده. وإن لم يكن ذلك سيئاً بما يكفي، فحين انتهت من اختراق جسده، شعَر بها تمتد نحو روحه. بدا أكثر ترددّاً حيال هذا. استخدم قوة إرادته لكبحها بينما فكر فيما ينبغي فعله.

ورغم أن الحس السليم أخبره بألا يسمح لشيء غريب بدخول روحه، رحّب بها بالداخل. وحين فعل، هوى عن ركبتيه واستقر على وجهه مباشرة. أحس بوعيه يخبو ويعود. في النهاية، ترك الظلام يبتلعه. حين استيقظ، وجد نفسه داخل فضاء روحه. لم يكن وحده هناك أيضاً. ظهرت الشظية في منتصف الفضاء كذلك. علاوة على ذلك، لا بد أن دراسل تبعه إلى الداخل أيضاً. ظهر الكائن الصغير بجانب جوليوس، وبدا واضحاً فضوله حيال الجسم الجديد المقيم في موطنه.

ظهرت سيرافين أيضا. لا بد أنها لاحظت الصلبة فرفرفت بزعانفها الصغيرة نحوهما.

سألت بعينين ضيقتين: "ما هذا الشيء؟"

هز كتفيه: "لست متأكداً".

سألت بنظرة متفرسة: "وأنت سمحت له بالدخول هكذا؟"

تجاهلها عمداً وركز على دراسل الفضول الدائم. قفز الروح الصغير نحو الشظية وتفحصها نظرة شاملة. أطلق هديلاً خفيفاً، وقبل أن يمنعه جوليوس، انحنى وحاول قضم قطعة منها. لكن دراسل أبعد فمه بسرعة واستخدم يديه الصغيرتين لمسح لسانه.

سأل جوليوس الكائن الصغير: "مقرف؟"

أومأ دراسل بجنون وارتجف اشمئزازاً. كبح ضحكة ونحى دراسل جانباً برفق بينما تفحص الشظية. استمر في استشعار موجات الطاقة المكانية، لكنها بدت ألطف بكثير الآن. هدأت وبدأت تنبض ببطء نحو الخارج. مد يده ولمس سطح الشظية برفق بإصبعه. واجهه إشعار فوراً. هل ترغب في دمج شظية الفراغ البُعدي مع روحك؟ حدّق جوليوس في الإشعار ببله ونظر إلى مألوفيه.

"أيعرف أي منكما ما هي شظية الفراغ البُعدي؟"

نظرت إليه سيرافين بنظرة مهتمة.

"ولا أدنى فكرة".

قدم دراسل إجابة مماثلة. أما جوليوس، فامتلك عدة فرضيات. ومع ذلك، لم ييقن تماماً، لذا قرر تأجيل القرار حتى يعلم المزيد. تركز وبجهد أكبر بقليل من المعتاد، تمكن من مغادرة فضاء روحه. لكن فور فتح عينيه، استقبله الإشعار ذاته. تجاهله، لكنه لم يستطع منع نفسه من ملاحظة الضغط المشع من روحه. أدرك أنه سيضطر لاتخاذ قرار قريباً. احتاج للتحدث إلى كاساندرا في أقرب وقت ممكن. لذا، ورغم رغبته في تفقد الجائزة الأخيرة، نهض وشق طريقه نحو مقر كاساندرا الرئيسي.

* * *

تمثلت المشكلة في محاولة العثور على مقر كاساندرا في جهله بمكانه. لقد أخفقت في إعطائه الاتجاهات، مكتفية بالقول إنها ستكون هناك بقية اليوم بينما تتولى شؤون الطائفة. حاول استخدام الرمز الخاص الذي منحته إياه في الغابة، لكنه لم يكن يعمل. ظن أن تعاويذ الطائفة تتداخل معه، واضطر لذا للبحث عنها بالطريقة التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن منزعجاً تماماً. فقد منحه ذلك عذرًا لاستكشاف الطائفة الهائلة.

جلبت أرديته بعض الاهتمام، لكن رغم تلك المواجهة المبكرة، لم يوقفه أحد أو يطلق أي تعليقات. لم يبدِ أحد اهتماماً يُذكر ومضى كل في سبيله. مع ذلك، قرر أن الأردية الرائعة لا تستحق كل هذا الجذب وبدل ملابسه إلى أرديته السوداء البسيطة قبل أن يقرر شخص ما افتعال المتاعب له. كان الأمر محزناً لأنه أحب تلك الأردية، لكن للأسف، لا بد من تقديم التضحيات. بعد نحو نصف ساعة من التواله بلا هدف، أدرك حاجته لطلب المساعدة.

لمح مبنى ضخماً غير بعيد ولاحظ الكثير من الناس يدخلون ويخرجون. عسى أن يتمكن من سؤال شخص بالداخل لعلهم يساعدونه، فاتجه نحوه. لمح لافتاً فوق المدخل الهائل. قاعة المهام.

"ممم."

بدأ العدد الهفير من الناس يكتسب معنى، ولعدم رؤيته خياراً أفضل، دخل وقفز في الطابور عند إحدى الكاونترات، منتظراً دوره. بينما كان ينتظر، استغل الوقت لالتقاط محادثات الآخرين. تحدث الكثيرون عن نقاط طائفتهم والمهام التي أتموها حديثاً. وتطرق آخرون لأمور مختلفة. كان أحد أكثر المواضيع تداولاً تدفق التلاميذ من اختبارات القول البائدة أو اختبارات التلاميذ الداخليين. ذُكرت بضع أسماء مراراً.

لفت شخص يدعى زيف انتباهه بشكل خاص. بدا أنه شاب كان، حتى وقت قريب، تلميذاً خارجيّاً من الرتبة الثالثة. اجتاز اختبار التلاميذ الداخليين وترقى أيضاً إلى الرتبة الرابعة. لقد أصبح أحد المواهب العظمى للطائفة؛ بل وهناك إشارات إلى كونه أكثر موهبة من تلاميذ النواة الآخرين. تلاميذ مثل مايا أو شين. بالإضافة إلى ذلك، سادت شؤونات تشير إلى أنه اجتاز شقّاً من الرتبة الرابعة بصفته تلميذاً من الرتبة الثالثة لا غير.

اعتقد بعض الناس أن هذه مجرد قصص لا أساس لها من الصحة. لكن آخرين أقسموا على صحتها. وجد جوليوس نفسه مهتماً بالأمر وغرى بسؤال شخص ليشرح له بمزيد من التفصيل، لكنه تذكر أنه يستطيع سؤال مايا حين تتوفر لديه متسع من الوقت. أراد في تلك اللحظة إيجاد كاساندرا. لسوء الحظ، كان قد استخدم التعويذة وحيدة الاستخدام في العاصمة بالفعل. لحسن الحظ، جاء دورُه، فتقدم نحو الكاونتر، شاهراً شعوراً بفقاعة عزلة تحيط به.

أعجب بالتعاويذ والخصوصية التي وفرتها.

سألته السيدة وراء الكاونتر بفتور: "أيمكنني رؤية شارتك من فضلك؟"

لم يكترث لموقفها وناوله إياها. راقب وجهها وهو ينكمش ارتباكاً ليتحول فجأة إلى الهلع. انحنت برأسها.

"معذرة، أيها الضيف المُكَرَّم. كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟"

ابتسم بأدب.

"في الواقع، أحاول العثور على نائبة سيد الطائفة. أيمكنك إرشادي نحو مقرها الرئيسي؟"

ضمت السيدة شفتيها وبدت في حيرة.

"ممم. هل لديك موعد معها؟"

أجاب بصدق: "ليس تماماً، لكنها لن تتفاجأ برؤيتي".

عبست وفكرت للحظة قبل أن تنظر من فوق كتفها.

سألت وهي تعاود النظر إليه: "أيمكنك منحني لحظة من فضلك؟"

أومأ برأسه.

"بالتأكيد، خذِ وقتك".

انحنت وهرعت بسرعة نحو الخلف. مرت دقائق معدودة، وحين عادت، كان يتبعها رجل طاعن في السن. ارتدى أردية تشبه أردية الشيخ مالريك وتفحص جوليوس عن كثب.

سأل الرجل المسن السيدة بتعبير متوارٍ: "أهو هذا؟"

قالت باحترام: "نعم، الشيخ هوان. هذا هو".

حوّل الشيخ، الذي تبين أن اسمه الشيخ هوان، انتباهه إلى جوليوس.

"قالت شيئاً عن رغبتك في إيجاد نائبة سيد الطائفة كاساندرا؟"

"نعم، أرغب في معرفة مكان مقرها الرئيسي".

"أخشى أنني لا أستطيع فعل ذلك. ضيفاً مكرماً كنت أم لا. هل من شيء تحتاج المساعدة فيه؟"

"نعم، أحتاج لسؤالها سؤالاً".

حدق الشيخ في جوليوس ببله.

"تريد إزعاج نائبة سيد الطائفة لأنك تحتاج لطرح سؤال؟"

أجاب بتردد، محساً بأن ثمة ما فاته: "نعم؟"

قال الشيخ الأكبر بنبرة متعالية شيئاً ما: "مع كامل الاحترام، أيها الضيف المُكَرَّم، لكن نائبة سيد الطائفة امرأة شديدة الانشغال. لقد عادت للتو من رحلة طويلة وهي بحاجة للوقت لمواكبة شؤون الطائفة. إن كان لديك سؤال، فالرجاء مراجعة أحد الشيوخ ممن عُينوا ليكونوا مرشدك".

لكنه لم يدع الأمر يزعجه.

"ممم، كيف أعرف من هو؟"

"ألا تعرف من هو مرشدك؟"

بدت الريبة واضحة في نبرته. صار الشيخ ينظر إلى جوليوس الآن كأنه يرتكب خطأ ما.

"لا. لا أظن أن أحداً أخبرني".

"متى وصلت إلى الطائفة لأول مرة؟"

"قبل عدة ساعات".

لاحظ تراجع جزء من ريبة الشيخ وشكه.

"أصادفت أياً من الشيوخ؟"

أجاب: "الشيخ مالريك".

ظهرت الدهشة على وجه الشيخ هوان ليتحول سريعاً إلى حذر.

"أقابلت الشيخ مالريك؟"

"نعم، لقد رافقني من الباحة الخارجية إلى الباحة الداخلية. أثمة مشكلة في ذلك؟"

"لا، ليست مشكلة. لكن من غير المعتاد تماماً أن يكون الشيخ مالريك هو من رافقك. فهو لا يفعل هذا النوع من الأمور عادةً بعد الآن. هاك، امنحني لحظة. سأتواصل مع الشيخ مالريك".

وقف جوليوس جانباً وراقب الرجل المسن وهو يهرع مبتعداً. لقد تغير موقفه تماماً. ألعله كان للشيخ مالريك شأن أعظم مما ظنّه في البداية؟