كان ذلك القرد الصغير النتِن موضوعاً مثيراً للاهتمام بحقّ. استطاع بعد فحص دقيق أن يتبين الآلية العامة لكيفية تلاعب المخلوق بسلطته داخل جسده. تمثَّل المفتاح الأهم الذي طمَح إليه في جعل هالته وسلطته كياناً واحداً في جوهره. تلك كانت الخطوة الأولى التي لزم إتقانها. وما تلاها بدا أصعب بعض الشيء. احتاج إلى أخذ هذه السلطة المشبعة بالهالة ولفِّها حول أليافه العضلية وعظامه بنسيج معقد.
كأنه يحيك جوارب حول جسده. برع في التحكم بهالته واستخدامها لتعزيز جسده لكنه ألف نمطاً مغايراً تماماً من السيطرة لم يألفه قط. ظنّ أن الوحش وُلِد بهذه القدرة وجاءت سجيةً فيه. مع ذلك لم يعتقد أن بشراً كُثُراً، إن وُجدوا أصلاً، قادرون على بلوغ هذا المرام دون تجربة وخطأ مديدين. وحسن الحظ أنه عشق التجارب وأُتيح له وقت وافر في طريقه نحو كورفوس. حمل على عاتقه أعباء جمَّة لكنه أيقن قدرته على حشر بعض التجارب في جدوله المزدحم.
فهذه التقنية الجديدة ستتكامل حتماً مع مهارة تعزيز الجسد الحالية. وربما تمنحه خيار تطور جديد لمهارة [تجسد الدمار البيروكينيتيكي]. وعلى ذكر مهاراته، فقد ظفر بزيادات لطيفة في مستوياتها خلال الأسبوع المنصرم. وأحدثها أتى إثر قضائه على ذلك القرد.
[الإدراك المكاني المطلق المستوى 17 -> المستوى 18]
[هالة الدمار المستعرة المستوى 23 -> المستوى 24]
[تحصين الروح المستوى 15 -> المستوى 16]
[ميدان الإرادة المحطمة المستوى 1 المستوى 3]
لم يأتِ بالكثير أو يواجه تحديات تُذكر طوال الأسبوعين الماضيين. غير أنه عاين مستويات تتوالى. بدا له أن ارتقاءه ساعد مهاراته على التحسن بوتيرة أسرع. أخذ يدرك كنه الدافع وراء قرار الناس بالارتقاء رغم حقيقة أن امتلاك مهارات فائقة المستوى يعزز الأساس الفردي. استبد به الفضول حيال طبيعة النمو المنظور إن هو ضغط على نفسه حقاً. لم ينطق بها لكنه أحчув برغبة تجذبه نحو الأعماق لتوغل الغجاصة ونحو ذلك الوحش الجبار الذي ذكرته كاساندرا.
رمق شين ومايا بنظرة وهو يكبح ابتسامة لعلمه أن احتمال قيادة كاساندرا لهما إلى هناك يبدو كبيراً. ورغم بغضهما للأمر، لم ينزعج البتة. بل كان يتطلع إلى ذلك مترقباً.
* * *
مرَّ يومان في طرفة عين. بالنسبة إليه على الأرجح. وظنّ أن شعور شين ومايا جاء مختلفاً تماماً. فبينما استرخى جوليوس والآخرون وتنعموا بأوقات طيبة، خاض الثنائي صراعاً لأجل البقاء في كل لحظة. ضجَّت الغجاصة بالوحوش؛ وعليه، لم يُعوزهما نقص الأعداء. اشتبه جوليوس في تعمد كاساندرا السماح لمخلوقات معينة بالهجوم بينما ردعت سواها. هاجم عدد من وحوش الفئة الرابعة الاثنين، واضطر جوليوس للتدخل والمساعدة في كل مرة تقريباً.
أمر لم يستحسنه شين ولا مايا لكنهما أدركا ضرورته. وإلا لقضيا نحبهما في يومهما الأول من المغامرة. تجلّى بوضوح أن بلوغ الفئة الثالثة لا يكفي للبقاء في البراري. وتساءل عما إذا كانا سينجيان بأحياء لو ترُكا وحدهما. التفت نحو اليافعين اللذين أنهيا لتوّهما قتالاً ضد زمرة من وحوش الفئة الثالثة. بدوا في أسوأ حال. لم تكن الوحوش قوية بمفردها بل شكّلت زمرة شرسة تتآزر ببراعة. حملا على أجسامهما أكثر من عشرة جروح صغيرة ومتوسطة.
وما زاد طين الروح بلَّة اضطرارهما لتناول حصص غذائية مقيتة وإضاعة الوقت في غلي الماء وتصفيته. وكما خشي، لم يخطر ببالهما جلب جهاز مزود برونيّة تصفية لتوليد الماء. عرض جهازه ليصنعا به لكن كاساندرا أصرت على تعليمهما كيفية تأمين مياههما وتنقيتها بأنفسهما. العزاء الوحيد لبقائهما واقفتين استنادهما إلى نيل قسط وافر من النوم على الأقل. شكّلت نقاط الارتكاز الدفاعية استثماراً ممتازاً بفضلها تسنّى لهما النوم دون قلق.
مع ذلك، بدأ جوليوس يلحظ مشكلة ما. نفدت جرعاتهما بسرعة هائلة. ولم يعتقد تبقي الكثير لديهما. فقد استهلكاها كأنها قوارير عصير فواكه. والأمر سيغدو أسوأ من هذه اللحظة فصاعداً. جزم بذلك حين التقطت حواسه توقيع هالة مقبلة. وما كان التوقيع من الفئة الثالثة بل من الفئة الرابعة. ولمح كاساندرا ترمقه بطرف عينها كأنما تأمره بالصمت. أدرك حينئذ سبب قلق مايا الشديد. فالمرأة معلّمة صارمة لا تبدي رحمة إزاء التدريب الضنك الذي يعانياه.
وكأن الأوضاع لم تكن بالسوء الكافي، أرادت منهما مقاتلة وحش من الفئة الرابعة أثناء تعافيهما. لحسن الحظ، تعلَّم الاثنان خلال الأيام القليلة الماضية كيفية الحفاظ على وعيهما دون إرهاق نفسيهما بلا طائل. صقرت المعارك ولقاءات الموت الوشيك غرائزهما. كانت مايا سباقة لاستشعار الوحش المقترب فأنذرت شين بسرعة. هزّ رأسه بحزم وبدأ يشد أحزمة درعه معداً المانا داخل نصله. غاب موقف اليافع المعتاد تماماً.
نحت المعارك الضارية طوال الأيام السابقة طباع الفتى وصلفه تدريجياً. غدا الآن منكباباً بالكامل على النجاة والقتال. أمر أثار الدهشة حقاً. لم يسمع جوليوس الفتى يتذمر كثيراً. إلا ليلاً قبل النوم حين يرى الجميع يأكلون طعاماً شهياً طبخته لورين بينما يمضغ هو البقسماط اليابس. ولم يستطع جوليوس لوم شين على ذلك. وبصراحة، لفعل جوليوس المثل لو تبادلا المواقع.
قالت مايا وهي تلقي نظرة على كاساندرا مدركة رغبة المرأة: "تبّاً، إنه من الفئة الرابعة".
"أيّ نوع؟"
"مخلوق سنّوري ما. أكاد لا أتعقبه، لكنه ربما مفترس كمين. إن تفادينا المباغتة فسنحظى بفرصة أفضل"
لاحظت. أهزّ شين رأسه ووقف ممسكاً بسيفه استعداداً. انتظرا إقدام المخلوق. قدّرت مايا بدقة أن الوحش سنّوري ومهاجم خفي. وما إن اقترب حتى صعُب على جوليوس نفسه تعقبه. تمتع بحواس مكانية حادة لكن الحيوان تحرك كثيراً وبسرعة جعلت مراقبته عسيرة. أخذ يتعلم أن مهارة إدراكه تواجه صعوبة في تتبع مهارات التخفي التي يكمن غرضها الأساسي في طمس وعيه الشامل. أنواع مهارات التخفي الساعية لخداع عقله لئلا يلاحظها.
لكن طالما أدرك الأمر تضاءلت فاعلية تلك المهارات بشكل دراماتيكي. لسوء حظ هذين الاثنين، لم يبدُ أنهما بمثل تلك الجهوزية. انتظرا الوحش ليتحرك وانتظرا طويلاً. ولم يتحرك الوحش إلا حين بدأ القلق والتململ يتسللان إليهما. وميض رمادي وأسود انقضَّ صوب مايا. استطاعت الفتاة بالكاد ردّ الفعل في الوقت المناسب. أصابت عصاها كتف المخلوق وحررفته بالقدر الكافي لترتطم مخالبه بدرعها بدل عينها.
لابد أنه يحمل مهارة متصلة بالحدة لأن مخلبه قد اخترق التصفيح المعدني لدرع صدرها. تفاعل شين بسرعة مذهلة. بمجرد تحرك الوحش، عاود الهجوم بالفعل. فاق مايا سرعةً وبدا أكثر حزماً بمراحل مقارنة بالأيام القليلة الماضية. اختلف الأمر كليل عن نهار. شاب قتال كل منهما حدّة. تراءى التغيير مباغتاً بعض الشيء. التقى النصل المحتدم بمخالب السنّوري وسط شرارات متطايرة. تقدمت مايا مندفعة محاولة تثبيت الوحش بمانا النار الخاص بها.
وانهارت موجة لهب على السنّوري. لكن ضربة سريعة بمخالب الوحش فرّقت النيران. غير أن ذلك لم يمنع شين من الهجوم مجدداً. استعمل مهارة الحركة ليتسنى له بلوغ مؤخرة الوحش، فترك سيفه شقاً عبر ظهره. لم يكن عميقاً لكنه أغاض الوحش قطعا. أمعن جوليوس النظر في المخلوق. بلغ طوله نحو ستة أقدام من الرأس إلى الذيل، وكسا الجسد لون رمادي عدا بقع سوداء عديدة. أشبه ما يكون بنمر، وبأمانة، تمتع بوجه لطيف للغاية.
يا للأسف لكونه مكفهر الملامح وهو ينهش فحيحاً بوجه شين ومايا. بدا فتياً أيضاً. أظهرت هالته ارتقاءه الحديث بخلاف هالات أخرى أكثر خبرة صادفها خلال الأيام الماضية. وتلك أنباء طيبة لهما. الأنباء السيئة تمثلت في غضب الوحش الضاري. ولهذا لم يملك جوليوس سوى المراقبة من بعيد حين عاود النمر الهجوم مندفعاً مباشرة صوب حنجرة شين. وتدخلت مايا لاعتراضه. فقد تولت دور الدبابة والمدافع بينما لعب شين دور المهاجم الملحق للضرر، ونجحت في زج عصاها بين شين والوحش.
تفتق جدار من النيران حولها محرقاً الوحش طفيفاً وممدّاً إياها بالقوة. لفت حرارة النيران جوليوس نفسه. وبدأ يدرك العلة في تسمية طائفة شمس الاحتراق. إن لم يمتلك التاج فلا يظن نيرانه في الفئة الثالثة تضاهي حرارة نيران مايا أو شين. غدا القتال بين الثالث أليفاً بعنف ووحشية. امتلك الوحش مخالب حادة بجنون، وعوقبت كل خطوة خاطئة أو هفوة. وتراكمت جروح طويلة وعميقة على جسد مايا.
وتمزق درعها إرباً. مع ذلك صمدا ببراعة، ومن الواضح أن الوحش لم يُصمم لقتال متواصل. كان الوقت يحاصره. ورغم تعب الثلاثة، تراجع الوحش أولاً في النهاية. لم يخسر أمام شين ومايا بل استصوب التراجع. ولربما يعود لاحقاً لينقض عليهما على حين غرة. ولحسن الحظ حالياً، انسحب، ولم يبدِ شين أو مايا حرصاً على إيقافه. بل غمرهما الارتياح لاختياره الانسحاب. وبمجرد اختفائه، هويا أرضاً. سقط درع صدر مايا أرضاً.
وانحلَّت الأحزمة الماسكة له، وارتخى شين مستنداً إليها. وسقط سيفه أرضاً بينما التهم جرعات هائلة من الهواء. نزفا في كل مكان، وراقب جوليوس أيديهما وهي ترتجف لفتح قوارير جرعات الشفاء، وبالكاد استطاعا تجرعها جراء تدفق الأدرينالين. رغم ذلك، علت وجوههما مسحة رضا وفخر. ربما لم يقتلا وحش الفئة الرابعة، لكنهما نجوا من معركة ضده. للمرة الأولى منذ دخولهما الغجاصة. إنه لإنجاز.
إنجاز يحق لهما الفخر به. ومع ذلك، لم يتقدم جوليوس لتهنئتهما لأن جُلّ انتباهه اتجه صوب بوابة زرقاء صغيرة دوَّامة تختبئ تحت جذوع شجرة لم يكتشفها إلا لأن الوحش جرى فوقها. رمق كاساندرا بابتسامة باهرة.