درب التسامي الفصل 606 — محو تامّ

اقرأ درب التسامي الفصل 606 — محو تامّ باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1꒱ قال كالدروس: "تبدو مجتهداً أكثر ممّا يتوقّعه المرء ممّن هو في سنّك".

اعتدل جوليوس في جلسته والتفّ على الصخرة. رمق العجوز بنظرة وهو يجرّ خطاه نحوه. لم يُكثر كالدروس الحديث مع جوليوس طوال الأسبوع الماضي، لكنّ جوليوس لمح العجوز يراقبه عن بُعد مراراً حين ظنّ أنّ جوليوس لا يراه.

سأل جوليوس وهو يشيح بوجهه ويُعيد تركيزه إلى الكرة بين يديه: "ماذا تعني بهذا؟".

"معظم الأطفال في سنّك لا يُدركون حجم الوقت والجهد اللذين يتطلّبهما التقدُّم ولا يقدّرونهما. هم مهتمّون بوعود القوة وبريقها لدرجة أنهم يعجزون عن القيام بالأمور الصغيرة. الأمور التي لن يلمسوا فائدتها المباشرة إلا بعد سنين طويلة. وحين يكبرون فقط يُدركون حماقة أخطائهم. الشاب شين مثال حيّ على هذا".

هزّ جوليوس كتفيه بلا مبالاة.

"إن كنتَ تعلم هذا فلماذا لا تمنعه أو تخبره؟".

راوده حدس باتجاه ما تقوده إليه هذه الكلمات. كانت مايا قد سألته في وقت سابق، لكنّه أخبرها أنه لن يرجوَ أحداً لمساعدة شين من تلقاء نفسه. أطلق العجوز خحححّة خشنة.

"عليك أن تعلم أنّ الصغار لا يُصغون دائماً للكبار".

تنهد جوليوس وثبّت الكرة ثم التفت إلى العجوز مجدداً.

"أهناك ما يمكنني مساعدتك فيه؟ أظنّ أن هناك سبباً لمجيئك إلى هنا ونحن بمفردنا".

كان كالدروس عجوزاً لكنّه لم يكن حفريةً بالية. كان شعره رمادياً وتملأ التجاعيد وجهه، لكن جوليوس لم يدع ذلك يخدعه. كان الرجل لا يزال خطيراً، ولذا كان مستعداً للأسوأ بالفعل. ربما ظنّ أنه يستطيع إجبار جوليوس على مساعدة شين بالترهيب. صار أكثر حذراً منذ محاولة اغتياله الأخيرة. منحه تجدّده ثقة أكبر بقدرته على النجاة، لكنّه لم يظنّ أنه من الذكاء الاعتماد على ذلك لإنقاذه في مواجهة شخص من الفئة الخامسة بمستوى كالدروس.

قال كالدروس وهو يطلق خحححّة حانّاً كمن يُسليه الأمر وقد لمس حذر جوليوس: "اهدأ يا بنيّ. لم آتِ لأقاتلك. لقد جئتُ ومعي عرض".

وحين وجدك تتقبّل فكرة مقاتلتي من الأساس كان ذلك سبباً آخر دفعني لسؤالك.

"اسألني ماذا؟".

"أترغب في مساعدة شين أيضاً؟ أعلم أنّك كنت تساعد مايا، لكنّ شين بحاجة ماسّة للمساعدة حقاً".

"إن اراد الانضمام إلى جلساتنا فهو مرحب به أشدّ الترحيب. لكنّ الأمر يعود إليه. وكما قلتُ لمايا، لن أرجوَ شاباً في عمري لمجرد نيل شرف مساعدته".

هزّ كالدروس رأسه بيأس وقال: "هو يريد ذلك، لكنّ الصبيّ أكثر غروراً من أن يطلب المساعدة".

هزّ جوليوس كتفيْه.

"حسناً، هذه ليست مشكلتي. وكما أخبرتُ كاساندرا مسبقاً، لن أعود معكم إلى طائفة شمس الجحيم. سأرافقكم إلى كورفوس، لكن بمجرد وصولنا إلى هناك سأمضي في طريقي وحدي. ليست لدي أيّة خطة لأكون معلماً لأي منهما".

"ومع ذلك، أنت تساعد مايا".

"هي تساعدني بالمقابل أيضاً".

"أرجوك، أنت تبذل جهداً خارقاً لمساعدتها. لقد رأيتُ الاجتهاد الذي أظهرته أثناء تدريبها. أنت لا تعرض عليها أشياء عشوائية وتتبارز معها فحسب. تدريب قوة الإرادة الذي تساعدها فيه مذهل بشكل لافت. لقد شهدت نمواً رائعاً للغاية في قوة إرادتها بالفعل. علاوة على ذلك، أنت تقدم لها نقداً بنّاءً بينما تتركها لتكتشف مشكلاتها بنفسها. أنت معلم جيد بحق، أتعلم ذلك؟".

ضيق جوليوس عينيه نحو العجوز واستهزأ.

"أهذا ما يدور حوله الأمر؟".

سأل كالدروس وفي عينيه المتجعدتين بريق: "ماذا تعني؟".

سأل متنهداً وهو يلتفت نحو المكان الذي يعلم أن كاساندرا تراقب منه على الأرجح: "أهذه كاساندرا أرسلتك لتفعل هذا؟".

أكانت هذه استراتيجيتها التالية لدفعه إلى العودة معها إلى الطائفة؟ ضحك كالدروس.

"كلا، هذه فكرتي. لكنني لم أظنها فكرة سيئة لأي من الطرفين. يمكننا بسهولة أن نؤمّن لك منصباً معلماً خصوصياً أو مدرباً شخصياً في الطائفة".

رفض جوليوس: "أنا آسف، لكن لديه خطط أخرى".

"حقاً؟ لأنّه حسب ما جمعته من معلومات، ليس لديك أدنى فكرة عمّا ستفعله ولا تمتلك معرفة حقيقية ببلادنا. ماذا ستفعل إذن؟ أستركض وتطارد الوحوش وقطاع الطرق طوال اليوم؟".

هزّ جوليوس كتفيه.

"لا يبدو هذا سيئاً للغاية. إنه يمنحني الحرية للاستكشاف وتذوق أطعمة جديدة ولذيذة".

أشار العجوز: "لكن هل ستتمكن من الوصول إلى المناطق المحظورة أو الشقوق؟".

لم يملك جوليوس حيال ذكر هذا سوى أن يعبس ويفكر في الأمر. كان يعلم تماماً مدى أهمية العلاقات. كان يأخذ الأمر مسلّماً به أحياناً بسبب عائلتي ليلي وديريك، لكن لو لا يزال في الإمبراطورية لكانت أمامه على الأرجح وفرة من الشقوق المتاحة له.

هزّ كتفيه وقال: "أنا متأكد من أنني أستطيع إيجاد بعضها في رحلاتي".

"ربما، لكنّ ذلك سيعتمد كلياً على الحظ. فجميع الشقوق المعروفة، وخصوصاً القيّمة منها، قد سيطرت عليها طوائف مختلفة. وغالبية الشقوق في كورفوس تحميها الطوائف العظمى العشر. ولن تتمكن من دخول أيّ منها إلا إذا كنت فرداً في إاحى هذه الطوائف. وحتى لو لم تكن الطائفة التي تنضم إليها تملك الشقّ، فيمكنها التفاوض مع طوائف أخرى لدخوله"، هكذا شرح كالدروس.

سأل جوليوس باستهزاء: "ما هذا؟ أهي احتكارية؟".

"نجل. جزء كبير من إيرادات أي طائفة يأتي من مواد الشقوق المختلفة. وهو أحد أكبر الأسباب التي تدفع الناس للانضمام إلى الطوائف، بغض النظر عن التقنيات المتخصصة. وبدون دعم طائفة ما، يصبح دخول الشقوق أو حتى العثور عليها أمراً بالغ الصعوبة".

كشكش جوليوس أنفه.

"وماذا عن هذه المناطق التي ذكرتها؟".

"لديك أمور شبيهة بها في الإمبراطورية. أنت على علم بأماكن مثل الغابة اللانهائية، أليس كذلك؟".

أومأ جوليوس برأسه.

"أنا كذلك".

"حسناً، هناك عدد من المناطق أو الأراضي المتخصصة المشابهة. ربما ليست بحجم الغابة اللانهائية، لكنها تحتوي على فرص خاصة لمن يدخلها. وبطبيعة الحال، هناك مخاطر جسيمة لدخول هذه المناطق، لكنّ المخاطر تستحق العناء لمن يخرج منها حياً".

لاحظ كالدروس اهتمام جوليوس فابتسم.

"على سبيل المثال، تشرف طائفة شمس الجحيم على الأراضي المحترقة".

تساءل جوليوس بفضول: "تشرف؟ وليست ملكاً لها؟".

أطلق كالدروس ضحكة جافة.

"كلا، ليست ملكاً لها. لا أحد يجسر على القول إنه يملك الأراضي المحترقة، فالكثير من الوحوش القوية تتوارى في أعماق رمال تلك الأراضي. لا يهمهم إن دخل البشر المنطقة لصساسقة سكانها، بل لعلهم يستحسنون ذلك. فدخول المنطقة يمنح الوحوش المقيمة هناك فرصة لتصبح أكثر قوة من خلال مقاتلة البشر. إنها منطقة قاسية يسود فيها البقاء للأقوى".

سأل جوليوس بفضول لم يستطع كبحه: "أيّ نوع من الوحوش؟".

قال كالدروس بجدية: "من النوع القادر على إبادة طائفة بأكملها إن أُغضبت. فلا تفكر بأفكار متهورة. إنهم يعيشون بمعزل، وطالما أنك لا تغضبهم فلنها يهاجموا البشر".

"إذن لماذا لا يفعلون؟".

"لأن الأراضي المحترقة هي المكان الوحيد القادر على استدامة وجودهم. التركيز العالي لمانا النار يسمح لهم بالعيش براحة. وهذا أيضاً سبب كونها مكاناً مثالياً لمن يستخدمون تقنيات النار للتدرب. أمثالك أنت"، هكذا قال كالدروس بابتسامة ذات مغزى.

عبس جوليوس وركل بحصاة كانت أمامه، مراقباً إياها وهي تتدحرج لتسقط في مياه البحيرة الضحلة.

"هيا، لا تقل لي إنك لا تريد اختبار نفسك ضدّ تلك الأنواع من الوحوش. إنها أقوى بكثير من الوحوش التي تجدها تتقلب حول البلاد. تخيل حجم التحدي الذي ستفرضه على نفسك لو توفرت لديك إمدادات لا تنتهي من الوحوش القوية لتقاتلها. فحتى في الفئة الرابعة، هناك مخلوقات تستطيع تحدي الفئة الخامسة".

رمق جوليوس العجوز بنظرة حادة.

"أنت عجوز داهية، أليس كذلك؟".

كان كالدروس يعلم على ما يبدو بالضبط ما يريده جوليوس، وكان يحاصره بذلك. ضحك كالدروس.

"لقد رأيتُ نظرة خيبة الأمل تلك بعد أن قضيتَ على قطاع الطرق الضعفاء من الفئة الرابعة. لقد رأيتُ تلك النظرة من قبل. أنت تريد تحدياً. أنت تريد قتالاً حقيقياً تحسن فيه مهاراتك وتصقل هيبتك".

قال جوليوس مباشرة: "مع ذلك، لا أريد الانضمام إلى طائفة".

ابتسم كالدروس.

"وليس عليك ذلك. إن جئتَ إلى طائفة شمس الجحيم ضيفاً مكرّماً، فلن تضطر للانضمام إلى الطائفة، لكنك ستنال كافة امتيازات أحد شيوخنا، وأنا أعدك بذلك".

تأوه جوليوس وصمت. لم يستطيع حتى الكذب على نفسه. كان عرضاً مغرياً للغاية. لو جاءه كالدروس عارضاً كنوزاً وما شابه، لرفض بسهولة. لكن الأمر اختلف هنا. إن لم يكن كالدروس كاذباً، فإن مجرد الحصول على إمكانية الوصول إلى الأراضي المحترقة قد يصنع العجائب بتناغمه مع النار. لم يكن بحاجة لعناصر أو كنوز خاصة. كان بحاجة لفرص ووحوش قوية ليقاتلها.

تابع كالدروس عارضاً: "وإن لم يكن ذلك كافياً، فيمكننا بسهولة التفاوض مع طوائف أخرى من أجلك أيضاً. أنا أدرك أن طائفة الصفصاف الأخضر تمتلك بعض شقوق الفئة الرابعة القوية التي يمكنك دخولها. بل إنها تملك إمكانية الوصول إلى وادي الأبدية الخضراء، وهي منطقة تضاهي الأراضي المحترقة إلا أنها تركز على التركيز العالي لمانا الحياة بدلاً من ذلك. لستُ على دراية بأي مناطق تحوي كنوزاً حركية، لكنني متأكد من أننا نستطيع إيجاد ما يلبي احتياجاتك أيضاً".

سأل جوليوس وهو يميل برأسه: "لماذا تذهب إلى هذا الحدّ من أجلي؟".

أطلق كالدروس ضحكة خشنة.

"ولم لا نفعل؟ موهبة مثلك لا تظهر كثيراً. حتى إن لم تنضم إلى طائفتنا، فإن إقامة علاقات طيبة معك ستعود بالنفع علينا وحدنا. وإن قررت الانضمام إلى طائفتنا فعلياً، فسيكون ذلك رائعاً. إنها صفقة رابحة للطرفين".

وجد جوليوس نفسه حائراً. لم يكن يدري حقاً كيف يرد، وكان عرض كالدروس أكثر من سخيّ. فمجرد القدرة على دخول مكان مثل الأراضي المحترقة كان أمراً مغرياً بالفعل. لم ينطق بذلك بصوت عالٍ أمام كالدروس، لكنه كان قد سمع بالفعل عن الأراضي المحترقة. كان المكان حقاً أحد أكثر الأماكن جذباً لشخص يزرع مانا النار مثله. وكانت بذرة دمار العنقاء ستتحسن على الأرجح بامتصاص المانا المركزة.

غير أنه لم تكن هناك معلومات كثيرة، مما يعني أنه لم يكن يعلم بأن طائفة شمس الجحيم تملك السيطرة على من يسمح له بالدخل. بل ظنّ أنها تشبه الغابة اللانهائية حيث يمكن لأي شخص الدخول على مسؤوليته الخاصة. كان يفكر في الطريقة التي يريد بها الردّ على كالدروس حين استشعار تقلب هالة عدائية في الاتجاه الذي كان دراسيل وسيرافاين يلعبان فيه. فغمر جسده على الفور بالمانا والهالة.

كما أعد عدة بنى قوية. فانبثقت نيران مدمرة إلى الوجود، ونسجها ليصنع منها إبراً كثيفة من النيران الزرقاء الداكنة. غير أنه لم يكن الوحيد الذي استشعر هذا الحضور. كانت سيرافاين تتفاعل بالفعل. لقد اختفت السلحفاة الصغيرة عن حسّه المكاني؛ ولا تزال مهارة تسللها تربكهما، لذا توجب عليه استخدام اتحادهما وتغيير تردد حسه المكاني لاكتشافها مجددًا. وما إن وجدها حتى لمح أيضاً المخلوق الشبيه بالسمكة وهو يقترب منهما.

وهمّ بإرسال بناه محلقة نحوه، لكنه شعريسيرافاين تمنحه دفعة خفيفة، كأنها تخبره بالتراجع. لم يصغِ إلا لأنه استشعر أن الوحش كان من الفئة الثالثة. فئة ثالثة قوية جداً، وعلى الأرجح في ذروة الفئة الثالثة، لكنه سبق أن رأى سيرافاين تقاتل. كان يعلم أنها أكثر خطورة مما يوحي به هيكلها الصغير. لذا سمح لبناه بالتراجع والحومان فوق كتفيه. لكنه بقي مستعداً لإطلاقها في أي لحظة. انطلقت نفاثات من الماء شديد الضغط باتجاه السمكة، مصطدمة بجسدها.

كان الضغط شديداً لدرجة أنه اخترق حرائشفها المعدنية دون عناء يذكر، مما أدى إلى إصابة الوحش. أصيبت السمكة بالذعر ولم تتمكن من تحديد المكان الذي هاجمت منه سيرافاين. وبدلاً من ذلك، استهدفت الشيء الوحيد الذي كان بإمكانها رصده. وكان هذا الشيء الوحيد هو دراسيل، الذي كان لا يزال غارقاً في جهل مطبق وهو يركل بساقيه الصغيرتين حول البحيرة مستعيناً بعوّامته. استخدم المخلوق نوعاً من سحر الماء لدفع نفسه للأمام، وراقب جوليوس بتوتر بينما اقترب الوحش من دراسيل.

الشيء الوحيد الذي منعه من الهلع كان المشاعر التي أحس بها قادمة من سيرافاين، التي كانت تراقبالأمر ببالغ البرود. وصلته ومضات من الشفقة، لكنّ تلك المشاعر لم تكن موجهة نحو دراسيل. كلا، بل كانت موجهة نحو وحش السمكة. شعر جوليوس بالارتباك. لكنه راقب السمكة وهي تطلق نفسها خارج الماء. بلغ طولها خمسة أقدام، وكان جسدها الفضي مغطى بالأشواك. وتألق الحراشف التي سبق أن دمرتها سيرافاين تحت ضوء القمر.

وفي اللحظة الأخيرة فقط بدا أن دراسيل أدرك أخيرًا أن الوحش على وشك مهاجمته فاستدار داخل عوّامته. رفع دراسيل يده الصغيرة، وبنفخة استهزاء، لوّح بيده كما لو كان يهمّ بصفع ذبابة. تدفق فائض من مانا الحياة من دراسيل، وتلاشى أثر السمكة تماماً في اللحظة التي تلامس فيها الاثنان. لم يبقَ شيء سوى بضعة زعانف ممزقة ودماء أمطرت سطح البحيرة المتموج. أما دراسيل، فقد أطلق الشاب الصغير صفيراً مرحاً وواصل السباحة على طول البحيرة كأن شيئاً لم يكن.

وقف جوليوس مذهولاً مكانه، عاجزاً عن استيعاب ما حدث.