دفع يوليوس بقوّته الجديدة وغرق في فوضى القتال. منحته كل دقيقة تمرّ فرصة للتأقلم مع ترقّيه. بدأ يدرك سبب إصرار كاين وفرييا على أن يخوض هذا وحده. كانا على حقّ كعادتهما. كان ميدان الاختبار المثاليّ ليقاتل حقيقةً ضد خصوم متكافئين. تحسّنت قدرته على اقتفاء أثر الخصوم كثيراً. لم يكن يعي حجم الإجهاد الذي عاناه عقله من قبل. لكنّ مرونة عقله الحالية لا تُقارن بما كانت عليه. بدا كل قرار طبيعيّاً.
لم يكن بحاجة إلى الهلع أو افتعال أيّ شيء لا فائدة منه. استغرق وقته وقيّم أفضل مسار بهدوء. استطاع أيضاً توظيف بعض مهاراته بكامل قوّتها. رُقّيت مهارات مثل [حكيم الشراسة]، مما سمح له بالتركيز على عدة أمور دفعة واحدة. بدا واضحاً أن مهاراته الملحميّة وُضعت لتناسب عقل صاحب مرتبة رابعة. كانت زيادة المانا ومعدّل تدفّقها أمراً مثيراً للاستكشاف أيضاً. ما كان ليدمر قنوات المانا لديه سابقاً صار بساطة التنفّس.
لم ينجح في دفعها إلى حدودها الجديدة بعد. ذات كمّيّة المانا التي يضخّها الآن في جسده كانت لتسحق جسده القديم. ابتسم وهو يتفحّص بقايا المصفوفة المدمرة التي بناها الرجل ذو الرداء. لقد خاض مغامرة باستعمال [خطوة الفراغ]. أخبرته غرائزه أنّها مهارة مخصّصة لصدّ الانتقال الآانيّ أو المهارات المكانيّة الأخرى. لكنّه ثق بنفسه ثقة عميقة لبقائه حيّاً. إن استطاع النجاة من محاولة الاغتيال الأخيرة، أدرك أن الأمر يتطلّب خطراً مماثلاً ليُرديه.
مع ذلك، ظلّت قدرته على المناوغة إحدى ميزاته في هذا القتال. ولهذا قرر أخيراً أنّ المخاطرة تستحق العناء. حين عرف عمل تلك المصفوفة السوداء الغريبة، وثق بقدرته على التعامل معها متى استعدّ. فانتقل آنيّاً مجدداً، مُفجراً طاقته الحركيّة فور ظهوره. انطلقت موجة صدمة منه وقتلت عدوّين آخرين. لم يستطع منع نفسه من الاستغراق في نشوة توظيف طاقته الحركيّة هكذا. بعد كلّ هذا الوقت، وجد أخيراً سبيلاً للدمج بين المهارات.
في الواقع، تلقّى الإشعار بالفعل لكنّه أرجأه حتى ينتهي. أراد استشعار طريقة استخدامها يدوياً قبل اكتساب المهارة رسميّاً. انتقل آنيّاً مجدداً، مراقباً بعناية محاولات المصفوفة المكسورة لتشويش مسعاه. كان الرجل ذو الرداء يعدّل وضعيّته بالفعل، وزاد التداخل كثيراً عن ذي قبل. مع ذلك، بقيت مهارات الفراغ مدمرة، واستطاع يوليوس استغلال الفوضى المكانيّة لتجاوز أيّ قيود فرضها الرجل.
كانت مهارة مثيرة للاهتمام حقّاً وتوظيفاً فريداً للسحر المكانيّ. كانت تتتبّع أيّ مهارات انتقال آنيّ وتنهار فوق الوجهة المقصودة. ومع إضافة هالة الدمار خاصّته، غدا كافياً لتمزيقها قبل أن تؤثّر فيه. انحنى يوليوس تفادياً لضربة محارب غاضب واستدار ضارباً، غارزاً يده في بطنه حتى بلغ العمود الفقريّ. منحها جذبة وحشيّة، فانتزع نصف عموده الفقريّ قبل أن يدرك ما يجري. مات قبل أن يلامس الأرض.
راقب يوليوس بقية الأعداء وهم يحاولون الفرار في كل اتجاه. صاروا كالجراذين المتناثرة في الريح. وبفضل فرييا، عجزوا عن فعل ذلك. حبسهم حاجزها جميعاً في الداخل. شعر بالعديد منهم يحاولون بأسئلة يائسة تحطيم حاجزها، لكنّه علِم أن الأمر عبثيّ. إن عجزوا عن هزيمته، فلن يقدروا يقيناً على إسقاط حاجز فرييا. ومع ذلك، كان الحاجز المعونة الوحيدة التي تلقاها يوليوس. وقف كاين وفرييا يراقبنان بحذر بينما يتولّى هو تنظيف بقية الأعداء.
صار الأمر أيسر بكثير بعد أن تفكّك صفّهم. تركوا المعالج بلا دفاع وسط هلعهم، وقبل أن يتفاعل أحدهم، كان يوليوس قد انتقل آنيّاً أمام المعالج. ظهر درع قويّ أمامه. امتلك المعالج دفاعات ناجية خاصة به. لكنّها لم تكف سوى لتعطيله لحظات. ضفر نيران دمارِهِ في لولبة محكمة واستعملها لاختراق الدرع، حارقاً فجوة في صدر المعالج. أحسّ يوليوس بسحر شفاء يسري عبر الجرح، لكنّه سيطر على نيران الدمار لتلتهم مانا الحياة قبل أن تلتئم جراحهم.
أطلقوا صرخة وسقطوا على الأرض، قابضين على صدورهم الدامية وعجزوا عن مداواة أنفسهم. لوّح يوليوس بيده، فانفجرت طاقة حركيّة فجّرت رؤوسهم. لم يستمتع بالقتل على هذا النحو، لكنّه تبيّن هالاتهم بوضوح وسط فزعهم المدفوع باليأس. لم يمتلك أحد منهم هالة طاهرة أو شريفة. وما إن تذكّر الدمار الذي رآه في طريقه إلى هنا، حتى تلاشت أيّ مشاعر رحمة قد تكون لديه. استمرّ في الحركة عبر البهو كطيف.
يظهر من العدم، ليجهز على الأعداء الناجين القريبين. أبقى على بعضهم أحياء لعلّ ليلي تستجوبهم إن أمكن. بدت فرييا متفهّمة لدوافعه، فاحتوتهم ماناها مسبقاً. بعد أن فرغ من ذلك، التفت متفرّساً في الغرفة باحثاً عن الشخص ذي الرداء الرماديّ، الوحيد الذي ترك انطباعاً لدى يوليوس. لم يعد في البهو، بل فرّ كبعض الأعداء إلى الأعماق داخل المبنى. مع ذلك، جعل [الإدراك المكانيّ المطلق]
هروبهم مستحيلاً تقريباً. استطاع اقتفاء أثرهم عبر الجدران، ولم يعنِ له العناء في هبوط متاهة المبنى لفتح كل باب مسحور. عوضاً عن ذلك، حطّم الجدران ككرة هدم. كانت الأبواب مسحورة، أمّا الجدران فبلا دفاعات تُذكر. حاول بعضهم الهري، وحاول آخرون القتال، ووجّه بعضهم الشتائم إلى وجهه، واكتفى آخرون بالتوسّل. قتل أغلبهم، ولم يُبقِ إلا على من لم تبدُ هالاتهم كمجاري مياه قذرة، بغية استجوابهم.
بلغ الطابق السفليّ أخيراً، عابراً فوق جثة متفحّمة استخدم عليها نيران دمارِهِ للتوّ. استقبله الرجل ذو الرداء الرماديّ وإلى جانبه صفّ من الأقفاص تضمّ سجناء. كان الرجل قد أخرج فتاة صغيرة من قفص وأمسك برقبتها متخذّاً منها درعاً بشريّاً. كان الرجل يصيح بشيء في وجهه، لكن يوليوس لم يركّز معه ولم يسمع ما كان يثرثر به. انشغل بالنظر إلى المدخل الكائن خلف الرجل ذي الرداء وأطلق سخرية خافتة.
لم يدر كيف فعلت ذلك، لكنّ فرييا وضعت حاجزها بالفعل حول هذا الباب المفترض أنّه للهروب. كانت امرأة مرعبة حقّاً، وسرّ يوليوس وجودها في صفّه. لم يلتفت إلى الرجل إلا حين سمع صرخة المرأة متألّمة بينما يشقّ نصل من المانا جلدها. بَدَت عيناه جامدتين تماماً وهو يخطو ببطء نحو الرجل. انطلق سهم مانا مضغوط صوب صدره، لكنّه لم يكلف نفسه حتى صدّه. ترك الهجمة تصطدم به بلا أيّ حماية وواصل مشيه إلى الأمام.
* * *
منظور فان لم يوقع فان على هذا الهراء. أدرك أن العرض أفضل من أن يُصَدَّق. حين اقترب منه رجل غامض، كان حذراً. لا أحد ينجو طويلاً كفان دون ارتياب. لكنّ طمعه أعماه، وغواه وعد بكيس من الذهب إلى جانب كنوز ثمينة يعجز عن نيلها حتّى لو ملك المال. أراد الترقّي للمرتبة الخامسة، وكانت هذه الكنوز أمله الأبقى. ستسمح له بزراعة بذرة سلطته ومهاراته حتى ذروة المرتبة الرابعة ليغدو من الأقوياء حقّاً في الإمبراطورية.
كانت الهوة بين المرتبة الرابعة والخامسة شاسعة. ولا تشبه الباون بين المرتبة الثالثة والرابعة بشيء. يبلغ الكثيرون المرتبة الرابعة. غير أنّ القلّة تصل إلى الخامسة. لو بلغ المرتبة الخامسة، لما عاد مهمّاً إن كان عاميّاّ. فبقوته البحتة، سينال المكانة والاحترام ذاتهما وكأنه نبيل. فوق ذلك، نفّذ الكثير من الأعمال القذرة في الماضي. كانت مهاراته مرغوبة للغاية. فالقدرة على إعاقة الناس وقتلهم عند استخدام مهارة انتقال آني لا تُقدّر بثمن.
بل إنّ أغلبهم لا يدرك ما حدث إلا بعد فوات الأوان. مهارة تعلمها من كرة مهارات. جاءت الكرة جائزة صدع، وكانت نفيسة إلى حدّ صارع فيه كل فرد من فريقه ليحظى بحق استخدامها لنفسه. بعد جدال طويل، قرروا الاحتفاظ بها لحين الخروج من الصدع ثم تقرير ما يُفعل بها. غير أن فان درى ما يتوجّب عليه فعله. قتلهم جميعاً وهم نيام. وسرق كرة المهارات لنفسه. ومنذ ذلك الحين، تسلّق المراتب تدريجيّاً.
مترقّياً إلى المرتبة الرابعة ومطوّراً المهارة. راودته أحلام العظمة. أحلام باليوم الذي يحقر فيه كلّ أولئك الأوغاد الذين اعتادوا التنمر عليه صغيراً. ومع ذلك، راقب أحلامه وهي تتهشّم أمام عينيه. ارتعشت يداه وهو يضغط بالسكين على عنق الفتاة.
"ابتعد! أنذرك، سأذبح هذه العاهرة!"
صاح بصوت شابه التصدّع من الخوف. وأطلق سهماً آخر من المانا. جعله هلعه متخبطاً، فشرارة السهم تركت المانا بلا احتواء كامل. لم يُبْدِ الصبيّ أيّ دفاع. تدافع سهم المانا فوق صدره، ولم تترك سوى بقعة حرق صغيرة تُنبئ بوقوع الهجمة. إنّ حقّ له الدفاع، فما توقع قطّ أن يكون يوليوس سنو بالذات هو من يهاجم مخبأهم. رأى ما فعله هذا الصبيّ بأبرز مواهب الإمبراطورية. كان الجميع في العاصمة يتحدثون عن نجم الإمبراطورية الساطع الجديد.
الحصان الأسود الذي بلغ النهائيات. في الظروف العادية، لشعر فان بثقة نسبيّة في مواجهة الصبيّ، حتى مع علمه بكلّ هذا. ففي النهاية، ما زال الصبيّ في المرتبة الثالثة. أو هكذا كان. كان واضحاً كالشمس أن هذا لم يعد صحيحاً. لم درِ كيف، لكنّ يوليوس نجح في الترقي إلى المرتبة الرابعة في الفترة القصيرة منذ نزاله الأخير ضد التلميذ الشخصيّ لحيسك سيف السقوط. كان الصبيّ وحشاً بالفعل في المرتبة الثالثة، فما بالك وقد ترقّى؟
أطلق فان شهقته مرتجفة. شهد سلفاً ما حلّ بالآخرين. ذُبحوا كالحشرات. ولم يرغب في أن يلقى تلك النهاية. شعر بتصاعد هلعه بينما واصل الصبيّ مشيه دُونَ عَجَل نحوه، وسط اصطدام عدد لا يُحصى من سهام المانا به. لم يأخذه هذا الوحش على محمل الجدّ قطّ. حين رأى سهامه تخترق جلد الصبيّ عميقاً أخيراً، غمره الحماس. بيد أن الإحساس تحول سريعاً إلى رعب، إذ كانت الجراح الصغيرة على صدر الصبيّ تلتئم بمعدل ملحوظ.
مُدركاً ضيق الخناق، عزم فان على إبداء الجدية. كشر عن أنيابه وهمّ بجّ جرّ السكين على عنق الفتاة حين طبق عليه فجأة ضغط قاهر. تفاعلت إرادته محاولة صدّ القوة، لكنه شعر بهالته تصرخ ألما حين تمزق فيها شيء. لم يقتصر الأمر على جسده فحسب. فقد السيطرة على مانا، وانهارت مهاراته تحت وطأة هذا الضغط. لم يملك حرفيّاً أيّ حيلة بينما دلف الصبيّ نحوه وانتزع أصابعه بعيداً عن الفتاة الصغرى.
بذل فان قصارى جهده للمقاومة، لكن الأمر انتهى بانكسار أصابعه كعيدان الحطب حين لُوِيَت عنوة. أراد فان الصراخ ألما، لكنّ المزيد من القوة لم يكلف يوليوس عناء النظر إليه، إذ قضى وقته في مواساة الفتاة الصغرى وأجلسها على أحد الصناديق. وحينها فقط أعاد انتباهه إلى فان، منتقلا آنياً أمامه وخاطفاً إياه من رقبته ليرفعه إلى السقف.
"إذن، ماذا سأفعل بك؟"
فقد فان السيطرة على مثانته وبدأ يبكي متوسلاً حياته.