درب التسامي الفصل 591 — خراب العنقاء

اقرأ درب التسامي الفصل 591 — خراب العنقاء باللغة العربية على مانجا تايم.

سُرَّ يوليوس لكونه لم يعد محبوساً في مساحة روحه، لكنَّ عودته لم تُخلِّف للأسف مشاعر الامتنان. كان الألم الذي خابه حين عالقاً في روحه نوعاً يختلف عمَّا يختبره الآن. الألم البدنيُّ الحقيقيُّ يحمل نكهةً مغايرةً، واضطرَّ يوليوس إلى الاعتماد على [حكيم الوحشيّة] لكي يُدير الألم. من الناحية الإيجابيّة، استقبلته فرييا بابتسامة، وكان ذلك مكسباً. منحها أدفأ ابتسامة استطاع تشكيلها في ظلِّ هذه الظروف الراهنة.

أراد التعبير عن امتنانه لها، وهي بلا شكٍّ سببٌ رئيسيٌّ في بقائه على قيد الحياة. مهارة الشفاء خاصَّته أسهمت يقيناً في الحفاظ على تماسُك روحه إلى حدٍّ ما، لكنَّه أدرك فورا أنَّها هي من عالجته حين دمَّرت تلك المرأة من المرتبة الخامسة معظم جسده. بغض النظر عن حفاظه على تماسك روحه، لما كان حيّاً بلا جسد يأوي تلك الروح. استطاع إدراك أنَّها تبذل قصارى جهدها لتشعره بالراحة.

للأسف، لم يكن ذلك ممَّا تعالجه سحر الشفاء. ما كان يحدث هو ترقيه، لا عدوى ولا إصابة. أقصى ما استطاعته منحه بعض مانا الحياة لتخفيف ألمه. لكنَّ فاعلية ذلك حتَّى بدت محدودة للغاية. همس بضحكة تمتزج فيها المتعة والألم: — أهلاً، يا لطيف رؤيتك هنا. قالت وهي ترفع يدها لتحتضن وجنته بحنان: — اششش. اهتم بتطور جسدك. يمكننا الحديث لاحقاً. لكني سعيدة لأنَّك بأمان. منحها ابتسامةً أخيرَةً وإيماءةً حازمةً قبل أن يأخذ بنصيحتها.

تطور جسده يقترب سريعاً، ومع حصوله على سلطته، كان على يقين تامٍّ بأنَّه سيكون أكثر قوّة ممَّا افترضه الثلاثةُ. بذور دمار العنقاء حلت بالفعل محلَّ شِعاره الخاصّ. البذرة الصغيرة كانت مجرد ومضة ضوء باهرة في فراغ روحه المظلم. ومع ذلك، شعر بالطاقة ترتشح منها وتتَدَفَّق إلى جسده، لتغذي تطوره أساساً. بدأ الحرارة تتجمَّع في أنحاء جسده. لم يكن غريباً على ذلك. ألا يملك تقارب النار وميلاً ما للانفجارات؟

لكنَّ هذا كان مختلفاً. لم تكن حرارة مباشرة أو بسيطة، بل بدَت مفعمة بالحياة والدفء. بالطبع، هذا الشعور المبهج لم يدم للأبد، وبدأ يتحول إلى شعور مزعج. الطاقة أصبحت أكبر ممَّا يحتمله جسده الحالي. بدأت مانا الحياة تُنتِج أوراماً في جسده كله. ظهرت بثور حمراء وبنفسجيّة بحجم كرات التنس على جلده أجمع. ولتزداد الأمور سوءاً، استمرت هذه الأورام في النمو حتَّى انفجرت في النهاية.

تناثر القيح واللحم في كل مكان. بفضل بصيرة فرييا وحدها، جهّزت مسبقاً شيئاً نظّف الفوضى قبل أن تُلطِّخ الأرضيّة. ثم تحوّل الدفء تدريجياً إلى نار حارقة. لحمه المكشوف أصلًا ونهاياته العصبيّة أُضرمت فيها النيران. سلب الألم الهواء من رئتيه، ولم يستطع سوى إصدار أزيز وهو يصارع العذاب. كان في حالة يرثى لها. مهارة الشفاء خاصَّته تفعل كل ما في وسعها لشفائه. لكن للأسف، كانت مهارة الشفاء سبباً جزئيّاً في حجم المعاناة التي يختبرها.

جسده بحاجة إلى التكيُّف والتحسُّن تماشياً مع ترقيه إلى المرتبة الرابعة. عنى ذلك ضرورة قدرة جسده على التعامل مع مهاراته القويّة. مهارات مثل [تجدد العنقاء]. للأسف، استتبع ذلك معاناته من عشرات الأورام واختباره احتراق لحمه بسبب الحرارة الساحقة. بفضل بذرة دمار العنقاء الجديدة وحدها استطاع الاستمرار. ساعدت البذرة في تغذية مهارة شفائه حين بدأت تخور. مفهوم الإرادة خاصَّته أسهم بدوره.

مَنَحَهُ دفعات صغيرة من الطاقة والتحفيز لمتابعة التحمل. مع ذلك، مهما بلغت قوة إرادته. أو مهما بلغ عناده. لم يكن هناك ما يفعله حين أخفق عقله أولاً. شعر بالنزيف يتسرب من منافذه، وبظلال الظلام المألوفة تزحف نحوه. بذل قصارى جهده للبقاء واعياً. فعل حقاً. استيقظ للتو ولم يرغب في العودة للنوم، إذ ربما كانت تلك لحظات يقظته الأخيرة. لكنَّ شيئاً لم يملُك فعله حين ابتلعه الهاوية مرة أخرى.

*** وجهة نظر فرييا انتفضت حين رأَت ورمًا آخر ينفجر، والنيران الملتفة حول جسده تحرقه في ثوانٍ. رائحة لحم البشر المحترق أزعجت أنفها، واستخدمت بسرعة بعض الهالة للتخلص منها. ثم تحكمت في الدائرة تحت قدميها لإزالة أي أثر للرائحة العالقة. غرزت أصابعها في راحة يدها بقوة أنزفت يديها. أدركت أن يوليوس سيختبر ترقياً صعباً للغاية. لكنَّها لم تتوقع شيئاً كهذا. لم يكن الأمر بدنياً فحسب.

استطاعت إدراك أنَّ روحها المعاد تشكيلها حديثاً كانت تُمزق مرة أخرى. أدركت أن ذلك سيكون مؤقتاً ومقصوداً هذه المرة. لكنَّ الألم لابد أنه كان هائلاً. لا تزال لا تفهم تماماً كيف تمكّن دورين من شفاء روح يوليوس. بطريقة ما، شقَّ الرجل طريقه داخل مساحة روح يوليوس. إنجاز بدا سخيفاً بقدر ما سُمِع. ثم أصلح روح يوليوس بطريقة ما. حُذِّرَت من أنَّ يوليوس سيختبر ترقياً بعد هذا العلاج.

كان دورين حصيفاً بما يكفي ليتأكد من موافقة كين وريا قبل البدء. لكنَّها لم تظنَّ حدوثه قريباً هكذا. مرت ساعات عدة فقط منذ بدأ دورين العلاج. لا فكرة لديها عن نوع السلطة التي اختارها، لكنَّ الشكَّ لم يساورها بكونها نسخة قويّة ومميزة. بذرتها الخاصة كانت مخيبة للآمال بعض الشيء، بالنظر إلى خياراتها الأخرى. لكنَّها سُرَّت باختيارها لاحقاً. تطورت وتغيرت بمرور الوقت، لتغدو ركيزة قوتها.

مع كثرة المفاهيم والقدرات التي يمتلكها، كان مرجحاً جداً عرضه لخيارات عدة. أملت وجود قلة تناسبه على الأقل. تواجد كين هناك، معتصراً كتفها بينما كانا يشاهدان يوليوس يعاني. مع ذلك، استطاعت استشعار فخر زوجها بتلميذه. برغم الألم الذي غمر يوليوس، لم يكن يصرخ أو يتوسل طلباً للراحة. كان يحتمل العملية بأكبر قدر ممكن من الرهافة. رغم ذلك، لم تستطع منع نفسها من الارتجاف حين رأت تطوره يحتدم بحدة مجددة.

لم تشهد قط ترقياً للمرتبة الرابعة يتسم بهذه القسوة طوال سنواتها. حتَّى ترقيها بدا نسيمًا عليلاً بالمقارنة. وتذكرت تذمرها ألمًا لأيام، حتَّى بعد اكتمال ترقيها. لحسن الحظ، بدا أن يوليوس لم يعد واعياً. سيشعر بالألم في روحه، لكنه سيكون خافتاً. تمنت لو بوسعها تقديم المزيد له، لكن لم تكن تلك طريقة عمل الترقّيات. كان عليه إنجاز ذلك بمفرده، وكل ما استطاعت تقديمه دعمها الصامت بينما واصل مسعاه.

من ناحية أخرى، لاحظت أن دورين بدا متحمساً بصورة غير معتادة. لا ينبغي للرجل التحمس لرؤية ترقٍ للمرتبة الرابعة. فغالباً رأى أكثر ممَّا رأته هي وكين مجتمعين. في الواقع، ومع تجاربه، لن تفاجأ إن رأى أضعاف ذلك العدد. إن ظنت أن الرجل أُبهر بيوليوس من قبل، فستقول إنه يبدو مهووساً به تماماً الآن. لم يساورها أدنى شكّ في أنَّ دورين لن يدع يوليوس يموت الآن. لقد فاته الافتتان بالفتى.

كانت تلك نعمة ونقمة في آن. الوقت وحده سيحدد أيّهما ستكون. *** مرّت عدة ساعات بالفعل، ولم تُظهر النيران المحيطة بجسد يوليوس أدنى علامة على التباطؤ. توقفت الأورام عن الانفجار على الأقل. صوت انفجار القيح كان مزعجاً حقاً لأذنيها. أتلفتت نحو هيئة يوليوس المشوهة. بالكاد بدا جسده جسداً في هذه المرحلة. كانت فوضى مطلقة. لولا تدفقات مانا الحياة القوية الصادرة عنه، لظنت أنه مات أو تحول إلى شكل من أشكال المسوخ الأحياء.

كانت قلقة من عرض مسار مشابه عليه. مهارته مع مانا الحياة وشيء مدمر كهالته أهلتاه لبسد سلطة متعلق بالأحياء الأموات. لم تعتقد أنه غبى كفاية لاختيار ذلك الخيار، لكنَّها لم تملك أدنى فكرة عن حالة روحه أو عقله بعد شفائه. استقامت ونكزت كين حين شعرت فجأة بتغيرات طفيفة داخل هالة يوليوس. تصاعدت النيران حول جسده بعنف لدرجة أن جسدها ذي المرتبة السادسة ارتجف من الحرارة. ومما أثار قلقها، حين تبددت النيران، لاحظت وجود قشرة سوداء تشبه العقيق الأسود حول جسد يوليوس.

كانت مادة غريبة لدرجة حجبت حواسها عن استشعار ما يدور في الأسفل. لابد أنها منعت حواس دورين نفسه أيضاً، إذ عبس الرجل، رافعاً بصريّه عن فحصها الدقيق، وأخرج عدة أدوات من مساحة تخزينه. ظل الأمر هكذا لعدة ساعات أخرى. لم تكن هناك تقلبات في المانا أو الهالة من تلك القشرة السوداء؛ الشيء الوحيد المستشعر كان الاهتزازات المتفرقة المنبعثة من القشرة. ظنت أن ذلك تقاربه الحركي قيد العمل.

مع ذلك، عجزت عن تخمين ما يدور بالأسفل ولم شعور أحدهم بتفجير شحنات ضخمة من الطاقة الحركية المركزة بالداخل. لم ترغب في تخيل نوع الصدمة التي يعانيها جسده. لحسن الحظ، توقفت الاهتزازات، وسُمع أخيراً صوت تصدع من القشرة. ظهر شرخ دقيق على السطح فقط. كبر هذا الشرخ ببطء، وقبل طك طويل، تحطمت القشرة وتفتتت إلى غبار أسود صغير. مع ذلك، ولذعرها، لم تستشعر يوليوس داخل القشرة. كانت فارغة.

كل ما بقي بالداخل كان غباراً. تحرك كين وفجأة صار فوق القشرة المحطمة، واستطاعت الإحساس بمشاعره المتصارعة. قالت مسرعة وهي تمسكه من ذراعه: — انتظر. لكانت لتتصرف بالمثل، لكن في اللحظة الأخيرة أدركت أنه لم يكن غباراً ما تنظر إليه. كانت كومة من الرماد. تذكراً لتطور جسدها عبر مفهوم عنقاء الجليد، شعرت أن ذلك مقصود. ثم، أمام عينيها مباشرة، توهجت كومة الرماد الأسود بكميات هائلة من المانا والهالة.

كانت قوية لدرجة هددت بتحطيم دُوَيْرَة احتوائها، واضطُرَّت لدفع المزيد من المانا لدعمها. ارتسمت ابتسامة باهرة على وجه دورين بينما اقترب قدر المستطاع دون مقاطعة العملية. بعد دقيقة، خبا التوهج تدريجياً، ورأت نفخة من الرماد ترتفع لأعلى. ثم تحركت جانباً بينما امتدت يد شاحبة وخرج منها يوليوس عارياً تماماً. أطلقت زفرة ارتياح. جهلت نجاحه، لكنها سُرَّت برؤية تطوره وترقيه وقد كللا بالنجاح.