بعد أن ناقشا تاجه وأموراً أخرى، فعلت كاساندرا ما فعلته معه سابقاً. منحته بعض النصح وعدة تدريبات إضافية تعينه على لهبه المتقدم. بيد أن تلك لم تكن سوى إحداهن. مكثت قليلاً أيضاً لتستمتع بمعسبة الصنعة معهم. حين عاد بقية رفاقهما، تقبلوا حضورها من دون كلمة تذمر. لم يكلف جوليوس وليلي أنفسهما عناء إخبارهم بهوية كاساندرا. حدث هذا بناءً على طلب المرأة بالطبع. أرادت إخفاء حضورها قليلاً والتظاهر بالعادية.
لم يلمها على ذلك. فربما لم تظفر بفرص كثيرة للاسترخاء حين تعود إلى عشيرتها. أرادت أوبرا طرح بعض الأسئلة، لكن ليلي لا بد أنها أرسلت إليها رسالة تخاطرية فلم تنطق أوبرا ببنت شفة. كذلك لم تكن ليلي لترتضي وجود كاساندرا لو شعرت بنوايا عدائية لدى المرأة. وثق رفاقه جميعاً بقدرات ليلي. في النهاية، فاز الرجل الطنين الذي صنع عمود الحراسة. أُعجب الحكام كثيراً بصنعتها. وكذا كاساندرا.
أشارت إلى أن أصحاب المرتبة الخامسة أنفسهم سيجدون هذا الغرض مفيداً، وعلقت بأنها ستتعقب الرجل بعد انقضاء المسابقة. خمن جوليوس أنها لن تكون الوحيدة أيضاً. فقد أبصر بالفعل عدة ممثلين لجماعات يمموا شطر الرجل قبل أن يبلغ حافة المسرح حتى. لكنه ظن أنها ستظظفر بفرصة أوفى نظراً لكونها في المرتبة السادسة وما شابه. كانوا يغادرون الملعب معاً. وقفت كاساندرا إلى جواره مباشرة وهي تلعق نوعاً من الحلوى المُحلاة المثبتة على عود.
— حقاً، ينبغي لك مرافقتي إلى كورفوس.
أعتقد أنك ستعشقها. بمقدور عشيرتي مساعدتك على الارتقاء بلهبك بطريقة تفوق بكثير ما يستطيعونه هنا. تعد الأراضي المحروقة مكاناً بالغ الخطورة، لكن بالنسبة لشخص مثلك، قد تمثل غنيمة وافرة. عرضت عليه مجدداً. ابتسم لها.
— ما زال يتعين علي بلوغ المرتبة الرابعة عقب انتهاء البطولية.
لا أعرف ما سيحدث بعد ذلك. علاوة على ذلك، كورفوس بعيدة. رأى أن رفاقه أصابهم الحيرة جراء هذه المحادثة، لكنهم لم يقاطعوا.
— حسناً، العرض قائم على الدوام.
أظن أن وقتك في الإمبراطورية سيغدو أشد إزعاجاً.
— ما تعنيه بذلك؟
سأل مقطّباً. هزت كتفيها.
— لقد صرت مشهوراً الآن.
وتلك الشهرة تجلب معها مشاكلها الخاصة. لن تستطيع الاندماج وسط الحشد بالسهولة ذاتها بعد الآن. سيسعى الناس بلا توقف لإيجاد سبل لمعرفة المزيد عنك أو لاستغلالك لمآربهم. سمعت بالفعل بأمر عدة عشيررات أخرى من كورفوس حضرت هنا من أجل البطولة وتبحث عن طرق لتدفعك إلى الانضمام إليها. نقر بلسانه وأقر بأنها أصابت كبد الحقيقة. لقد ولّى زمن طيه في الخفاء. لقد أبدى أكثر مما ينبغي، وبصراحة، كل ما أراده هو بلوغ المرتبة الرابعة فحسب.
فرييا وكاين على صواب؛ لقد تمادى في تأجيل الأمر. كان عليه الكف عن إهدار الوقت. تعذّر عليه نسيان غايته في بلوغ منعة تقيه حماية من يعنيه أمرهم. لم تكن المرتبة الثالثة كافية. كان قوياً بالقدر الذي يكفي لمقارعة معظم أصحاب المرتبة الرابعة، لكن ذلك لن يكفي أمام أي شخص بارع بحق في المرتبة الرابعة أو الخامسة. عجت الإمبراطورية بأمثال هؤلاء. لقد حالفه الحظ في الماضي. كانت أوقات نزاله مع تلك الشاكلة من الخصوم تتم بمعونة أناس آخرين.
وفي أحيان أخر أُرغم على النجاة. حتى تلك الخيمرة لم تبلغ خطورة بعض الخصوم الآخرين الذين واجههم. صحيح أن المخلوق كان قوياً وقادراً على الاستشفاء، إلا أنه لم يكن خصماً خطيراً بحق. لقد انطوى على نقاط ضعف استطاع استغلالها ولم يكن بذكاء الأعداء الآخرين الذين صادفهم. أُخرج من هواجسه حين لطمت يد مؤخرة رأسه.
— اكفُف عن فرط التفكير.
استمتع بوقتك مع رفاقك الآن وحسب. ستنظر إلى هذه الأيام بعين الحنين. لا تهدرها بالعبوس. وبخته كاساندرا. أومأ.
— أنت محقة.
— أعلم أني محقة.
قالت بابتسامة ماكرة.
— والآن يتحتم علي الذهاب.
لدي اجتماع مع بعض جماعات التجار لاحقاً، وستغضب لورين إن وصلت متأخرة. تذكر ممارسة تلك التدريبات التي أريتك إياها. قد تبدو عقيمة الآن، لكنها ستنفعك فيما بعد. إرادتك تكفي أصلاً للسيطرة على نار متقدمة، لكن لا ضرر في مواصلة العمل عليها. وأبقِ عينيك على تاجك ذاك. لا أود معرفة أن الشيء التهم روحك المرة المقبلة التي ألقاك فيها. أتعرف كيف تراسلني إن احتجت عوناً، أليس كذلك؟
أومأ بابتسامة عريضة.
— أجل، لا أعطي وعوداً بشأن التاج.
قال ملقياً نظرة إلى الأعلى.
— لهذا الشيء عقل يخصه.
لكني سأراسلني إن واجهت مشاكل أخرى ألتمس سؤالك عنها.
— يبدو هذا جيداً.
قالت له قبل أن تلتفت إلى رفاقه.
— حسناً، لقد سرّني لقاؤكم يا شباب.
رفعت يدها ولوحت قبل أن تتبدد عن الأنظار. لم يشعر جوليوس حتى بمهارتها المكانية وهي تتفعل. لقد تلاشت من حواسه حقاً. لم يسعه إلا هز راسه. دليل آخر على السبب الذي يوجب عليه اكتساب بأس أشد.
— حسناً، بحق الجحيم من كانت تلك؟
سألته أوبرا بصوت عال أخيراً وهي تلوح بيديها بعد أن بلغ صبرها مداه.
— تلك كاساندرا.
إنها نائبة زعيمة عشيرة الشمس المحرقة. شرح لها جوليوس.
— ما عشيرة الشمس المحرقة؟
سألت بقطب حاد.
— مجرد عشيرة، جزء من العشائر العشر الكبرى في كورفوس.
بدل أن يشرح لها جوليوس، بادر ديريك بالكلام.
— أهذا أمر جلل؟
استفسرت أوبرا. لم تكن تملك أدنى فكرة عما يعنيه ذلك. تنهد ديريك.
— أنتِ تعلمين أن جوليوس ذكر هذا من قبل، أليس كذلك؟
— لا بد أنني لم أكن حولنا.
قالت أوبرا بكتفين مرفوعتين بلا مبالاة.
— أو لم تكوني مصغية.
أشار جوليوس.
— وتلك أيضاً.
وافقت أوبرا ببساطة، مما جعله يصفع جبهته بيأس.
— إذن ماذا؟
أهو أمر جلل؟ سألت مجدداً.
— أجل، إنه أمر ضخم للغاية.
يمكن مضهاهاة عشيرة الشمس المحرقة ببيت زينيث من حيث النفوذ. إنها إحدى أعتى العشائر في كورفوس، ولا تتخلف سوى عن الثلاث الكبرى. ربما كانت تلك المرأة في المرتبة السادسة، بل وقوية للغاية فيها. بدأت أوبرا تستوعب مدى أهمية كاساندرا، فاتسعت عيناها قليلاً.
— انتظري، إذن ماذا أرادت من جوليوس؟
ضحك إدغار.
— تعلمين ما أرادته.
أرادت انضمام جوليوس إلى عشيرتها. التفتت أوبرا نحو جوليوس.
— إنها جميلة.
— ما علاقة هذا بأي شيء؟
أتعلمين أن لها طفلاً، أأنت متأكدة؟ سأل جوليوس مذهولاً من سؤالها. ابتسمت له أوبرا بمكر قبل أن تهوي ليلي بصفعة على رأسها.
— اكفُفْ.
سألومك إن عادت وقتلتنا أجمعين. وبخت صديقتها.
— لن تفعل شيئاً كهذا.
قال جوليوس.
— أمتأكد أنت؟
سألته ليلي بنظرة ذات مغزى. فكّر في الأمر لحظات قبل أن يهز رأسه.
— لا، ليس تماماً.
لم يكن يدري حقاً ما قد تفعله كاساندرا إن علقت أوبرا بما قالته. لكنها بدت امرأة عاقلة.
— على أي حال، دعونا لا نُزعج أو نُغضب أصحاب المرتبة السادسة، حسناً؟
تلك مهمة جوليوس. علق إدغار.
— مهلاً!
* * *
نزالان آخران. هذا كل ما يحتاجه. مع أن هذين النزالين القادمين سيكونان عسرين للغاية. أما هذا الذي شارف على خوضه فكان مثيراً للاهتمام بوجه خاص. نظر عبر الميدان ليتفحص إيرين. كان عبقري السيوف يرمق جوليوس بذات النظرة. لا زالت تلك المسحة الهادئة مرسومة على وجه إيرين كما اعتادها جوليوس، بيد أنه أحس بشيء مغاير فيه اليوم. عجز عن تحديد كنهه مع ذلك. ضيق عينيه وتابع الإصغاء إلى المسؤول وهو يلقي التقديمات.
لم يكن أيهما مصغياً عن كثب. لقد كانت الأسطوانة ذاتها، وكلاهما أراد للرجل أن يفرغ. حين أشار المسؤول أخيراً ببدء القتال، لم يتحرك جوليوس ولا إيرين. واصلا تفحص أحدهما الآخر. درى جوليوس أن إيرين كان يسبر كل حركة لهالة وطاقته. علم بذلك لكونه يفعل المثل مع إيرين. لم يشعر جوليوس بالقلق حقاً سوى حيال المهارة التي كشف عنها إيرين عند قتال أوبرا. لقد اتسمت ضربة السيف الأخيرة تلك ببأس هائل، وبقي جوليوس جاهلاً بحدود تلك المهارة.
حاولت أوبرا شرحها له، لكنها بالكاد شعرت بها في المقام الأول. أتى التحرك الأول من إيرين في النهاية. أحس جوليوس بتجمع الطاقة فوق رأسه، وبدأت سيوف إيرين الساقطة المميزة تتشكل بالفعل. مع ذلك كان مستعداً، فخلق عدة حواجز فوق هامته كشمسية تقيه من المطر. وما إن أعدها حتى أنشأ عدة أشواك طاقية. غذى تاجه بقليل من الطاقة دافعاً إياه لإنتاج بعض من نيرانه المدمرة التي غرسها في الأشواك.
بدا إيرين قلقاً بوضوح حيال أواشكه، فبدل استهداف جوليوس، راحت عديد من السيوف الأصغر تهوي للأسفل. استهدفت أواشكه عوضاً عن جوليوس شخصياً. لم تكن تلك الهجمات وحدها مع ذلك. فقد خلق إيرين سيوفاً ضخمة عدة سددت مباشرة نحو جمجمته. كانت الأشواك تخترق الهواء هادرة بينما حاولت السيوف الصغرى اعتراضها. مع ذلك اتسمت بالسرعة، ولم تفلح السيوف سوى في تدمير نصفها قبل بلوغ إيرين. لم يجزع الفتى الآخر إذ تفادى صواريخ النار وقوة الحركة السريعة تلك جانباً.
الشوكة الوحيدة التي بدت وكأنها ستصيبه انحرفت بفعل نصله. أرسل جوليوس بسرعة أشواكاً إضافية نحو إيرين بينما تعامل مع السيوف الضخمة الموشكة على الارتطام بحواجزه. كان قد جعل حواجزه مائلة لترتد السيوف عن مسارها، لكنه فوجئ بثقل تلك السيوف. بدت وكأنها مصنوعة من التنجستين الخالص. أطلق زفرة خشنة تطلب الأمر منه قدراً كبيراً من الإرادة لإبقاء الحواجز صامدة. بيد أنه في هذه اللحظة أقدم إيرين على تحركه.
طوال البطولة، لم يشتبك إيرين برضاه مع أي كان في قتال قريب رغم كونه مبارزاً. لم يفعل ذلك إلا مُرغماً. ومع ذلك لم يصحُ هذا الأمر مع جوليوس. استخدم موهبة السيوف ذي الشعر الأسود نوعاً من مهارات الحركة ليتندفع نحو جوليوس، متفادياً الأشواك القادمة صوبه أيضاً. ذهل جوليوس من سرعة إيرين؛ فقد كان تسارعه فورياً، وكان سيفه يشق طريقه نحوه دون تردد. فكر جوليوس في صد السيف للحظة عابرة، لكن في اللحظة الأخيرة، لمح تجمعاً للطاقة يتشكل على النصل.
أشبه تماماً بذلك النور الذي قهر أوبرا في الجولة السالفة. لم يشأ المجازفة واستخدم عوضاً عن ذلك طاقة الحركة المتراكمة لديه لتفادى السيف جانباً. وسرّه أنه فعل ذلك حقاً. وقع وميض من النور، وأحس بشيء يطن عبر جلده. بعث بدفقة من طاقة الحركة نحو وجه إيرين وانحنى تحت السيف الذي شق دفقة طاقته الحركية قبل أن يقفز إلى الوراء. قطّب تعبيره لإيرين ونظر إلى الأرض، ملتقطاً أثر جرح سيف بطول عشرة أقدام خلفه حيث كان يقف.
حتى حاجزه الذي غطى جسده قد شُقّ. لولا الحזج، لربما أصيب رغم عدم تلامس السيف المباشر معه. أدرك في تلك اللحظة بالذات أن إيرين لم يكن يكبح جماحه ضده. وقرر ضرورة إبداء ذات القدر من الاحترام. وهكذا ودون مزيد من اللغط، سمح بكميات غامرة من الهالة وطاقة الحركة والطاقة بالتدفق داخل [تجسيد بيروكينيتي للدمار]. فاض جسده بالقوة وابتسم لإيرين متهللاً. لهذا السبب شارك في بطولة هذا العام.
كوّن عصا بطول أربعة أقدام بين يديه، مشكلة برمتها من الطاقة. أمسك بالعصا في إحدى يديه خلف ظهره وهو يتقدم بخطى متربصة نحو إيرين، لتكشط العصا الأرض مع كل خطوة خطاها. اتسعت ابتسامته مع كل خطوة تقلل المسافة. عجز عن كتمان لهفته لمعرفة ما يخبئه إيرين له في جعبته أيضاً.