درب التسامي الفصل 561 — خروج مدوٍّ

اقرأ درب التسامي الفصل 561 — خروج مدوٍّ باللغة العربية على مانجا تايم.

انتظر ليام معركة الثأر أشهراً طوالاً. لم يتوقع وقوعها في المرحلة الأخيرة من بطولة الضياء من الفئة الثالثة، لكنه لم يكن ليشتكي. لم يهتم كثيراً لنتيجته أصلاً. فقد حصد أكثر بكثير ممّا يحتاج حين استكشف العالم الخفي. حتى إنه ظفر بطقم من الرداءة القوية. بلغت من قوتها أنهم منعوه من ارتدائها طوال البطولة. عدَّها مسؤولو الإمبراطورية ميزة غير عادلة. حاز أيضاً الكثير من الكناز الفاتنة فوق تلك الأردية.

حصل على بذرة الجليد البدائي وابتلعها في أعماق روحه. لن تتفتح بالكامل إلا حين يبلغ الفئة الرابعة، لكنه كان يقطف ثمار ابتلاعها منذ الآن. كانت البذرة تبدل سحر جليده ببطء. عجز عن معرفة نوع جليده بدقة؛ سيعتمد الأمر على كيفية استخدامه وكيف تؤثر روحه في نموه. أشبه هذا بالمسار الذي يسلكه البشر حين يظفرون بنسخة خاصة أو متقدمة من النيران. أدرك أن والده يملك نوعاً خاصاً من الجليد يتخصص في شل مانا الخصم وقدرته على التحمل.

لكن شيئاً لم يضمن أن يؤول الأمر إليه بالطريقة نفسها. ظنّ البعض أن ابتلاع شيء مثل بذرة الجليد البدائي أو ما شابهه من الكناز في مرحلة مبكرة من طريقه يعد مجازفة، بيد أنه تيقن تماماً من الوجهة التي يرغب في قصدها. لذا لم يشغل بملك كثيراً. تمثل شغله الأكبر في اللحظة الحالية بوابل لا ينقطع من الأجزاز المندفعة نحو وجهه. وبخ نفسه قليلاً أيضاً. كان حريّاً به توقع امتلاك جوليوس لمهارة مكانية أو مهارة حركة.

علم أنه يملك نسخة من الخطوة السريعة، لكنه توقع أن يستغرق وقتاً أطول ليطورها إلى مهارة مكانية. أو ليبلغ درجة الإتقان فيها على الأقل. نظراً للمسافة والسرعة اللتين انتقل بهما آنياً، شك ليام في بلوغها مستوىً رفيعاً بالفعل. من الأساس، استغرق الأمر من أي شخص وقتاً طويلاً أو كنزاً جباراً لاكتساب مهارة كهذه. مال بعضهم بطبعه نحو السحر المكاني، ممّا سرّع عملية اكتسابه. في حالة ليام، تدرب تحت إشراف شخصين يتخصصان في الحركة المكانية، وكان يُنقل آنياً باستمرار ليظفر بتلك الخاصية خلال تطور مهاراته.

أدرك أن جوليوس افتقر إلى هذا النوع من الدعم. لعل ليلي أو ديريك ساعداه في ذلك الجزء. أو بالأحرى، عائلتاهما. مع ذلك، طرح أصحاب مهارات الانتقال الآني مشكلة من نوع آخر تماماً. احتاج ليام إلى إعادة ضبط أموسه وابتكار خطة أخرى. غدا الأمر عسيراً وسط قصف جوليوس المستمر. راحت الأجزاز تتلوى محاولة اختراق صدره. حلّق في الهواء باذلاً قصارى جهده لتفادي الهجمات برمّتها. بدا الأمر أشبه بتعرضه لهجوم من فرقة سحرة لا من شخص واحد.

بصراحة، لربما فضل ذلك الخيار. مع ذلك، أدرك أن قدرات جوليوس لم تقتصر على الهجمات بعيدة المدى فحسب. مع ظهور مهارة الانتقال الآني، صار عليه الحذر من أي ضربات مباغتة. سعى إلى صد الأجزاز التي عجز عن تفاديها مستعيناً ببعض الحواجز. لسوء الحظ، كان القول أسهل من الفعل. كشّر عن أنيابه حين هشّم أجزاز آخر حاجزه، واضطر إلى اتخاذ هيئة ضباب الصقيع مجدداً. شتم بصوت خفي وهو يتحكم بما خلقه ليبتعد أكثر.

لم تشبه هذه الأجزاز شيئاً ممّا تذكره. لم تكن القديمة ضعيفة بطبيعة الحال. بلغت من القوة ما يكفي لخرق دروعه. غير أن هذه كانت في مستوى آخر تماماً. لمس التفاوت الواضح في القوة النارية أكثر من أي وقت مضى، رغم تطوره. علاوة على ذلك، وحين عبرت الأجزاز هيئته غير المادية، أحس بهالة التدمير تبذل وسعها لتمزيق مهارته. غابت عنها القوة الكافية لتحقيق ذلك، بيد أنها مثلت أمراً مزعجاً للتعامل معه.

رافق الأمر شعور مزعج للغاية. أثار غضبه أيضاً تذكر جوليوس لاستهلاك مهارته لكمية ضخمة من المانا. افترض أن هذا السبب دفع جوليوس إلى الشراسة في هجماته. ضغط عليه بعنف اضطره لاستخدام مهارة اللامادية عدة مرات بالفعل على نفسه وعلى عقابه. خلق غطاء الصقيع مهارة رائعة. كانت جديدة، ممّا حدَّ كثيراً من الأشكال التي تستطيع مخلوقاته اتخاذها. رغم ذلك، انسجمت بسلاسة تامة مع مهاراته الأخرى.

تعاملت مخلوقاته معها كامتدادات لذاته. ومع قوله هذا، ظلت مهارة حديثة وعجزت عن التكيف بالقدر الذي تمناه. عنى ذلك اضطراره لتقديم تنازلات معينة. عجز عن مجاراة هجوم جوليوس الضاري وأخطأ أجزازاً تسلل عبر دفاعاته. غاب عنه الوقت لتفعيل هيئة ضباب الصقيع، لكن عقابه حمى السقطة عنه لحسن الحظ. غير أن الجليد الصلب الذي ألف المخلوق تصدع تلقاء تلقيه هجوماً جباراً بهذه القوة. وسط الثغرة الجديدة، اصطدم نصف دزينة من الأجزاز الأخرى بالعقاب مهشمة إياه إلى أشلاء.

استهلك ليام بعض المانا في محاولة مستميتة لإصلاح الضرر، ليفاجأ بإلقاء أكبر حاجز خلقه في حياته قط. عجز عن تفسير سبب فعله إن سأله سائل. غدت مجرد غريزة بحتة. رغم ذلك، سرّه ما فعل إذ جاء في الوقت المناسب بالكاد. انتقل جوليوس آنياً إلى موضعه محاولاً ضرب رأسه. تصدع الحاجز من شدة القوة رغم كونه أقوى ما صنعه في زمن قياسي كهذا. لمح عيني جوليوس القانيتين وتاجه الأزرق المتألق على راسه قبل أن يتوارى مجدداً.

طفق ليام يتلفت في كل مكان باحثاً عن وجهة خصمه، بيد أنه عجز عن استشعار أي تموجات للسحر المكاني، تماماً مثل التشويه المكاني السالف. شعر ليام بعروقه تفيض بالجليد. لم يقتصر الأمر عند جوليوس على مهارة انتقال آني مثل الوميض أو الخطوة الفورية. كلا، لو امتلك مهارة كهذه لاستطاع ليام استشعارها. حرص مدربوه على زرع أهمية الاعتماد على حواس المانا لرصد الطفيف من التغيرات في الحركات المكانية.

لم ترقَ إلى مرتبة الإحساس المكاني، بيد أنها كفت لمنع مباغتته حين ينتقل أحدهم خلفه. مثلت هذه نسخة متطورة من الوميض أو الخطوة الفورية. أدرك الأمر فأصابه بالذعر. تسابق عقله بسرعة جنونية ليستقر في النهاية على قرار. لم يسرّه، لكنه أيقن أنها فرصته المثلى للنصر. ترك نفسه يهوى من السماء، ودون عقاب يبقيه معلقاً بات هدفاً سهلاً لمن هم بحجم جوليوس. ارتطم بالأرض وغمر المنطقة بماناه فوراً.

تفتح ضباب صقيعي محيطاً به داخل كرة بعرض عشرة أقدام. سمح لمفاهيمه وشعاره بالتغلغل في هذه المانا ليخلق مجاله الزائف. غاب عنه أن يشبه المجال الحقيقي، لكنه حسنه طوال الأشهر الماضية. ترقب وابلاً آخر من الأجزاز، لكن لم يصدر شيء مدعاة لقلقه. فجأة، رأى ليام جوليوس ينبثق من العدم ناظراً إليه بابتسامة مستمتعة.

تمتم الصبي الآخر بينما كان يدرس مجال ليام الزائف بقدرته الإدراكية بلا شك: "يبدو هذا مألوفاً...".

لم يملك ليام إلا أن يجز على أسنانه. صدق جوليوس؛ تطابقت هذه تقريببآ مع السيناريو ذاته الذي وجدا أنفسهما فيه خلال نزالهما الأخير. وتذكر جلياً ما آلت إليه النتيجة آنذاك. رغم ذلك، فقد نما وتطور، وآمل أن يختلف الماتل هذه المرة. سمح لماناه بتغذية مهاراته، بينما صارع عقله لمجاراة التقنيات والقدرات المختلفة التي أبقاها مفعلة. تمركز نظرا جوليوس حول تقنيته. أدرك ليام مسبقاً تشريح جوليوس لكل شبر فيها.

عرف ليام أكثر من غيره مدى حدة إدراك جوليوس؛ فحواسه المانا كانت مذهلة. لذا، وقبل أن يمعن جوليوس أكثر في تفحص مهاراته، حسم ليام أمره وانتقل آنياً بجوار جوليوس خارقاً الفضاء في ومضة. وكما هو متوقع، تفاعل جوليوس في الوقت المناسب. شق ذراع متخم بهالة مدمرة جسد ليام، لكنه استعد لذلك وتفعلت هيئة ضباب الصقيع مسبقاً. لم يعن له العناء بلكم جوليوس رغم قربه. عوضاً عن ذلك، استغل مجاله الزائف ساحقاً الصبي بمانا الجليد المركزة.

شدّد على خواصها المضعفة. اعتاد عادة استهداف مخزن مانا الخصم أيضاً، لكنه أدرك خطورة تجربة أمر مماثل ضد جوليوس. ترك اصطدامهما الأخير للإرادات أثراً غائراً لن يمحوه قريباً. كلما قلّت الفرص التي يمنحها لجوليوس للصراع بالإرادات، كان ذلك أفضل. وبينما حاولت مانا جليده سحق جوليوس، شعر ليام بإحساس حارق مفاجئ ينبعث من الصبي الآخر. رفع ناظريه نحو التتاج لامحاً إياه ينبض بقوة بينما انفجرت أمواج عارمة من النيران خارجة من جسد جوليوس.

بلغت النيران من الحرارة والقوة ما جعلها تبعد جليده بسهولة. قرع لسانه. تباً. لقد تعلم الكثير من الحيل الأخرى. اعتاد السعادة عادة لاستنزاف خصمه لتلك الكمية من المانا، بيد أن الأمر اختلف تماماً أمام جوليوس. جرب حرب الاستنزاف من قبل. وخسر تلك المعركة بوضوح تام. خضع مجاله الزائف لضغط تلك النيران بنسبة تخطت توقعاته. تغلغلت فيها نوع من المفاهيم الجنونية أو ما شابه. حقاً، لربما غدت نيراناً خاصة بكل ما يعلمه ليام.

رغم ذلك، لم يستسلم. واصل قصف جوليوس من سائر الجهات بمانا الجليد. زال حرصه على توفير المانا. احتاج إلى إنهاء الأمر سريعاً. وكما ظن، لم يتراجع جوليوس. بل ظل حبيس مجال ليام الزائف دون أدنى اكتراث، ملوحاً بالعصا الزرقاء في يديه ومحافظاً على تلك الابتسامة البهية على محياه. بذل ليام وسعه لمجاراة جوليوس. رغم ذلك، صدمه التباين الواضح في حركته الآن مقارنة بالسابق. بات أسرع وأحدّ وأقوى في كل جانب.

تحسنت قدرته على التعامل مع الطاقة الحركية حتماً. بدا ذلك جلياً. استطاع ليام مجاراته في القتال القريب بفضل مهارة اللامادية، بيد أنه شعر الآن بتفوقه المطلق عليه. لذا قرر فوراً ضرورة إجراء تعديل آخر. أحاطت سيوف جليدية بالكرة التي تشابك الاثنان في جوفها. حدّق ليام بحدة وبعقدة إرادة، أرسل السيوف تهوي فوقهما. فعل هيئة ضباب الصقيع سريعاً لتجنب سيوفه. بلغت سيوفه غاية القوة.

غابت عنها فرادة العقاب أو مرونته. لكنها صُنعت لغاية واحدة فريدة. إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر. انتظر محبوس الأنفاس داخل هيئته غير المادية، متسائلاً عما يخطط له جوليوس. لعجب ليام، لم ينتقل جوليوس آنياً بعيداً كما توقع. كلا، عوضاً عن ذلك، انفجر الصبي اليافع بكمية من المانا والطاقة الحركية فاقت كل ما استشعره ليام منه. غاب أي نسج دقيق للمانا أو ما شابه. توهج حقل من النيران الحارقة، مترافقاً مع قوة حركية فائقة الشحن، ليمزق سيوف الجليد إرباً وكأنها صُنعت من زجاج.

لم يشكل ذلك مصدر قلق ليام. ما أرقه تمثل في الإحساس المفاجئ بالخطر. رغم لامهاديته، قرر إهدار بعض المانا والانتقال الآني بعيداً. بيد أنه تردد لحظة أطول من اللازم، فاصطدم حقل النيران والتدمير بهيئته غير المادية. للمرة الأولى منذ حصوله على هذه المهارة الخاصة، شعر ليام بتلقيه ضرراً. زأر حين أحس بالنيران تحرقه حقاً. لم يقف الأمر عند الألم الجسدي، بل امتد ليطال روحه، وهو ما زاد الطين بلة.

صعّب الألم وهالة النيران عملية التركيز، بيد أنه أفلح في إنجاز التقنية المعقدة لمهارته المكانية وانتقل آنياً. رغم ذلك، أحس بإرادة أخرى، غالباً إرادة جوليوس، تصطدم به. شعر وكأنه يُسحق في قاع المحيط. بذل وسعه لتحرير نفسه، لكن وسط هذا الزخم كله، عجز عن كبح جوليوس. وهنالك أحس بمهاجمة جوليوس لمهارة انتقاله الآني مباشرة عبر هالته. غاب عنه ما فعله جوليوس بها، لكن إحساساً طاغياً بالخطر دوى داخله.

لم يتردد ليام وألغى المهارة، محاولاً القفز خارجاً في مكان آخر عوضاً عن ذلك. بيد أنه استشعر خطباً ما فوراً. تسرب طفيف شاب الحاجز المكاني المحيط بجسده، ورغم صغره، كفى لجعل ليام يدفع ثمن خطأه. قُذف خارج الفضاء على بعد عشرين قدماً من موضعه المقصود بينما تحطمت ذراعه اليسرى برمتها. عاد حبواً نحو قدميه رغم الألم المبرح. لم تقتصر الإصابة على ذراعه وحدها؛ بل شملت جسده بأسره.

سرت كسور شعرية طفيفة في عظامه. بدت إرادته وكأن أحداً ضرب رأسه بهراوة. وترهلت قنوات ماناه من فرط الضغط الذي تعرضت له. أقر في قرارة قلبه بانتهاء المعركة. غدا الأمر متوقفاً الآن على رغبته في الاستسلام أو القتال بشراسة حتى النهاية. رفع رأسه ليرى جوليوس مقترباً منه ببطء. لم يحتج سوى لنظرة واحدة مبحرة في التحدي داخل عيني جوليوس لدفع ذلك القرار قدماً. سمح لبقية ماناه بالانفجار خارجه، وغلف إصابته بالجليد.

أطلق تعبيرات جمعت بين الابتسامة الماكرة والتكشيرة. أراد معرفة المدة الإضافية التي يستطيع صمودها.