مركبة ليل. ربما لم يكن استدراج أحد أشرس مقاتلي المرتبة الثالثة ممن واجهتهم فكرة سديدة. غير أنها عجزت عن منع نفسها. أرادت اختبار قدراتها ومعرفة مدى تقدمها. كان ماركوس يساعدها على الارتقاء بقدراتها الجسدية، وافتخرت بما أنجزته. ما اعتُبر يوماً أضعف مهاراتها غدا سريعاً أحد مفضلاتها. استوعبت ما قصده جوليوس حين تحدث عن متعة تسديد قبضته نحو شيء ما. بدا الأمر مرضياً ومريحاً بصورة غريبة.
ليس ذلك فحسب، بل أدركت أيضاً أنها تمتلك موهبة حقيقية في القتال. أتاحت لها قدراتها النفسية قراءة خصمها بدقة متناهية. بل إنها حازت مؤخراً مهارة ساعدتها في هذا الجانب. حملت المهارة اسم تيار القتال العَصَبي، واتسمت بكونها مهارة ملحمية فائقة. مكنتها من مجاراة خصوم يفوقونها خبرة عبر قراءة حركاتهم ونواياهم بكل بساطة. حتى ماركوس لم يكن في مأمن تام منها. اضطر لاستخدام مجاله للحد من تأثير مهاراتها.
هكذا بلغت درجة قوتها. إضافة إلى ذلك، منحتها المهارة سرعة فائقة في رد الفعل. لحظة إدراكها ما سيقدم عليه خصمها، ساعدتها المهارة على تطويع تحريك الأشياء عن بُعد، محركة جسدها وكأنها تفعل ذلك بغريزتها. أحياناً، راودها شعور بأنها تتحكم بجسدها من مسافة بعيدة، كأنها دمية سحرية أو ما شابه. بيد أنها لم تظفر بفرصة اختبار هذه المهارة ضد أي شخص سوى ماركوس وبعض الوحوش. إذن، من أفضل من جوليوس لاختبارها عليه؟
إن أراد أحد إيجاد ثغرة واستغلالها، فسيبرع جوليوس في ذلك. أو ربما تفاجئه؛ وستكون تلك نتيجة رائعة أيضاً. توجهت نحو منتصف ساحة النزاع في الجانب الآخر من الغرفة بينما وقف ماركوس وكين وفرَيا على الحواف. حاولت ألا تدع قاعة التدريب المهدمة عن آخرها تشتت انتباهها أكثر من اللازم. غدا الأمر حدثاً يومياً جراء شراسة نزال كين وجوليوس. أدركت أن بعض موظفي بيت زينيث وأفراده لم يكونوا سعداء بهذا الوضع.
كان السحرة الذين يصلحون قاعة التدريب يصابون بالإرهاق دائماً مع نهاية اليوم. لكنهم عجزوا عن فعل الكثير حين يكون مدمر ممتلكات البيت فرداً من المرتبة السادسة. علاوة على ذلك، منح كين بيت زينيث مالاً الوفير مقدماً، عالماً أنه سيهلك عتادهم وتعويذاتهم غالباً. تخطت فجوة بحجم جوليوس ورَمقت كين بنظرة مظلمة. علمت أن جوليوس لا يمانع التعرض للذبح بوحشية على يد كين، لكنها وأصدقاءها لم يستحبوا ذلك.
كبحت تنهيدة. لم تملك سوى القليل لتفعله كي توقفه. وتعلقت بذلك الدرس سريعاً.
سأل بهدوء: "مستعدة؟"، بهدوء فاق الحد قليلاً برأيها.
لم تصفه بالمتكبر، لكن ثقته بدت مزعجة بعض الشيء أحياناً. ظل هادئاً دائماً، مهما كانت الظروف. ضيقت عينيها نحوه وأومأت.
"مستعدة".
لم تحرك ساكناً، منتظرة إياها بوضوح لتأخذ زمام المبادرة الهجومية. ومع ذلك، لم تمانع ذلك إطلاقاً. أحاطت طاقة نفسية جسدها، واستخدمت التحريك الذهني لدعم أطرافها. اكتسبت بضع مهارات ساعدت في إنجاز هذه العملية. غمرها شعور استثنائي وهي تلمس الفرق بين حالتها اليوم وعامها المنصرم. أطلقت نفسها إلى الأمام. استخدمت قدراً زائداً بقليل من القوة، لكنها نجحت في ضمان سلامة جسدها من الإصابة بفضل تلاعب دقيق بمناها.
سخرت معظم تركيزها لقراءة أفكار جوليوس. جهلت كيف ستعمل مهاراتها ضده. ظل دائماً أحد القلائل الذين استعصت عليها قراءتهم. حتى حين كان في المرتبة الأولى، شكّل حالة شاذة. ولعل هذا ما جذبها إليه في المقام الأول. ازداد غموضه صعوبة مع مرور الوقت. وشكت في قدرتها على استشعار مشاعره بذات السهولة دون إذن واعٍ منه. بدا وكأنها يستمتع بمشاركة مشاعره معها. تمثلت هوايته المفضلة في تشاطر مشاعره معها حين يجوع ويرغب في طعام يشاركه إياه.
متى ما استشعرت جوعه ونهمه لتناول طعام شهي، استسلمت فوراً. فوقعت في فخه كل مرة. بيد أنه تحول الآن إلى جدار فولاذي. استحال اختراق حصونه، وعزلها تماماً عن عالمه. لحسن حظها، لم يعمل تيار القتال العَصَبي على هذا النحو. انطوت المهارة على وسيلة للتسلل عبر الدفاعات العقلية المعتادة، مما سمح لها بإلقاء نظرة خاطفة. بطبيعة الحال، اقتصر الأمر على القتال ولم يشبه استطلاعاتها المعتادة.
لكنه ظل ميزة معتبرة. لذا، وبأنفاس محبوسة، مدت يدها وربطت مهارتها بجوليوس. رأته يعبس ويحاول إبعاد محاولتها. غير أنها تسللت وربطت عقلها بعقله. تكفلت تلك اللحظة الخاطفة بالمطلوب وأكثر. كانت قد وقفت أمامه بالفعل وسددت لكمة نحو وجهه. حرك ذراعه لصدها، لكنه وقع في فخ المراوغة. وبينما اختل توازنه قليلاً، كانت هي قد أفرغت لكمتها باتجاه صدره. لسوء الحظ، تأخرت بجزء من المحور، فصحح وضعه مائلاً بما يكفي لتصيب لكمتها كتفه فحسب.
حاولت استغلال الفرصة وشن الهجوم، ممطرة إياه بكل ضربة خطرَت ببالها. كل نوع من التركيبات القتالية التي لقنها إياها ماركوس طوال الأشهر القليلة الماضية. وشعرت بأنها تؤدي بشكل جيد. قرأت حركاته بحدة مقبولة. لم يقاومها بضراوة بالغة، إذ تركز جل اهتمامه على تمزيق مهاراتها. عرفت جوليوس حق المعرفة فأدركت أنه لن يسمح لها بإبقاء هذا الاتصال مفتوحاً. لذا، وحين انتزع مهارتها عن عقله أخيراً، لم تفاجأ بشيء.
تسلل وميض طفيف من هالة مدمرة، لكنها علمت أنه يكبحها. رأت بعينيها مبلغ الدمار الذي قد تخلفه هالته. رغم ذلك، استعدت للأمر وانتقلت إلى خطوتها التالية. وحين تقدم خطوة للأمام لمهاجمتها، وظفت قدراتها النفسية المعتادة وابتكرت مطرقة ثقيلة ميتافيزيقية هوت بها فوق رأس صديقها. عادةً ما امتنعت عن استخدام هجوم قوي كهذا ضد أحد أصدقائها، لكنها وثقت في قدرة جوليوس على التعامل معه.
استناداً إلى هيئة قاعة التدريب حولهما، فقد خبر ما هو أسوأ بكثير من قبل. بالطبع، لم تكن الأمور بهذه السهولة. ظلت قوة إرادته ودفاعاته العقلية بصلابتها المعهودة، إلا أن هجومها جاء قوياً بما يكفي لتشتيته وإفقاده جزءاً من تركيزه، مما سمح لها بإعادة ربط تيار القتال العَصَبي. رأته يقلب عينيه نحوها وأطلق ضحكة مختنقة.
سأل متراجعا بضع خطوات: "أتهزلين؟"
هزت كتفيها.
سألت ببراءة متناهية: "ماذا؟"
وتابع مشيراً بإصبع متهمة: "ما هذه المهارة بحق الجحيم؟ لم تذكريها أمامي من قبل".
قالت بنبرة ذات مغزى: "أردت مفاجأتك. كما فعلت تماماً كل تلك المرات معي".
أنزل إبره ببطء واستكانت ملامحه.
"نقطة تسجل لصالحك".
ابتسمت لنفسها.
رد جوليوس مفاجئاً إياها بابتسامة متحمسة: "لكنني أظن أن هذا يعني استطاعتي أخذ الأمر بجدية أكبر، أليس كذلك؟"
تراجعت بلا وعي حين وقعت عيناها على تلك النظرة في وجهه. عرفت مغزى ذلك التعبير وما سيليها. لم تكذب، لقد أرعبها الأمر قليلاً. كادت تعجز عن تتبعه وهو ينطلق نحوها في دفقات من السرعة. وأدركت بصدمة بالغة أنه لم يكلف نفسه عناء تعطيل مهارتها. بل على العكس، رحب بها واستخدمها ضدها. وبينما كانت تفكك نواياه، كان قد استقر أمامها بالفعل. اقتربت قبضته أكثر من اللازم، فحاولت دفعها جانباً، غير أنها لم تحرفها سوى بوصات معدودة.
ومع ذلك، ولمبعث سخطها، لم تؤلمها الضربة. ظل يعاملها برفق شديد. كرهت منه هذا التصرف. بدا وكأنها لا زال يعاملها كفتاة ضعيفة هشّة. لم يعامل أوبري بهذه الطريقة. ولم يمانع إطلاقاً تسديد اللكمات لوجهها. فأين المساواة يا ترى؟ بيد أنها لم تملك متسعاً كبيراً للتذمر. إذ استغرقتها الحيرة وهي تحاول بيأس تدبر سيلة لمواجهة سرعته وقوته المتفوقة. غابت عنها حقيقة سرعته حتى رأت ذلك رأي العين.
شاهدت بعض نزالاته داخل العالم الخفي؛ لقد قهر خصوماً مهيبين. وكان ريفن برايرود أحدهم عن جدارة. لكن رؤية سرعته عن قرب شيء مختلف كلياً. كيف بات في المرتبة الثالثة؟ لم يكن ذلك عدلاً. ومثلما تجسد تماماً عبر الهجوم الكاسح الذي تختبره الآن. أدركت ما ينويه. بل وتعمد إبراز مشاعره. حتى أنه أرسل إليها مشاعر جوع مصطنعة وصوراً لكعكة شهية. لقد كان مشاغساً حقاً. حاول تشتيت انتباهها، ونجحت الخطة.
أولاً، لأنه كثف أفكاره بأقصى ما يستطيع. وثانياً، لأنها شعرت بقليل من الجوع واشتهت قطعة كعك. ومع ذلك، أُجبرت على خفض حدة المهارة إذ أُرجعت إلى الزاوية. بدأ الإرهاق يتسلل إليها سريعاً. استنزفها بوتيرة لم يسبقه إليها أحد. والحق أنها قدرت ذلك أحياناً؛ فرغم دفع ماركوس لمهاراتها لأقصى حدودها، إلا أنه لم يرهقها جسدياً بذات القدر. لقد ظل حريصاً على حمايتها بعض الشيء. لكن جوليوس هاجمها بكل شراسة.
فعلى الرغم من تجنبه إيذاءها، إلا أنه عرف بدقة مواضع تحديها والأماكن التي يتطلب الأمر الضغط عليها. وكأنه يقبع داخل عقلها، لا العكس. توجب عليها الإنصات لتلك الأفكار أيضاً. لقد أخبرها حرفياً بما سيفعله مسبقاً، وعجزت عن إيقافه. لقد بلغ به الإزعاج مبلغاً عظيماً.
رغم ذلك، شعرت بارتقاء مهارتها مستوى آخر بفضل «مساعدته».
لذا لم تملك إلا أن تضحكة. ازداد أداؤها تخبطاً مع مرور الوقت. تباطأ زمن رد فعلها، واضطرت لاستخدام مزيد من حيلها. بقيت قدراتها النفسية إحدى أقوى أسلحتها، فوظفتها بأفضل صورة أمكنتها. أطلقت نحوه دفعة مركزة من سحر العقل. ولم تبذل جهداً يذكر في كبحها، لتشبعها بالإرهاق. رغم ذلك، انتفت الأسباب الداعية لقلقها الحقيقي. تراجع جوليوس متأوهاً بخفة إثر ضربتها النفسية العارمة، لكن إرادته بقيت حديدية كالعهد به.
تصحيح، لقد غدت أصلب من ذي قبل. شعرت وكأنها نطحت شخصاً يرتدي خوذة من الميثريل، وارتد عليها بعض الصدى لترتد هي الأخرى للخلف. ورؤية ذلك، تلاشت الأسباب المقنعة للاستمرار في الكبح. لم يعد بمكانتها الترفيه في ذلك. ليس أثناء قتاله، على أقل تقدير. لذا وببعض التردد، أطلقت بعض القيود التي فرضتها على قدراتها سابقاً. أقفال أمان وضعت في صغرها لمنعها من إلحاق الأذى بمن حولها. ومع ذلك، شرعت في فك بعض هذه القيود ببطء لتطلق العنان لقدراتها.
ثم، وسط أنفاس لاهثة، صبت كامل ثقل عقلها نحوه، رامية بجسدها في نفس اللحظة بفضل التحريك الذهني. ولم ينتابها القلق حيال تعامله مع الأمر من عدمه. لقد تمتع بالقوة الكافية لحماية نفسه، وبصراحة بالغة، استغرقها التركيز على الفوز لدرجة منعتها من الاكتراث كثيراً.