درب التسامي الفصل 543 — شبح لا يموت

اقرأ درب التسامي الفصل 543 — شبح لا يموت باللغة العربية على مانجا تايم.

كان جوليوس ممتناً لوجود فرايا معه، فقد أنقذت أنفه من الارتطام بالأحجار حين هوى. لو كان كاين لترك وجهه يهوي ثم تظاهر بالدهشة. لكنه لم يملك رفاهية الالتفات إلى ذلك الآن. كان شعوره أشبه بمن يُحشى رأسه بالمعلومات حشواً كما تُحشى الديكة في عيد الشكر. لم يكن شعوراً مريحاً بحال. ولم يقتصر الأمر على ذلك. فقبل أن يستوعب ما يجري، غاب وعيه ثواني معدودة مرعبة. ثم وجد نفسه واقفاً في بستان صغير وارف الخضرة.

كان الطحلب تحت قدميه ناعماً للغاية، وكأنه يكاد يتذوق طعم مانا الحياة في الهواء. لقد امتلأ البستان بها عن آخره. غير أن جُلَّ انتباهه انصبّ على الرجل الجالس على صخرة عند حافة جدول. كان يرتدي رداءً أبيض بسيطاً وسراويل بيضاء فضفاضة. بدت بشرته سمراء بمسحة حسنة، وكان ذا جسد قوي البنيان. تدلى شعره الأسود ليلامس عينيه، لكن جوليوس عجز عن تبيّن ملامحه تماماً. وعندها أدرك جوليوس مصدر مانا الحياة الطاغية هذه.

كانت أمواج متتالية من مانا الحياة القوية تنبعث من جسد الرجل. وكان نبضها الإيقاعي يبعث الحيوية في جسده كلما مرّ خلاله. تيقن بنسبة تسعين بالمئة أن هذه رؤية ما، بيد أن الأحاسيس التي غمرته كانت واقعية أشد الواقعية. تعذر عليه الجزم بأنها مجرد رؤية. وقف جوليوس يرمق الرجل وهو يتأمل، صامتاً يكتفي بمراقبة مانا الرجل. ولم يملك إلا أن يسترخي وهو ينجرف في غيبوبة، ناظراً إليه بأنفاس محبوسة.

"الناس يسيئون فهم مانا الحياة ومسار من يستعملونها"، نطق الرجل فجأة والتفت ليحدق في جوليوس.

في المقابل، شعر جوليوس بانقباض في حلقه حين وقع نظره على تلك العينين الخضراوين المشتعلتین. لم يكن الأمر مرهقاً ولا ما شابه، لكن حدة النظرة سمّرت روحه في مكانها.

"نُسيء الفهم؟"، قال جوليوس مجبراً نفسه على الكلام.

انحنى الرجل، الذي يرجح أنه تيزوكو ويلو صانع هذه الرؤية، والتقط حصاة صغيرة على حافة الجدول. كان سطح الحصاة أملس تماماً.

"يعتقدون غالباً أن الحياة ليست سوى حياة. يعجزون عن إدراك المعاني الأعمق للحياة والموت..."

ضحك تيزوكو بصوت ساطع.

"هاه! الحمقى".

صمت جوليوس بينما مرر الرجل أصابعه على الحصاة الملساء.

"خذ هذه الصخرة مثلاً. أترى أن لها حياة؟"، سأل الرجل جوليوس مُحدّقاً في أعماق روحه.

اندفع حدس جوليوس الفوري للرفض، لكنه كبح نفسه، مدركاً تماماً أن الإجابة لم تكن بمثل هذه البساطة.

"لا أعلم"، أجاب بصدق.

ابتسم له تيزوكو.

"جيد. لو قلتَ لا لمجرد ظنك أنني أختبرك، لكنتُ قتلتك".

ضحك جوليوس قليلاً، لكنه أدرك أن الرجل لا يشاركه الضحك. كان تيزوكو يرمقه بلمحة من الجنون. علت وجهه مسحة طيبة، لكن جوليوس استشفّ جنوناً كامناً تحت السطح. إنه يعرف المجانين إذا رأاهم.

"هي ليست حية قطعاً، ليس بالمعنى التقليدي على الأقل. لكن، ما الذي يصنع الحياة؟ أهو نبض قلب؟ أم عقل واعٍ؟"

بقي جوليوس صامتاً، وشعر أن الرجل لا يوجه كلامه إليه مباشرة.

"لا، أؤمن أن الحياة تكتسب معناها من التجارب. وكلما كثرت تجارب المرء، ازدردت حياته إشراقاً. البهجة، المعاناة، المأساة، تترك كل هذه المشاعر والتجارب بصمة على حياة أحدهم. هذا ما يمنحها القوة، وهذا ما يمنحها المعنى".

"انظر إلى هذه الصخرة. انظر كيف نحتها التعرية والزمن. كم رأت هذه الحصاة الصغيرة أو اختبرت؟ كم قرناً قضت جالسة في هذا الجدول؟ إنها دليل على الحياة التي عاشتها".

حاول جوليوس مجاراة الكلام، منصتاً بعناية لتفسير الرجل. لكنه وجد نفسه عابساً لسبب ما.

"أتووافقني؟"، سأل ذو العينين الخضراوين بتعبير مشدود الشفتين.

تقطب وجه جوليوس وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يجيب.

"ليس تماماً".

"لكن...؟"، ألح تيزوكو.

"ماذا عن الإمكانات؟"

"الإمكانات؟"، أردد الرجل بحذر، كأنه يلوك الكلمة في فمه.

أومأ جوليوس.

"ماذا عن الإمكانات التي قد يخبرها المرء؟ إمكانات النمو؟ أتقل حياة مولود حديث لانه اختبر أموراً أقل؟ أم أنها تزيد بسبب الاحتمالات اللانهائية المتاحة له نظراً لعدم استقرار مساره بعد؟"

حدق الرجل في جوليوس مطولاً. شعر جوليوس ببعض التوتر تحت نظراته، لكنه حافظ على التواصل البصري. طال الصمت بشكل مزعج، لكن جوليوس وقف مكانه بلا تحريك ساكن.

"ثمّة أمل فيك"، قال الرجل أخيراً بإيماءة بطيئة.

"هاه؟ أمل؟"، سأل جوليوس بارتباك.

"نعم، حاول الكثيرون اتباع مساري وتقليد تقنياتي، لكنهم كانوا جميعاً حمقى. كأنك ترجو تفوقاً على أحدهم باتباع مساره بحذافيره"، قال الرجل بسخرية وهو يلقي بالحجر مجدداً في الجدول.

"إذن لست مفترضاً تقليد تقنياتك؟"

أطال تيزوكو النظر إلى الأفق.

"لن تستطيع محاكاتها إلا لحدود معينة. أستطيع منحك الأدوات، لكنني لا أستطيع إخبارك كيف تستخدمها. يعود الأمر إليك في دمجها بمسارك".

"حسناً"، قال جوليوس مؤمئاً.

كان ينوي فعل ذلك أصلاً. فقد سمع ما يكفي عن تيزوكو في سنواته اللاحقة ليدرك يقيناً أنه أراد اجتناب السير في ذات الدرب الذي سلكه الرجل. التضحية بمدينة كاملة لم تكن جزءاً من خططه المستقبلية. كان لدى جوليوس بضعة أسئلة يود طرحها على الرجل. أو بالأحرى، على نسخة الرجل. فهو لم يدرِ ما هي نسخة تيزوكو هذه، أكانت حقيقية أم مجرد برمجة. وللأسف، لم يحظ بالوقت الكافي لفعل ذلك. لم يشعر حتى بتحرك تيزوكو.

في لحظة، كان جالساً قرب الجدول، وفي اللحظة التالية، وقف بجواره مباشرة واضعاً يداً على جبينه. تراجع جوليوس فزعاً وحاول الإفلات. لكن ذراع تيزوكو كانت كصخرة لا تُزحزح.

"هذا هو الفصل الأول. ستتعلم أساسيات خلق قلب مانا، فضلاً عن تعديلات جسدية متنوعة جربتها عبر السنين. لا أرجو منك الشروع في خلق خاصتك الآن، لكن يمكنك الاستعداد. متى بلغت المرتبة الرابعة، سيقوى جسدك بما يكفي لتحمل التغيرات. وما إن تستوعب الفصل الأول، فعد، وسأعلمك الثاني".

ثم، وقبل أن يحاول جوليوس النطق بحرف، وجد نفسه ملقى على الأرض أمام فرايا مجدداً. بدت دماغه هذه المرة كأن أحدهم قشر جمجمته بمقشرة بطاطس ثم هشمها بمطرقة ثقيلة بعدها. رغم ذلك، أدرك أن دماغه حظي بإضافات مثيرة للاهتمام. كأن أحدهم ألقى بحزمة معلومات مليئة بالمعارف والتمارين. بدا أن الفصل الأول استهدف تأقلمه مع العملية العامة. وما شد انتباهه هو أن هذه التمرينات كانت متطرفة...

حقاً. لم تكن لأصحاب القلوب الضعيفة بالتأكيد. وبدأ يدرك سبب عجز أي كان عن اتباع خطى المنتقم الخالد بنجاح.

"أنت بخير؟"، سألت فرايا باهتمام.

أومأ وترنح واقفاً.

"نعم، الكثير لاستيعابه فحسب".

"ماذا قال؟"، سألت.

"أكنت تعلمين أنني سأُسحب إلى رؤية معه؟"، تساءل جوليوس بفضول.

هزت كتفيها.

"إنها وسيلة شائعة الاستخدام عند مشاركة التقنيات وما شابه. تجعل الاستيعاب أيسر. لا يستطيع الجميع استخدامها، وتتطلب جهداً أكبر بكثير، لكن النتائج تختلف كلياً كالليل والنهار. من الطبيعي أن يبذل أحدهم جهداً إضافياً من أجل دليل كتابي خطه بنفسه".

"آه"، تنفس جوليوس الصعداء ودلك رأسه، سامحاً لبعض مانا الشفاء بالتدفق داخله.

لم تفعل الكثير، لكنها أفضل من العدم.

"إذن ماذا تعلمت؟"

"حسناً، مُنحت الفصل الأول فحسب ظاهرياً. إنه مجموعة تقنيات وتمارين تساعدني في الاستعداد للتعديلات التي سأحتاجها مستقبلاً"، أوضح.

"أسيئة هي؟"

كرمش أنفه.

"لا تبدو ممتعة"، اعترف.

"لا بأس. خذ اليوم راحة لاستيعاب المعلومات، ويمكننا التجربة غداً"، قالت له.

هز رأسه. مع إتمام المرحلة الثانية، سيفصلهم أسبوع راحة قبل بدء المرحلة الأخيرة. لم يرغب في إهدار تلك الأيام الثمينة.

"لا، أود التجربة بينما لا تزال طازجة في ذهني. لا داعي للضغط بقوة، لكني أريد استكشاف شعورها على الأقل"، قال لفرايا.

نظرت إليه وتنهدت، مدركة عبثية مجادلته، وعارفة أنه سيذهب لتنفيذها بمفرده على الأرجح.

"حسناً، دعني أجهز بعض الأشياء أولاً، أليس كذلك؟"، قالت له.

أومأ وتابعها وهي تذهب لتجهيز دوائر على الأرض. جهل ما تفعله، لكن استناداً إلى الرونات المعقدة على الأرض، بدت شيئاً لمساعدته. استرخى وشفي صداعه بينما تفحص بعناية طريقة تحكمها بالمانا. أدرك حجم النعمة في وجود اثنين من ذوي المرتبة السادسة يساعدانه كما فعلوا. لم يكن لينوي إهدار لحظة شعور بقدرته على التعلم منهم. وبينما كان يراقبها، شرد ذهنه تدريجياً نحو أمور أخرى. تساءل عن سير البطولة الآن بعد وقوع الحادثة.

وانشغل بمدى مشاركة ما يدور داخل العالم مع العامة. افترض إما حجب الإمبراطورية لمعظمه أو مشاركة أجزاء منه. غير أنه، ومن النظرات التي تلقاها عند مغادرة الملعب، راوده شعور بأنه جلب لنفسه مزيداً من الاهتمام. هز كتفيك؛ لم يكن هناك ما يُفعل حيال ذلك. فلم يعد يتخفى خصوصاً. ومع قوته، صار الأمر مجرد إهدار للوقت والطاقة. كل ما تطلبه الأمر هو إخفاء مهاراته وقدراته الأساسية. وحين جهزت فرايا، أشار إليه للاقتراب وجعلته يجلس في منتصف الدائرة التي صنعتها.

"متى ما كنت جاهزاً"، قالت له.

أخذ نفساً بطيئاً وعميقاً وتلاعب بماناه، متبعاً التعليمات المتروكة في دماغه. بدا الأمر غريباً، كأنه يتحكم بمانا الحياة بطريقة لم يختبرها من قبل. كانت عدوانية ووحشية. كان ينحت مسارات داخل قنوات مانا الخاصة به أساساً. جاء الألم فورياً. فشعر بإحساس لاذع وقاسٍ يجتاح جسده. في المقابل، شعر باندفاع منشط من طريقة تحريك مانا الحياة. أمكنه الشعور بقوة جسده تتصاعد بطريقة لم يعهدها من قبل.

بدت ضئيلة نظراً لكونها المرة الأولى، لكنه لمس وعودها المخبأة. كانت الهالة والطاقة الحركية مصدريه الأساسيين لتمكين جسده، لكن بدا أنه فاته شيء ما. لم تقتصر مانا الحياة على تقوية جسده، بل ساعدت في دعم الطاقتين الأخيرتين أيضاً. العيب الوحيد تمثل في عدم اعتياده عليها، وبدا واضحاً أن هذه الطريقة أخطر من معظم التقنيات الأخرى. للأسف، أدى هذا إلى فقدانه السيطرة على التقنية في نهاية المطاف، فانفجرت ذراعه حين داس مانا الحياة متأخراً بنصف ثانية.

تطاير الدم في كل مكان، ورأى فرايا تهز رأسها بيأس.