لاحظ فوراً أنّ ذكر اسمها لم يُفاجئ آنا. بدت وكأنّها توقعت شيئاً كهذا يخرج من فمه إن كان ولا بدّ.
قال وميل إلى الوراء: "تظنين أنها هي أيضاً".
هزت آنا كتفيها: "ربما. لا نملك معلومات كافية بعد".
أصدر ديريك صوتاً من بجانب جوليوس: "هذا منطقي. بين الجميع، قد تكون هي من لها صلة بالمجلس الأعلى وهي شخصية حديثة وغير معروفة نسبياً".
سأل جوليوس صديقه: "أنت أيضاً؟"
هز ديريك كتفيه: "لا يمكنني الجزم، لكنها مشبوهة قطعاً".
هم جوليوس بقول شيء لآنا، لكن الباب انفتح فجأة ودخل الغرفة أحد أفراد الفئة الخامسة الآخرين ممن كانوا بجانب آنا سابقاً. نظر الرجل، مرتدياً الزي نفسه الذي ترتديه آنا، إلى زميلته.
قال الرجل دون حتى أن يختلس نظرة إلى جوليوس أو أصدقائه: "تحتاجين في مكان آخر يا آنا".
قالت وهي تلوح له ليغادر: "أنا مشغولة هنا يا فرانكين. أخبرهم إما بالانتظار أو تكليف شخص آخر بالأمر".
قال فرانكين بهدوء: "لم يكن طلباً يا آنا. إنه أمر مباشر من العائلة المالكة".
حركت آنا فكها وأخذت نفساً عميقاً وبطيئاً.
قالت وهي تنهض وتلتقط سترتها: "حسناً".
وقالت له: "ابقَ هنا في الوقت الحالي. أريد التحدث معك قبل أن أسمح لك بالذهاب".
هز جوليوس رأسه: "آسف، لا يمكنني البقاء. لدي بعض الأمور لأقوم بها".
ضحكت عليه وابتسمت كأنها مستمتعة: "لم أكن أطلب حقاً. لا يمكنني تركك تغادر قبل أن استجوبك قليلاً".
فسأل عاقداً حاجبيه: "إذن أنا سجين؟"
أشارت أوبري: "مهلاً، لا تنسَ أننا هنا معك".
نظر إليها وأومأ.
وعدل عبارته: "إذن فنحن جميعاً سجناء؟"
ضحكت بخفة: "لا تكن درامياً إلى هذا الحد. هناك متسع كبير لك لترتاح وتستعيد عافيتك. قنوات المانا لديك مجهدة بوضوح، ويمكنك الاستفادة من بعض الراحة. علاوة على ذلك، هناك وجبات خفيفية لذيذة في تلك الخزانة هناك".
أشارت إلى الخزانة الخشبية الكبيرة في الجانب، وتابعت: "أنتم مرحبون جداً بخدمة أنفسكم. أعدكم أنني لن أبطئ".
قبل أن يجادل مجدداً، كانت قد خرجت بخطوات واسعة من الغرفة والرجل الآخر يتبعها. أُغلق الباب بدويّ، وسمع جوليوس أوبري تتذمر باهتعاض.
قالت بعبوس: "لم أكن أتوقع أن تسير المرحلة الثانية هكذا".
لاحظ إدغار بابتسامة عريضة: "هل تفاجأتِ؟ تعلمت أن أي شيء يشارك فيه جوليوس ينتهي عادة إلى حطام".
قال جوليوس وهو يرخي جسده في مقعده: "هذا ليس لطيفاً جداً".
من جهة أخرى، كان ديريك يتجه بالفعل نحو الخزانة حيث قالت آنا إن هناك طعاماً. التقط تشكيلة من الوجبات الخفيفة وناول الجميع منها. أخذ جوليوس الطعام ممتناً. لم تكن كعكة، لكنها كانت شيئاً على الأقل. توجهوا جميعاً إلى الأريكة وانهاروا فوق الوسائد الناعمة. أطلق أتحة من الاسترخاء لنعومة الأريكة، حاساً بها تغلف جسده كعانق دافئ. نظر إلى الأريكة بطمع. تساءل عما إذا كانوا سيمانعون لو سرق الأريكة قبل أن يغادر.
قاطع استرخاءه اصطدام قدمي أوبري بصدره. دفعهما بعيداً.
"أخرجي تلك الأشياء المنتنة من هنا".
قالت مدافعة عن نفسها: "ليست منتنة".
"أهكذا حقاً؟ متى كانت آخر مرة أخذتِ فيها حماماً؟"
قالت بابتسامة فخور: "استحممت، أتذكر".
رفع إصبعاً ثم حطه. كانت محقة، لقد استحممت. لم يدري إن كان ذلك يحسب، لكنه كان دقيقاً تقنياً. حركت أصابع قدميها أمام وجهه، وقبل أن ينقض عليها غاضباً كما لو كان سيرافين، انفتح الباب.
قال جوليوس متلاشياً صوته: "وه، لقد كان ذلك سريعاً—"
وتسمر ناظراً إلى الباب. بقي فمه مفتوحاً حين رأى من كانت هناك. كان شعرها الأبيض الفاتن كما عهدناه دائماً. مع ذلك، ومثلما لاحظ في المرة الأخرى التي رأاها فيها، كان هناك شيء مختلف فيها. لم يستطع تحديد ما هو بالضبط رغم ذلك. وبغض النظر عن ذلك، لم يدري ما يفعل، لذا اكتفى بالتلويح باسترابة لريبِيرا.
قال بفتور عارضاً الطعام الذي في يده عليها: "هلاً. أتريدين الانضمام إلينا لتناول بعض الوجبات الخفيفة؟"
اهتز وجهها الذي حمل ملامح الأميرة المعتادة بأقل قدر ممكن. مع ذلك، كان هذا كل ما تطلبه الأمر لكي ينهار ذلك القناع. ظهرت الابتسامة المشرقة التي بات يعرفها ببطء على وجهها، وسارت نحوه. ولمفاجأته، أخذت طعامه فعلاً وقضمت منه. وقف هناك مذهولاً. لم يتوقع حقاً أن تقبل عرضه. كما أنه أراد أكل ذلك الطعام بنفسه، وندم قليلاً على عرضه عليها. لقد نسى أنها كانت شرهة بقدر دراسل. حين أعادته إليه، لم يبقَ سوى قضمة صغيرة، لا تكفي حتى لقملة واحدة كاملة.
علق قائلاً: "أرى أن شهيتك لم تتغير".
قالت بابتسامة خفيفة وهي تنظر حيث كان الآخرون يتابعون تفاعلهما: "أنت من عرضه عليّ".
قالت ملوحة بخجل: "هلاً".
كانت أوبري أول من تقدم ليحيط ريبِيرا بعناق محكم، ساحبة إياها لتجلس بجانبهم جميعاً على الأريكة.
سألت أوبري: "كنت أتسااءل عما إذا كنا سنحظى برؤيتك. هل كانت عائلتك تبقيك بعيدة عنا؟"
طوت ريبِيرا يديها في حجرها وهزت رأسها: "لا، بل إنهم يدعمون علاقتي بكم. حتى أفراد عائلتي الأكثر عناداً ليس لديهم اعتراضات تذكر. ولا يضرّ أنكم تملكون خلفيات رائعة للغاية".
سأل جوليوس وإدغار في الوقت نفسه: "أنا؟"
ضحكت ريبِيرا: "نعم، حتى أنتُما. مع مدى قربكم من ليلي، وأوبري، وديريك، جمعكم الناس بهم بالفعل".
قال إدغار بتعبير متفكر: "آه".
سأل جوليوس مدركاً أخيراً غرابة ظهورها: "انتظري دقيقة، لما أنتِ هنا؟"
"سمعت أن هناك خطباً ما في المرحلة الثانية. ثم سمعت أن آنا تستجوبك، فنزلت إلى هنا لأرى ما يجري".
سأل ديريك: "أأنتِ من طلب من آنا المغادرة؟"
اعتلت وجه ريبِيرا ابتسامة خبيثة: "ربما".
هز جوليوس رأسه بمرح: "إذن ماذا الآن؟"
ابتسمت وقالت: "حسنأ، تقنياً، من المفترض أن أحصل على بعض الإجابات، لكن يمكننا اللحاق ببعضنا قليلاً قبل أن نخوض في الأمور الجادة. إذن كيف حالكم؟ أشعر كأن الدهر قد مضى منذ أن رأيتكم".
قالت أوبري مهزوزة الكتفين: "أه، أنت تعلم، المعتاد. كدنا نُقتل بضع مرات وما شابه، لذا فالأمر نمطيّ تماماً".
سألتي ريبِيرا حاجبين مرفوعين: "ماذا؟"
"نعم، لكنني ألوم جوليوس. أعتقد أن القدر يريد موته أو ما شابه، ونحن مجرد ركاب معه في هذه الرحلة".
قال جوليوس مقلباً عيْنيه: "هذا غير صحيح".
"أهكذا حقاً؟ إذن ماذا عن الغابة التي لا تُنسى؟"
أشار قائلاً: "لم يكونوا مستهدفين لي أصلاً".
كادت تجادل، لكنها أدركت صحة كلامه فتراجعت.
"حسناً، معك حق. لكن عليك الاعتراف بأنك مغناطيس للمشاكل".
لم يستطع قول شيء يدحض ذلك أيضاً. كان حقيقة.
بدت ريبِيرا مرتبكة لكنها قاطعت تبادلهما القصير الحديث: "حسناً، أيمكنكم إخباري بما حدث؟ لا أود عادة استعجالكم، لكن يبدو أن الوحش الذي هاجمكم لم يكن الحادث الوحيد في العالم".
"ما المشاكل الأخرى التي حدثت؟"
أوضحت: "المصفوفة التي تحافظ على العالم متضررة. هذا يعني أننا لن نتمكن من استخدام العالم كالمعتاد لمدة عامين على الأقل، اعتماداً على حجم الضرر. ما زلنا نقيم مدى سوء الأمر".
سأل جوليوس عاقداً حاجبيه: "ما السيء في ذلك؟ ألا يعني هذا فقط أنكم لن تستخدموا العالم للبطولة وما شابه؟"
أضافت ريبِيرا: "ليس هذا فحسب، بل هناك ميزات وفوائد فريدة نحصل عليها من العالم. بدون الوصول إليه، سنعاق للعامين المقبلين. من فعل هذا كان يخطط له منذ وقت طويل. لقد نجحوا في اختراق دفاعاتنا والتسلل إلى الداخل".
سأل: "وماذا؟ تظنون أنه المجلس الأعلى؟"
"ربما، لكننا نعتقد أن دولاً أو منظمات أخرى متورطة أيضاً".
قال عاضاً شفته السفلى: "هذا سيء".
كان المجلس الأعلى مصدراً كبيراً للإزعاج بالفعل. ولم يرغب حقاً في التعامل مع أطراف مهتمة أخرى. بالحديث عن المجلس الأعلى، لم يتلقَ أي أخبار من إدووين بعد. كان مفترضاً به التواصل مع آل فيوليت أو آل زينيث، لكن لم ترد أي كلمة حتى الآن. كان جوليوس قلقاً من احتمال وقوع مكروه.
قال لها: "لا مأخذ، لكنني لا أعلم كم سأكون مفيداً. قاتلت الكيميرا، لكن بصراحة، لا أملك معلومات ثمينة كثيرة. وبصراحة شديدة، لا أود حقاً ترك عائلتك بذكرى المعركة. لست بحاجة حقاً لأن يحوزوا كل تلك المعلومات الحساسة".
لوحت متجاهلة مخاوفه: "لا تقلق بشأن ذلك. يجب ألا تضطر للإفصاح عن أي معلومات تخص مهاراتك. سأحرص على ألا تفعل. لكن أيمكنك إخباري بما كان عليه الوحش على الأقل؟ كنوع المهارات التي استعملها وقوته العامة؟"
لم يرَ مشكلة في ذلك. لم يكن الشخص الوحيد الذي رأى الكيميرا، ولعل ما عرفه يساعدهم في معرفة من يقف وراء كل هذا، لذا أخبرها بكل شيء تقريباً.
حين انتهى، نظرت إليه بنظرة عدم تصديق وقالت ضاحكة: "ما زلت قادراً على مفاجأتي بطريقة ما".
سأل بارتباك: "ماذا؟"
"الفئة الرابعة قوية بقدرات تجدد؟ يبدو ككابوس مطلق للتعامل معه. وقد تخلصت منه بنفسك؟"
أضاف: "حسناً، كان إسحاق هناك".
ابتسمت وقالت: "يا للهول، كدت أنسى مدى فظاعة قوتك".
هز رأسه وقال لها: "أنتِ من يتحدث. يبدو أنكِ ترقيتِ إلى الفئة الرابعة بالفعل".
اتسعت عيناها بذهول.
سألت متفاجئة: "يمكنك معرفة ذلك؟ كيف علمت؟"
قال بابتسامة خبيثة: "لم أكن أعلم، لكني أعلم الآن".
لم تكن ثقته مطلقة بنسبة مئة بالمئة، لكن هالتها حملت الكثير من العلامات الغريبة. في البداية قلق من كونها محتالة، لكن كلما تفحص هالتها وجسدها عن قرب، أدرك أن شيئاً ما قد تغير في دواخلها. شيء قوي وخطير كان يفور تحت السطح مباشرة.
سألت أوبري بدهشة: "ترقيتِ بالفعل إلى الفئة الرابعة؟"
التفتت ريبِيرا وأومأت لأوبري: "نعم، حين وصلت إلى العاصمة، شعرت عائلتي أنني مستعدة لإيقاظ سلالتي وأجبروني على الترقي. أرتدي رداء يخفيه، لكن كما أثبتَّ أنتَ، لا يجدي نفعاً دائماً".
قال جوليوس بابتسامة تحدٍ: "أتساءل إن كان هذا يعني أنك قادرة على هزيمتي أخيراً".
رأى عينيها تلمعان بمتعة: "صدقني، لقد صرت قوية للغاية. لا أعلم إن كان بإمكانك أنت وكل مهاراتك المحطمة هزيمتي بكل تلك الميزات التي أملكها الآن".
أمال رأسه: "ميزات؟"
ضحكت: "نعم، منحتني سلالتي دفعة قوية جداً حين ترقيت إلى الفئة الرابعة".
شعر جوليوس بتسارع نبضات قلبه قليلاً حين رأى مدى ثقتها. ربما كان عليهما التدرب معاً قليلاً في المستقبل القريب. أراد معرفة ما إذا كانت قادرة على دعم أقوالها بالأفعال. مع ذلك، كانت تلك فكرة لوقت لاحق. أما الآن، فسيستمتع بوقتهم معاً ويقلق بشأن تلك الأمور في يوم آخر.