تحوّل الأمر إلى معضلة كبرى. لم تقتصر المشكلة على حشد من جنود الإمبراطورية، بل ظهرت تنظيمات عدوانيّة أخرى، وبيوت نبيلة، وجماعات مختلفة تستفسر بحدة عمّا جرى. التزمت الإمبراطورية الصمت الحذر في الوقت الحالي. اشتبه جوليوس في رغبتها بالاستئثار بالمعلومات قبل إصدار تقرير رسمي. لكن تسرّب الأخبار إلى العائلات والجماعات كان حتمياً. تلقى جوليوس ورفاقه في هذه الأثناء معالجة على أيدي مُعالجي الإمبراطورية.
لم يشكّ جوليوس في حرصهم الحقيقي على الشفاء. حسناً، ربما بدا هذا الاتهام مجحفاً بعض الشيء. لعلّ التعبير الأدق يقضي بأنّ دافعهم لم يقتصر على العلاج وحده. انكبّ المعالججون، برفقة آخرين، على سبر أغوار جسده وروحه بلا استئذان. حاولوا ذلك على الأقل. لم يمنحهم الفرصة للتوغل طويلاً. حاز ما يكفي من الخبرة لحماية نفسه، أو تقليص حجم المعلومات المسربة في أسوأ الأحوال. غاب تفحص الأجساد عن اهتماماتهم وتحولت الأنظار نحو الأرواح، ولم يتقبل تطفلهم المتمادي.
تصرفوا وكأنهم عثروا على خيط ما خلال مسحهم السريع. جهل كنه الأمر، لكنه شرع في تدبير طريق للهروب مطيلاً النظر نحو مخارج الغرفة. واصل دفع مجسّاتهم بعيداً عنه. أبعدهم مؤكداً سلامته وأنه عالج نفسه بنفسه. تجاها تحذيراته وأصروا على الفحص الدقيق. لمحه واقفاً في الناحية الأخرى، يرسل إشارة مبهمة أحدهم، وضيّق عينيه. بدا وكأن الشبهات تحوم حوله. لم يرغب بذلك، كما رفض إخضاع نفسه لفحصهم.
ضمت روحه أسراراً شتى، ورفض استمرارهم في النبش بعد ما بلغوه. تشبثوا برغبتهم في انتزاع الأجوبة للأسف، وشاهد إحدى صاحبات المرتبة الخامسة تقترب منه ومن رفاقه. خضع الرفاق للمسح مثله، لكن غياب الملاحظات المريبة عنهم دفعهم لتركهم وشأنهم. حدق دريك، وأوبري، وإدغار بجباه مقطبة نحو الاهتمام المكثف الذي يناله جوليوس. توقفَت تلك المرأة أمام جوليوس، وأحس باختبارها لحواسه. بدت يافعة، لكن هالة النضج طغت عليها.
رُبط شعرها البني الداكن بعقدة خلف رأسها، وبدت بذلتها مكوية بعناية. ورغم مظهرها الناضج، تلاحظت تجاعيد دقيقة حول عينيها وزاويتي فمها، كأن الابتسام فارقها نادراً. غابت الابتسامة عن وجهها في تلك اللحظة بالذات. اقتربت منه فرمقته بنظرة جامدة قبل أن تتحول بعينيها نحو طاقمها.
سألتهم بصوت هادئ: "ما المشكلة هنا؟".
أجابها أحدهم: "يرفض خضوعنا للفحص".
ردت بنظرة باردة: "يرفض؟ أنت في المرتبة الرابعة وهو في الثالثة؛ تجاهل دفاعاته وانتهِ من الأمر. أمامنا مهام عديدة ولا وقت نضيعه".
ارتبك المعالج في وقفته.
"أعتذر، سيدتي آنا، لا يمكنني ذلك".
تساءلت ببطء بينما لاحت بوادر نَفاد صبرها: "لا يمكنك؟".
انكمش المعالج على نفسه فرمق جوليوس بنظرة خاطفة.
"إرادته صلبة للغاية. يرفض السماح لي بالدخول".
التفتت آنا، صاحبة المرتبة الخامسة، نحوه أخيراً.
"لماذا تقاوم؟".
حافظ على حيادية تعابيره وأجاب بأقصى أدب ممكن: "لا أستريح لعبث أحدهم بروحي. أنا بخير ولا أبتغي علاجاً. إن كان الأمر لصالحنا كما زعمتم، فلا غضاضة في ذلك".
التزمت آنا الصمت لهنيهات، وجالت بطرفها نحو رفاقه لفترة وجيزة قبل أن تعاود التركيز عليه.
"يبدو أنك استوعبت الموقف نسبياً. أنت محق. لا نسعى لشفاء الأفراد فحسب. نحاول تقصي تورط أحدكم أو منافسيكم في التخريب الذي ضرب الإمبراطورية، سواء أكان عن عمد أم صدفة. ورفضك الخضوع للتحقيق ومقاومتك المستمرة للمجسّات يضعانك في دائرة الشبهات".
بادر دريك بالقول بحزم: "سيدتي آنا، أؤكد لك براءة جوليوس ممّا حدث داخل الحاجز. بل إنه الفضل في خروجنا سالمين. لقد أمسك هو وريفين برايرود ثغرة ضيقة في الحاجز لنتمكن نحن البقية من الفرار".
التفتت آنا ببطء نحو دريك.
"أدرك ولاءك لأصدقائك، أيها الشاب زينيث، لكن هذه مسؤولية إمبراطورية رسمية، ومهما تمنيت الأخذ بكلامك، يجب أن أؤدي واجي".
رغب دريك في الجدال قطعاً، لكن عدالة موقفها ألجمه. لم يجد جوليوس غضاضة فيها هي الأخرى. لقد تفهم دوافعها. فهي في النهاية تؤدي عملها. أعادت بصرها إلى جوليوس.
"من الواضح إذن ترددك في إطلاعنا على روحك وهالتك، وهذا يمثل عقبة. هل ترافقني لمناقشة الأمر على انفراد خشية تسريب أي تفاصيل حساسة؟".
لم يجد الطلب تعسفياً البداية. تمثل هاجسه الوحيد في مدى توافق نواياها مع مصلحته. منحه الظهور في العلن قدراً من الأمان. انعكست أفكاره على ملامحه، فأومأت له برأسها.
أردفت قائلة: "إن أردت اصطحاب أصدقائك معك، فلا مانع لدي. بل سيكون ذلك أجدى للحصول على صورة واضحة عمّا حدث. علاوة على ذلك، ستشعر براحة أكبر برفقة الشاب زينيث".
سخر بنصف ابتسامة: "أتُقرين بأنك لن تقدمي على أي خطوة خشية إغضاب عائلة زينيث؟".
لم تتردد في الإيماء.
"يخشى الجميع إغضاب بيت زينيث. الدوق زينيث ليس شخصاً ترغب في معاداته. مساس الإمبراطورية بحفيده الغالي سيجرّ عواقب وخيمة لا يتمناها أحد".
فاجأه ردها المباشر. التفت لرفاقه مترقباً اعتراضاتهم أو آراءهم، لكنهم رمقوه بانتظار قراره. تنفس الصعداء وأومأ لآنا.
"حسناً، تقَدّمي. لنبرهن لك أنني لست جاسوساً مسلوب الإرادة مرسلاً من دولة معادية".
استبقت الحديث بلا تردد: "ممتاز. وإن كنت جاسوساً مُرسلاً من جهة معادية، فستقتضي مني الأمور تمزيق أطرافك واستخدامها لضربك بها. ولا عبرة حينها بكونك صديقاً للشاب زينيث أم لا"، نطقت ببهجة مبالغة جعلت الأمر مرعباً.
بدت مازحة، لكن قسوة نبرتها أثارت دهشته. *** قادتهما عبر ممر تجاوز العشرات من الحراس المحيطين بالغرفة. ساد المكان هرج ومج، وظهر ممثلوا جماعات شتى محاولين اختراق الحاجز الإمبراطوروي. كانت آنا قد نشرت مجالاً حولهم بالفعل. خمن أنه مهارة تسلل تخفي حضورهم، استناداً إلى انحناء الضوء حول أجسادهم. دلفت الثلاثة أخيراً إلى حجرة خاصة صغيرة زُينت بأثاث أنيق. بدت بمثابة مكتب خاص لشخص ما.
خلعت سترتها، وألقت بها على مسند مقعدها، ثم جلست وهي تلقي بكتفيها بتعب.
حدقت في عينيه بعمق وسألته باتهام: "إذن، سمعت بتورطك في المجمع. أهذا صحيح؟".
سدّد نظرة مماثلة دون أن يرمش. كيف علمت بالأمر؟ لم يعلم بهذه المعلومات سوى قلة قليلة. تقدم وسحب مقعداً لأوبري لتجلس، ثم اتخذ مكاناً بجوارها.
أجاب باختصار: "نعم، هذا صحيح".
"بأي صفة؟".
"خضت مشاحنات قليلة معهم".
"أحتاج لإجابة أشفى".
"لست صديقاً لهم إن كان هذا ما يقلقك. بل حاولوا اغتيالي في الماضي. وإن رغبت في المزيد من التفاصيل، فلن تناليها. ليس مجاناً على الأقل"، قالها بثبات.
أحس بنبضة خفيفة للغاية تصدر من جهتها على الطاولة. بلغت من الضآلة حد إمكانية نسبتها لنبض مانا عادي صادر عن تعاويذ مختلفة. ومع ذلك، بقي عقله في حالة تأهب قصوى منذ معركته الأخيرة. بدت حواسه كلها كأنها تعمل بأقصى طاقة.
سألها غير آبه بإخفاء شعوره: "ماذا كان هذا؟".
رغب في تبادل الصراحة طالما قرر التعامل معها بالمثل. بدت عليها مسحة دهشة للمرة الأولى، لكنها أخفتها ببراعة.
سألت: "ماذا تقصد؟".
خمن باستهانة: "أهو جهاز يكتشف صدقي من كذبي؟".
ضيّقت عينيها وأومأت ببطء.
"أجل. أتفاجأ لإدراكك للأمر. أشار سجلك لتمتعك بحواس حادة، لكنه مصمم ليكون خفياً للغاية".
هز كتفيه، مسروراً بصراحتها حتى الآن، فبادلها جزءاً منه.
"حالفني الحظ، وأعاني من بعض الريبة عقب معركتي الأخيرة".
أومأت برأسها.
"بالتحديد، هذا ما أود سؤالك عنه. تشير المعطيات التي جمعتها إلى انفرادك أنت وإسيز درافن داخل الحاجز وقتالكم للخيمرة. أهذا صحيح؟".
أومأ برأسها.
"أجل، هذا باختصار".
سألته: "أيمكنك تزويدي بشظية ذاكرة للمعركة؟".
جهل كنه شظية الذاكرة، لكنه استاء من وقعها فهز رأسه رافضاً.
"لا، أفضّل ألا تفعلوا".
غيّرت وجهتها غير مبالية برفضه: "أرأيت المتسبب في ذلك؟".
نفى برأسه.
"لا، تلقيت إشعاراً بشأن تداخل ما، لا أكثر".
"ألا تملك أي خيوط أو شكوك حول الفاعل؟".
أجاب بعبوس طفيف: "ليس تماماً"، لكنه لحظ اصدار الجهاز المستخدم لكشف الكذب إشارة مغايرة لما سبق.
مالت للأمام وسألته: "مَن تشتبه به؟".
تنهد وأسند ذقنه على الطاولة.
"شككت في غاريت بالبداية، لكن ردة فعله دلّت على صدمة ورعب حيال ما جرى. إنه إما ممثل بارع، أو أنه جاهل بالأمر حقاً".
"أتظن غاريت غرايسون حليفاً للمجمع؟".
رد دون أن تخدعه سذاجتها المصطنعة: "شككت في ذلك، وأتساءل عن سبب استبعادك للأمر. لو جمعت معلومات عني، لعرفت حتماً عبث بيت غرايسون مع المجمع".
وُجد سبب لتطرقها المبكر للمجمع. الأرجح إدراكها المسبق للنزاع بينه وبينهم واكتفاؤها بطلب التأكيد. ابتسمت دون تأكيد الرابط أو نفيه.
"من تظنه الفاعل إذن؟".
رمقها بنظرة بالغة الجدية.
"لاحظت غياب كيسي فايل عن المغادرة معنا بعد الاختبار".
حدق بها مرتقباً أي رد فعل. وبالفعل، ظهر ما ترقب.