ولد الجائزة. ابتسم بترقب وأحاط النور ساطعاً بيديه. شعث بثقل يحطّ في كفّيه ورفعه إلى عينيه ليتفحص ما قد ناله من جزاء. حين خبا النور استطاع أخيراً تبين الغرض. غير أن ابتسامته تلاشت ببطء وهو يتأول الجلد البالي بين كفّيه.
قال بفتور: "أوه".
سألت إيلين: "أليس ما توقعته؟".
قال بحماسة مصطنعة: "لا لا. إنه رائع".
كان الأمر أشبه بالتظاهر بالاستمتاع بهدية أهداك إياها أحدهم في عيد ميلاد أو مناسبة. لم يدْرِ ما ينتظر، لكنه جزم بأنه لم يكن ينتظر كتاباً قط. راوده أمل ضعيف في الحصول على قطعة نقدية أو ما شابه مما قد يعينه على تحسين سيطرته على طاقة الحياة. ذكر نفسه بأنه لا يستطيع الحكم على الأشياء بمظاهرها، فليتنظر التاج الذي يضعه. انحنى إلى الأمام وأمعن النظر في الكتاب المجلّد بالجلد البالي.
قلبه في يديه ليتفحص العنوان. مبادئ أساسية لقلوب طاقة الحياة وتعديلات الأجساد. خفض بصره فلمح اسم المؤلف بالكاد مقروءاً تحت العنوان. خطه أحدهم يدعى تيزووك شبح الموت الأبدي. اتسعت عيناه ذهولاً حين قرأ العنوان ورفع نظره ببطء نحو السقف.
"أهذا...؟".
"نعم. بخلاف بعض المزيفات والنسخ الموجودة هناك، هذا سجل شخصي لأسس بناء الأجساد وغيرها من تقنيات تعديل الجسد. وتحديداً تقنيات طاقة الحياة، كتلك التي استخدمها تيزووك في مراحل مساره الأولى"؛
شارحت غير أن تعقيداً غريباً ارتسم على محياها لسبب ما. نظر إلى الكتاب بعشق جارف. طالما راودته أفكار كهذه. قرأ روايات شتى لأناس استخدموا تعديلات الأجساد وتقنيات مشابهة. غير أنه لم يجد قط سوى تفاصيل عامة عما فعلوه. لم يعثر على شيْ يذكر كيفية إنجاز ذلك أو نسخه.
تمتم: "أليس هذا جزاء ثميناً؟ ظننتك قلت إنني بالكاد نجحت".
أوضحت: "ليس بالغالي لدى معظم الناس. ليس دليلاً إرشادياً مباشراً لقدراته الخاصة الفعلية. بل هو كتاب استهلالي لمن يستهويه هذا الصنف من الأمور. لن يمثل لأناس سوى قيمة كتاب في تاريخ السحر الزراعي. أما لغيره فهو أغلى من قطعة نقدية من الفئة القصوى".
سأل بفضول: "من كان؟".
"كان من المرتبة السادسة من كورفوس. أظنه ساعد في تأسيس طائفة هناك أيضاً. دعيت طائفة الصفصاف النضر. لا أعلم إن كانت قائمة، لكنه عُرف في أيامه بوظح لا يُقهر".
تعرف جوليوس على الاسم. كان إحدى الطوائف العش الكبرى في كورفوس. اعتقد أنها احتلت المرتبة التاسعة أو ما شابه، لكن ذلك ظل مهيباً. في بلد تتصارع فيه الطوائف كافة لبلوغ المراتب العشر الأولى، أثبتت تلك الطائفة مكانتها كقوة معتبرة. بدا له كتاب لأحد مؤسسي تلك الطائفة كنزاً نفيساً. وقد أفصح لها بذلك.
قالت بوعيد: "لن تكون أول من يحاول التعلم منه".
"ما تعنينه؟".
قالت بجفاء: "حسن... عُرف تيزووك بـ... شخصيته الفريدة".
قطب حاجبيه.
"ما معنى هذا؟".
"لم يلقب بشبح الموت الأبدي عبثاً".
سأل بخشية تحاشي سماع الجواب: "أتقولين إن هذا الكتاب يزخر بالهراء؟".
سمع تنهيدة.
"تعاقب كثر حاولوا التعلم من تعاليمه. لكني أشك في أن أحداً، إن وُجد، نجح في السير على دربه حتى النهاية".
"حسن، لا يبدو هذا مبشراً".
"أجل، تذمر كثر من أن طرقه كانت... همجية وغاية في الجنون".
تأوه جوليوس: "أوه، رائع".
عرضت عليه: "لكن لهذا قد يعجبك".
رمق السقف بنظرة حارقة.
"ماذا تعني هاتيك؟".
"ذكر تيرايدون أنك مأبون بالألم، لذا اخترت لك هذا الجزاء آخذة ذلك في الحسبان".
لعن جوليوس الفتى ذو القرنين في سرّه. غير أنه أدرك أيضاً أن الكتاب يمثل غنيمة حقيقية بحق. ومع أنه قد لا يعني الكثير لغيره، لعله يغدو أثمن شيء استطاع نيله قط. فلم تعد ثمة كنوز كثيرة تثير حماسته بعد الآن. بمهارته الشافية، سيقدر على خوض تجارب بتلك البنى وتعديلات الأجساد بحماس يفوق غيره. وستعينه فرايا إن احتاج عوناً. لذا، ورغم تذمره، لم يكن ساخطاً تماماً. فحسبما احتوى الكتاب على بصائر صيبة، سيقبل هذا الجزاء جذلان.
قال بانحناءة امتنان: "شكراً لك".
قالت المرأة بتهكم: "على الرحب والسعة. لا تحاول الإتيان بما يرد فيه حتى تبلغ المرتبة الرابعة فحسب. لن تقدر على الشروع في تعديلات جادة إلا وأنت في المرتبة الرابعة رسمياً".
عبس جوليوس لسماعه ذلك. لم يعلم بهذا الأمر. لكنه سيسأل فرايا عنه لاحقاً.
قال بانحناءة: "مفهوم".
"جيد، اخرس من هنا الآن".
"هكذا فحسب؟".
"هكذا فحسب".
أطرق جوليوس شفاةه ساخطاً؛ رام توجيه مزيد من الأسئلة التي أعدها. بيد أنه قبل أن يفتح فاه مرة ثانية، اختطف بعيداً.
* * *
وجهة نظر إيلين رمقت الموضع الذي تجسد فيه أحدهم داخل الغرفة.
لاحظ كايثير: "أرى أنك التقيت الفتى. أدهشني قرارك بلقائه شخصياً".
"توجب علي ذلك بعد كل الضجة التي أثارها"، قالت وراحت تشكل جسداً مادياً ببطء.
سوت ثوبها وحدقت في كايثير بنظرة ذات مغزى. هز كايثير كتفيه.
"بدا ممتعاً على الأقل. سمعت صدفة أنه صديق لتلك الفتاة رينيرا التي خاطبتها منذ أمد ليس ببعيد".
أكدت بانحناءة: "أجل".
سأل كايثير: "ممم. ألم ترغبي في عرض شيء آخر عليه؟".
قالت محتدة: "أهناك حاجة؟ أنت من أراد أن يظفر بهذا الكتاب".
لفت منتبهة: "لم أخرق أي قواعد".
قالت عابسة: "لا، لكنك دفعت بالحدود إلى اقصاها قطعاً".
هز كتفيه بلا مبالاة.
"ما كان أحد ليستعمل ذاك الكتاب على أي حال. لقد رقد داخل هذا العالم مدة أطول مما ينبغي".
"لا، لكن ليس مفترضاً بنا العبث بمسارات الآخرين. سيما إن لم يكونوا من سلالة الملوك".
"الأمر كما قلت بنفسك. الكتاب ليس بهذا القدر من الثمن لغالبية الناس. يتطلب في الواقع فرداً فريداً للتعلم منه".
كظمت إيلين رداً لاذعاً بشأن كون الفتى مرشحاً مثالياً للأمر. فقد أدركا ذلك معاً. عاينت مكانته وقدراته. كان وحشاً حاز مهارات ملحمية في المرتبة الرابعة تفوق كل ما شهدته. أكاد لا أسمع بنحو عشر مهارات ملحمية في المرتبة الثالثة، ومهارة شفاء مدعومة بمفهوم العنقاء غدت درباً من الجنون. عجزت عن إدراك كيف صمد جسده أو روحه أو عقله تحت وطأة الضغط الساحق لتلك المهارة حين استخدامها.
بيد أن كايثير أصاب؛ إن استطاع أحد استغلال أساليب تيزووك، فلربما كان هو الفتى. وإن أنجز هذا بطريقة ما، فسيمسي الكتاب أعظم جزاء ناله قط. إنها مجازفة. وإن لم يفعل، فسيكتشف جوليوس سريعاً لم لم يخلف تيزووك أحداً حقيقياً. لقد كان الرجل مجنوناً بحق؛ فلا عجب أنه قضى نحبه محاولاً الترقي إلى المرتبة السابعة. وبحق استحق ذلك.
سألت إيلين كايثير بنظرة أشد جدية محولة الدفة نحو المسألة الأعظم خطورة: "ما وضع الشذوذ؟".
"لا ندري. أرجح أنه ولج بمساعدة الافتتاح الأخير للعالم. لكني أعجز عن تعقبه. لقد بلغ أحدهم مداً أقصى لإخفائه عنا"، قال كايثير عابساً.
عبست هي الأخرى. القدرة على إخفاء شيء عنهما أثناء تواجدهما في هذا العالم تعد مآثراً مهيبة. لم تظن أن كثيرين يقدرون على فعل كهذا. ومن كان خلف هذا الاقتحام فلابد أنه قوي وواسع الاطلاع. تساءلت عما إذا كان الأمر يخص بلداً آخر أو شخصاً يحمل ضغينة ضد الإمبراطورية.
"أخذت الاحتياطات الملائمة؟".
"نعم، حُميت التعاويذ الجوهرية والوظائف الهامة كافة. بيد أنه اعتماداً على ما يفعله الشذوذ، لست أدري مدى جسامة الضرر. لكننا نتحوط للأسوأ".
"جيد، وما بال المشاركين؟ أسيؤمنون؟".
صك كايثير على أسنانه.
"المعضلة تكمن فيما بعد انقضاء الاختبارات. فالحمايات الممنوحة لهم تصبح منتهكة. أظنهم يستغلون الفترة الفاصلة بين ختام الاختبار ومغادرة العالم لصالحهم. وغالباً سيُفعل الجهاز بمجرد فراغ الجميع من اختباراتهم. ولن نقدر على التدخل أيضاً".
قالت بعُبوس عميق: "هذا ما لا أود سماعه، كايثير. ما عسانا نفعل؟".
"لا مندوحة لنا تفعل الكثير. فسلطتنا محدودة بانتهاء الاختبارات. وإن أردنا فعل أي شيء آخر، فسيلزمنا التضحية ببعض الأمور"، قال كايثير بعد هنيهة تفكير.
"افعلها".
"أعلم أنني لسنا بحاجة لشرح ما سيعنيه هذا للعالم، لكن أمتيقنة أنت؟".
"نعم، سأشرح للعائلة المالكة ما استجد. فإن اعترض أحدهم على قراري، فحرّي بهم أن يؤدوا عملاً أفضل في الحيلولة دون وقوع أمر كهذا".
أغمض كايثير عينيه قائلاً: "مفهوم".
أحست به يعيد صياغة عدة تعاويذ يدوياً. قدرتُه على التحكم بخيوط الطاقة التي لا تحصى ومعالجتها بدت مهيبة. لقد أُهّل حقاً لإدارة هذا العالم. وللأسف، غدا حتمياً تلف أجزاء معينة من التعاويذ أثناء العملية. ولربما تفادوا ذلك لو أتيح لهم وقت أطول، لكن هيهات، لم يكن الوقت في صفهم.
"شرعت في العملية. ولن نقدر على وقف تجلي الموقف بأكمله، لكني كفلت وجود حمايات لمن بداخل العالم. وما تبقي فمرهون بهم"، قال كايثير بادياً عليه الإرهاق جراء إعادة صياغة التعاويذ.
"لا بأس. لقد فعلت ما استطعت. والأهم، تمنيت لو تعرف من وراء هذا بأسره. كما أريد استجلاء إن كانت لديهم خطط أخرى. فإن وجت، أود وأدهم قبل استهلالها"، قالت بنظرة حالكة.
بلا الحمايات الممنوحة لهم، سيواجه المشاركون وقتاً عسيراً إن تعرضوا للهجوم. ينبغي للتدابير الوقائية المنقذة للحياة مواصلة العمل بسلام، لكنها خشيت جسامة الأضرار الروحيّة إن قاسوا الموت. ارتجف الهيكل طفيفاً استجابة لاضطرابها العاطفي. لكنها كبحته سريعاً. لم يكن الوقت مناسباً للتعاطف. فالعقلانية والكفاءة حظيتا بالأولوية. لكن إن ظن هؤلاء القوم قدرتهم على العبث بعالمها والإفلات بفعلتهم، فقد أخطؤوا الظن فادحاً.