وجد جوليوس نفسه واقفاً في الظلام، وحيداً تماماً. لا أصوات، لا خيوط مانا، ولا أورا، أو أي شيء يذكر. كأنه كان في هاوية مظلمة. ظل يفكر في الكلمات الأخيرة التي قالها له كايْلثر. ظلت تتردد في رأسه. كان الأمر مربكاً، ولم يعجبه. شعر بشيء من الريبة وقرر التحقيق. كان يمتلك ما يكفي من الخبرة بفضل ليلي. فقد أرتْه بضع حيل دقيقة تحسباً لمحاولة أحدهم التلاعب بعقله. وأكدت له أن عقله سيكون من الصعب اختراقه على أي حال، بفضل مزيج من قدراته وقوته الإرادية.
ومع ذلك، قد يصادف أشخاصاً قادرين على التأثير فيه دون أن يدرك. لهذا السبب أقام مناطق صغيرة لتشير إلى ما إذا كان قد تعرض للتأثير. فكر في الأمر وكأن المرء يضع قطعة شريط لاصق على حافة باب، لمعرفة إن كان أحد قد دخل أثناء غيابه. قالت ليلي إنها طريقة رائعة لكشف الأشخاص دون تطلب مهارة عالية، وبما أنها تقنية بسيطة جداً، فسيتغاضى عنها معظم الناس. قطب جوليوس جبينه عندما وجد أن بعض منبهاته قد تعطلت.
لكنه ارتبك لعدم بدو الأمر سحراً عقلياً أو ما أرتْه إياه ليلي. كان هذا مختلفاً. لم يكن الأمر كأن كايْلثر سيطر على عقله أو مشاعره، على الرغم من ذلك. كان متأكداً تماماً من عدم وجود أي شيء بذلك العمق. بدا الأمر أشبه باقتراح صغير للاستماع إلى كلمات كايْلثر. لكن الآن بعد أن اكتشف هذا المسبار الصغير، بات واضحاً جلياً أنه تأثير خارجي، ويمكنه تجاهله إن أراد. بل إن الاقتراح لم يكن مخفياً بشكل جيد على الإطلاق.
كان في مقدمة عقله مباشرة وكأن الرجل الطويل أراد منه أن يجده. ازداد ارتباك جوليوس وكان سيستمر في التفكير في الأمر لولا الدفق المفاجئ من الضوء الذي أضاء الفضاء المظلم. ظهرت هالة من الضوء الدافئ فوق رأسه، ووجد نفسه واقفاً على منصة مسطحة تمتد على مدى البصر. غير أن ما لفت انتباهه كان المسارات الضوئية المتعددة التي تحيط به، وتمتد في كل الاتجاهات. كانت كلها باللون ذاته، والبريق المتقزح نفسه من الهيكل.
غدا بعض المسارات يسطع أكثر من غيره. لكن هذا كان كل شيء. اقترب أكثر من مسار الضوء الأقرب وركع بجانبه. استخدم حواسه ليرى ماهية هذه المسارات. لم يتلق أي إشعار البطل، وهو أمر كان يأمله. على الأقل شيئاً يساعده في فهم ما يجري.
كان متأكدآ تماماً من أن هذا ما قصده كايْلثر بعبارة "صنع اختيار".
إن فهمه بالشكل الصحيح، سيتعين على جوليوس اختيار مسار ليسير فيه. جعل كايْلثر الأمر يبدو وكأنه قرار مصيري بالنسبة له أيضاً. أحصى عشرة مسارات في المجموع، لكنها بدت متطابقة تماماً، فكيف سيختار إذن؟ لم يرى مؤقتاً أو أي شيء، لذا اعتقد أنه لا يوجد حد زمنتي. يعني ذلك أنه يستطيع أخذ وقته والتحقيق في هذه المسارات عن قرب. إن كان قراره مهمآ حقاً إلى هذا الحد، فإراد التأكد من اتخاذه القرار الصحيح.
صنع كرسياً من المانا وجلس بجوار مسار عشوائي. نبض الضوء برفق ذهاباً وإياباً عبر الممر. أخذ نفساً عميقاً ووجه كامِل انتباهه نحو حواسه. دخل في غيبوبة تأملية وحاول استشعار أي شيء يمكنه التقاطه. طوال الدقائق القليلة التالية، لم يقدر على التقاط شيء، لكنه لم يستسلم. لا بد أن هناك شيئاً هنا يعتمده. لم يعتقد أن هذا الاختبار سيمنحه خياراً عشوائياً يعتمد على الحظ الأعمى. جعل كايْلثر الأمر يبدو بالتأكيد كاختيار.
ولم يبدو اختيار مسار واحد من بين عشرة عمياء خياراً جيداً بشكل خاص. لذا يعني ذلك وجوب وجود شيء يمكنه ملاحظته. سمح لعقله بالتلاشي في الخلفية وترك نفسه ينجرف. *** شعر بشيء يصطدم بمؤخرة رأسه. انتفض مفزوعاً وفتح عينيه مع شخير خفيف. تلفت حوله بقلق. مسح اللعاب عن فمه والأوساخ عن عينيه. حسناً، كان ذلك محرجاً بعض الشيء. كان يحاول الدخول في غيبوبة عميقة لدرجة أنه غط في النوم عن طريق الخطأ بدلاً من ذلك.
لحسن الحظ، بدا أنه لا توجد عواقب لذلك. لا تزال جميع المسارات موجودة تماماً كما كانت من قبل. ومع ذلك، نظر حوله. ما الذي ضربه؟ لم يستشعر شيئاً. لن يتفاجأ لو كان كايْلثر هو من ضربه. هز جوليوس كتفيه ومد رقبته. لم يكن يعري كم من الوقت قضى نائماً، لكنه كان بحاجة ماسة لتلك الغفلة الصغيرة. لم يكن ينام طويلاً طوال الأسبوع الماضي، وكانت الراحة ممتعة. تثاءب ومط ذراعيه إلى الأعلى.
بعد ذلك، أخرج شطيرة صغيرة من كنزه المربوط بروحه. كان قد حاول إزالة شيء ما من خاتم تخزينه مسبقاً، لكنه عجز عن ذلك. ومع ذلك، لسبب ما، استطاع الوصول إلى صندوق طعامه. ربما لأنه كان مرتبطاً بروحه، لكنه لم يكن ليشتكي. يعني ذلك قدرته المستمرة على تناول بعض الطعام. من الواضح أن ما كان يفعله لم يكن مجدياً، لذا احتج إلى تغيير شيء ما. في هذه الحالة، لم يكن هناك ما هو أفضل من الجلوس وتناول وجبة.
كان يمضغ شطيرته بينما فحص الممرات مرة أخرى. اتضح أكثر فأكثر حاجته لاختيار مسار واحد. ومع وجود عشرة منها أمامه، كان الاختيار صعباً. تنهد وسمح للإحساس المهدئ للطعام المشبع بالحياة أن يسري فيه. لم يلاحظ حقاً في ذلك الوقت، لكن الجرعة التي أجبره كايْلثر على ابتلاعها عملت بشكل جيد للغاية. بالكاد لاحظ جوليوس عملها، ولكن على عكس المرات السابقة التي أجهد فيها روحه، لم تكن هناك أي علامات تلف.
في الواقع، اعتقد أن روحه كانت في حالة أفضل مما كانت عليه منذ فترة. منح الطعام من صندوق طعامه الجرعة دفعة إضافية أيضاً. توقف فجأة عن المضغ. في تلك اللحظة الضئيلة عندما كان مركيزاً على طاقة الحياة من طعامه، شعر بشيء يقرص حواسه. رفع رأسه ونظر إلى الممرات المتنوعة أمامه. ابتلع طعامه وأخذ قضمَة كبيرة أخرى. لم يكن يدري إن كان مصاباً بالفصام، لكنه أقسم أنه شعر بشيء ما. لصدمته، شعر بتلك الرنينة نفسها مرة أخرى.
كبح حماسه، وتتبع هذا الشعور بعناية وربطه في النهاية بمسار كان عند الساعة التاسعة خاصته. بدا مشابهاً للبقية، لكن الآن بعد أن أجرى هذا الاتصال، استطاع رؤية اختلافه. كأنه كان يراه في ضوء مختلف تماماً. كانت هناك ومضات خافتة لمفاهيم الحياة تنبعث منه. وتألقت منه دفعات نابضة بالحياة والحيوية. أثبت له رؤية ذلك وجوب امتلاك المسارات الأخرى لسمات قابلة للتمييز بالمثل، لذا، وبشعور أكثر ثقة فيما كان يفعله، فحص المسارات الأخرى بسرعة.
الآن بعد أن عرف ما يبحث عنه، أصبح الأمر واضحاً. لم يكن لديه أدنى فكرة كيف لم يره مسبقاً. إن اضطر لمقارنته بشيء، فكأنه يغير الترددات إلى مهارة إدراكه، إلا أنه هذه المرة غير حواسه الأخرى. لم يكن الأمر سهلاً، وكانت الأحاسيس التي تغذيه صعبة الفرز، لكنه اكتشف بعض المسارات في النهاية. أو ما شعره تلميحات مهمة لما قد تخفيه. حملت كلها سياقاً موحداً. على سبيل المثال، كان للأول علاقة بمانا الحياة.
تضمن آخر بعض تلميحات لمانا النار، أو شيئاً مشابهاً جداً. لم يستطع الجزم بأنه نار، لكنه بدا ساخناً عند اللمس. وُجد مسار شعِ كأن سيفاً ينزلق صعوداً وهبوطاً عبر حواسه. بدا الحفز كأنه على وشك تقطيعه في أي لحظة. استمر في فك رموز هذه المسارات. كان أحدها مرتبطاً على الأرجح بمفهوم القوة خاصته. كانت الأصداء التي شعر بها مشابهة جداً لمفهوم القوة الرنانة خاصته. كانت عدة مسارات أخرى غريبة جداً.
استطاع فهم الارتباط الذي تجمع بعضها به. امتلك ألفة النار والحياة والحركة. وكان مفهومه الأول أيضاً مفهوم حدة. ومع ذلك، لم يدرك ما تفعله بعض هذه المسارات الأخرى. شعِ أحدها إسفنجياً ووثيراً. كانت تلك أفضل طريقة لوصفه. لم يكن لديه فكرة عما قد يمثله هذا المسار. شعر آخر بوجود نوع من الارتباط بالماء. لم تكن لديه ألفة للماء، والصلة الحقيقية الوحيدة التي تربطه بالماء كانت تلك التي تجمعه بسيرافين.
ربما كان ذلك سبب تقديم هذا المسار. وُجد عدد قليل من المسارات الغريبة الأخرى التي لم يعرها اهتماماً حقاً. بدت... غريبة. غير أن هناك مساراً واحداً لفت انتباهه حقاً. كان هذا الأصعب في معرفة ما يمثله. لكن لحسن الحظ، ساعده تاجه في ذلك. سحبه تلك القطعة المعدنية السادية الصغيرة من شعره أساساً حتى أصبح أمامه. أدرك حين نظر عن قرب حقاً أن هذا المسار له صلة بأوراه المدمرة. بمجرد إجرائه هذا الاتصال، غمره الإحساس الكامل بالمسار.
كان مغلفاً تماماً بالنار والدمار. والأهم من ذلك، ما لفت انتباهه هو حجم القوة الهائلة التي شعِ بانبعاثها من مساره. من بين كل المسارات، بدا هذا الأقوى. كاد يخطو على هذا المسار قبل أن يتمالك نفسه. لكنه انتزع نفسه إلى الوراء. احتاج إلى إعادة تنظيم نفسه، وأزال بسرعة بعض المسارات التي لم يكن يهتم بها أو لم يعتقد أنها ستكون جيدة له. بعد قيامه بذلك، بقي مع أربعة مسارات. مسار الدمار، ومسار النار والحرارة، ومسار القوة، ومسار الحياة.
فكر في النظر في مسار الحدة، لكن في نهاية المطاف، لم يكن شغفه مع الحدة. كانت فائدة لطيفة، لكنه لم يكن سيافاً. كان شبيه بمطرقة فظة. بعد بعض التفكير، أزال مسار النار والحرارة أيضاً. شعر أن مسار الدمار تعامل مع ذلك بشكل جيد للغاية؛ ومن المحتمل أيضاً أن يتوافق بشكل أفضل مع مهاراته الحالية وتاج لهيب الدمار. فكر في مسار القوة. كان جذاباً جداً له حقاً. الشيء الوحيد الذي أقلقه هو كين.
كان جوليوس قد وعد كين بالفعل بأنه لن يفعل أي شيء بقدراته الحركية دون مدخلات كين المباشرة. وشمل ذلك تطورات المهارات والمفاهيم. لم يدري جوليوس إن كان هذا مهمآ لهذا الاختبار. لكن بالنظر إلى ما كان يشعر به من هذه المسارات، كان احتمالاً قائماً بالفعل. لذا مع عبوس حزين، تخلى عن مسار القوة أيضاً. ومع ذلك، لم يكن منزعجاً للغاية. كان لا يزال يمتلك أحد الاستخدامات الأساسية للطاقة الحركية لتدريبه، لذا لم تكن خسارة كبيرة.
ترك ذلك مسار الحياة ومسار الدمار. كان كلاهما جيدين في رأيه. قد يساعده مسار الحياة في أن يصبح آلة قتل أكثر مرونة. لكن مسار الدمار كان الأقوى بفارق كبير. طغى الوزن الهائل للمسار على المسارات الأخرى، بما فيها مسار الحياة. وكان أيضاً الأكثر سطوعاً. بصراحة، حسم ذلك أمره، وتقدم ببطء نحو مسار الدمار. ومع ذلك، قبيل خطوه لتلك الخطوة الأخيرة، شعِ بذلك المسبار الصغير الذي وضعه كايْلثر في عقله يرن لعدة مرات متتالية.
جعله ذلك يتجمد في مكانه، وتذكر جوليوس الكلمات الأخيرة التي قالها له كايْلثر. أخبر جوليوس أن يجد التوازن. التوازن. بدا الأمر وكأن موجة من الهدوء غمرته. في تلك اللحظة فقط أدرك أن التاج الذي على رأسه كان يضيء بلون أزرق ساطع. كانت الجمرات تحتدم من المعدن كأنه مفعل. كان بإمكانه الشعور فعلياً بحماس التاج عندما كان على وشك الخطو على مسار الدمار. انقض على روحه واستخدم مهارة تركيزه لتهدئة نفسه.
لكم رأسه، شاهراً عرقاً بارداً على ظهره. لم يدري كيف حدث ذلك، لكن التاج بطريقة ما كان يؤثر على مشاعره وعقله. كان خبيثاً ودقيقاً لدرجة أنه لم يكتشفه على الإطلاق. لولا هدية كايْلثر الصغيرة، لما فعل ربما على الإطلاق. أدرك الآن فقط أن قراره باختيار مسار الدمار جاء في المقام الأول من التاج. أو بالأحرى، كان يتغذى على رغبته الخاصة.
"أيها اللقيط المخادع"، رفع نظره وتمتم للتاج.
أقسم أنه شعِ وميض التاج استجابة لذلك. بدا تقريباً كأنه يتأفف لعدم نجاح خطته. لم يمنحه المزيد من الوقت لمحاولة التأثير عليه، وقبل أن يتسنى له حتى النظر إلى مسار الدمار مرة أخرى، خطا على مسار الحياة. في اللحظة التي فعل فيها ذلك، شعِ بنفسه يُسحب بعيداً.