[أسلحة الغموض: المستوى 20 -> المستوى 21]
[إدراك مكاني مطلق: المستوى 13 -> المستوى 14]
[تحصين الروح: المستوى 8 -> المستوى 9]
سُرَّ يوليوس برؤية مستويات مهاراته ترتفع هكذا. كان ذلك دليلاً قاطعاً على صواب قراره بمواجهة ريفن. ثلاثة مستويات لم تكن الحصيلة الكبرى التي جناها من معركة قط. لكن بالنظر إلى كون الخصم من الفئة الثالثة. فقد بدا الأمر أكثر إثارة للإعجاب. لم يحظَ بفرصة لتأمل مهاراته للأسف. بينما استعاد هو ورفاقه بعضاً من قدرتهم على الاحتمال، التفت نحو مدخل المعبد. لم يسرّه ما رأى. بعد تصفية الوحوش، تناقص عدد الواقفين بشكل ملحوظ.
رأى كثيرين منهم يرزحون تحت الضغط فيهربون إلى مكان ما. ووجد غيرهم جثثاً هامدة على الأرض. عنى هذا أن غاريث وجماعته قد فرضوا سيطرتهم بغتة. اعتقد يوليوس أن هذا دبر بليل ضمن خطة غاريث. لم يدرِ كيف تنبأ سليل غرايسون بوقوع هذا الوضع. لكن تجمّع الجماعات العشوائية سابقاً حال دون إقدام غاريث على أي خطوة حاسمة. باتت المقاومة الآن أضعف بكثير. كان على يوليوس أيضاً وضع حقيقة تكاتف جماعة غاريث في الحسبان.
في مقابل تشتت الجماعات الأخرى وتكوّنها من أفراد بلا غاية مشتركة.
سأل يوليوس ريفن: "أكان هذا جزءاً من خطته؟".
أجاب ريفن: "نجل، بدا غاريث واثقاً تماماً من وقوع أمر يقلص أعداد المتنافسين ويمنحنا الغلبة بعد ذلك".
أومأ يوليوس. حوّل انتباهه عن غاريث ليرمق الكيان الغامض الطافح في السماء، الواقف بلا حراك تام. لم يكن الوحيد الفاعل هكذا. جلّ الحشد الباقي كان يحدق في هذا الشخص مترقباً ما سيقوله أو يفعله. بدا التوتر جلياً على بعضهم. لعلهم تمنوا فقط ألا يطلق هذا الكيان فوجاً آخر من الوحوش. لم يكن يوليوس ليمانع حدوث ذلك. شعر وكأن قتاله مع ريفن حرمه من نيل نصيبه الكامل من الحماس. لاحظ إرهاق الكثيرين.
الوحيدون الذين بدوا نشطين حقاً هم أفراد جماعة غاريث. انقضت خمس دقائق تقريبا والرجل الطافي ساكن لا يتحرك. لكن، لارتياح يوليوس والكثيرين سواه، تحرك الرجل أخيرًا. راقبوه جميعاً بأنفاس محبوسة حين توقف الكيان أمام الأبواب المشرعة. احتوى الضوء المتلألئ المنساب من العتبة على جمال براق. تقدم الناس بالفعل خطوات إلى الأمام، متلهفين لاجتياز العتبة. لكنهم أحجموا. تذكر الجميع كيف أذاب الرجل أولئك الذين مسوه من قبل.
لم يرغب أحد في تجربة المصير ذاته بارتكاب خطأ مماثل. هبط الرجل الملتحي ذو الهيئة الملائكية ببطء نحو الأرض وتفحص جمع الحضور بعينيه قزحيتي الألوان. انبعث ضغط خفيف لكنه شديد، وشعر يوليوس بتصاعد التوتر.
ناداى الرجل بصوت يحمل ذات النبرة الشجية والملولة كالسابق: "حسنناً، يبدو هذا العدد أفضلا".
أردف الرجل وهو يهز كتفيه قبل أن يستدير ليلج الداخل: "من يملك خمس رموز فليتقدم للداخل. أما من لا يملكها ويرغب في المحاولة على أي حال، فليقحم نفسه على مسؤوليتة الخاصة. ستتمزقون أرباً غالباً قبل أن تطأ قدمكم الداخل".
كأن إشارة انطلاق قد أُعطيت، ورمق يوليوس الجميع وهم يهرعون صوب المدخل. لكن، وكما توقع تماماً، شاهد يوليوس جماعة غاريث المصغرة تتدخل لإعاقة تقدمهم قبل بلوغ المبتغى. انهالت هجمات منسقة واسعة النطاق على القادمين. نُشرت حواجز ودروع ضخمة في اللحظة المناسبة، لتصد الهجمات.
صاح أحد المهاجمين: "بحق الجحيم، ما الذي تظنون أنكم تفعلونه؟! "
صرخت فتاة أخرى: "نعم! ما مشكلتكم؟! "
هتف رجل خشن الملمس بمطرقة ضخمة متدلية فوق كتفه باستهزاء، وقد تردد صدى صوته عبر الميدان بأسره كأنه يتحدث عبر مكبر صوت: "أتفاجأون حقاً؟ ظلت عائلة غرايسون زاخرة بالحقراء عديمي الشرف على الدوام. هذا تماماً ما اعتادوا عليه. جمع غاريث الجبان حفنة من الأتباع الحقراء للتحكم في من يحق له دخول الاختبار، والتحكم في النهاية بمن يعبر إلى المرحلة الثالثة".
التفت يوليوس نحو ريفن الذي بدا متأففاً بعض الشيء من ذلك التعليق. لم يلم يوليوس ريفن على غضبه؛
فمن الناحية التقنية، لا يزال ريفن جزءاً من جماعة غاريث ومصنفاً مع أولئك "الأتباع الحقراء".
دوى جوقة من الأصوات الغاضبة عبر الميدان. ثم اخترق ضحك صاخب الضوضاء كسيف حاد النصل.
"لماذا تتذمرون أيها القوم؟ هذا مذهل! بات بإمكاننا القتال أكثر!"
استدار الجميع في آن واحد نحو مصدر الصوت؛ بل وحتى جماعة غاريث حولت انتباهها نحوه. في المقابل، شعر يوليوس بقشعريرة تسري في عموده الفقري. انتابه شعور بأنه سمع هذا الصوت من قبل. أدار رأسه ببطء وتقطب وجهه انزعاجاً حين تبين له الشخص المنشود. هيئة ضخمة طغت على كل من حولها. إسحاق، الشخص الذي واجه يوليوس في الممر، كان صاحب الضحكة. ظل لغز كيف يكون هذا الفتى في نفس عمر البقية أمراً غامضاً تماماً بالنسبة ليوليوس.
بدا الرجل كمن بلغ الثلاثين من عمره، حتى بالاعتبار أن البشر يتقدمون في السن ببطء وأن من بلغوا الثلاثين قد يكونون في مئوية عمرهم. بدا جلياً أنه لم يكن الوحيد الذي تعرف على إسحاق. سمع همهمات من الحشد وحتى همسات قلقة من جماعة غاريث. لم يبدُ عليهم الحماس حيال قتال إسحاق. تعرف أكثر من شخص على إسحاق من خلال الأصوات ولم يترددوا في الصياح في وجه ذلك الصاخب.
"أخرس أيها المهووس بالقتال. لست كلنا قادرين على القتال لأسبوع متواصل أمثالك!"
صرخت فتاة بعدوانية: "نعم، ابق بعيداً عن هذا أيها الوحش الضخم! ستزيد الأمور سوءاً".
من جهة أخرى، أبدى يوليوس اهتماماً بالغاً بمعرفة كيف ستؤول الأمور. كان يجهز مانا الخاصة به للمواجهة الوشيحة بالفعل. حرص على الاطمئنان على رفاقه. جعل دراسيل يشفيهم مسبقاً، واستعادت خزانات المانا الخاصة بهم عافيتها في الغالب. لقد أبلوا بلاءً حسناً في اقتصاد استهلاك المانا. كان ذلك تبايناً صارخاً مع قتالهم في الغابة التي لا تنتهي. عُرضت هالة إسحاق بالكامل بالفعل، ضاغطة باستبداد على الجميع في الجوار.
لم تفرق الهالة بين أحد؛ إذ حاولت السيطرة على كل شيء. اتسعت ابتسامة إسحاق لدرجة ظن معها يوليوس أن زوايا فمه ستتمزق. غير أنه، وبينما كان التوتر المتصاعد على وشك بلوغ ذروته، ظهر الرجل الملحي مجدداً. هذه المرة، خلت ملامحه من الملل. بدا الرجل منزعجاً الآن. وتوجه انزعاجه صوب الحشد الضخم الذي كان يعترض المدخل.
قال الرجل بصوت هادئ بشكل خطير: "من تظنون أنكم؟".
مع ذلك، لم يفوت أحد ما قالته ششفتاه. انبثقت دفقة من الهالة من الرجل، لتسقط الحشد المحيط بأسره على ركبهم. كان الأمر وحشياً وقوياً بشكل لا يوصَف. لم يختبر يوليوس قط شيئاً مماثلاً في حياته. بالكاد استطاع حفظ توازنه واضطر لاستخدام كل إرادته والتحكم بهالته لإبقاء الضغط بعيداً. استنشق الهواء بصعوبة بالغة؛ وشعر وكأن قايين يعصر صدره بيديه العاريتين.
توهجت عيناه قزحيتا الألوان بخطور، وامتزج صوت الرجل بعدم التصديق: "أتظنون أنكم تملكون الحق في التحكم في من يدخل الاختبار ومن يمنع؟".
انزلق ببطء نحو الحشد الضخم الجاثي أمام الباب ناظراً إليهم بازدراء.
"ألا تظنون أني لم ألمس سحر التنجيم الخاص بكم وهو يحاول استباق ما سيحدث؟ أترونني بهذه الغباوة؟".
تحول الذهول ببطء إلى غضب حقيقي. اجتاحت موجة أخرى من الهالة الميدان، مضاعفة الضغط على الجميع. طرح الناس أرضاً، ومرغت وجوههم في التراب بينما كانوا يصرخون من شدة الألم. بدأ بعض أصحاب الإرادات الأضعف ينزفون من منافذ وجوههم، بينما ظل بعضهم الآخر ساكناً تماماً. شعر يوليوس باختفاء الألوان كافة من العالم بينما تمسك بعقله بيأس شديد. سقط على ركبتيه وصك على أسنانه محتملاً الألم.
لم يكن الألم بمستوى قساوة التاج، لكن القوة التي لمسها من هذه الهالة كانت أكثر حدة بكثير. شعر بعجز تام بينما شل هذا الضغط حركته. حدق بغضب في الكيان الذي استمر في الكلام.
"لقد استطعتم استخدام السحر لأنني سمحت لكم بذلك. غروركم يزعجني، ولولا القواعد لكنت قتلتكم جميعا بالفعل".
القواعد؟ ماذا تقصد بالقواعد؟ لقد رأينا للتو العشرات منهم يتبخرون قبلاً، صرخ بها في قرارة نفسه. اختنق يوليوس فجأة في لسانه، وتصاعد الضغط بشكل أكبر. أدرك سبب هذا الارتفاع سريعاً. وجد نفسه فجأة تحت نظرات الرجل الطافي الحادة. شعر وكأن عينيه قزحيتي الألوان تخترقان أعماق روحه.
صرح الرجل، وإن بدا كمن يخاطب يوليوس مباشرة: "قتلت من سبقوا لأن أحدهم تجرأ ولمسني".
سأل يوليوس نفسه: اللعنة، أيمكنه قراءة أفكاري؟ لم يرد الرجل هذه المرة، لكن يوليوس راقب بقلق عندما بدأ الرجل بالطفو ببطء نحو موقعه. ظل يوليوس جاثياً على ركبة واحدة، مصارعاً للوقوف، حين حط الرجل قرب يوليوس أخيراً. وقعت نظراته الحادة عليه، ليتضاعف الثقل على روحه بشكل أكبر.
تمتم الرجل هامساً: "يا له من عزم".
مال للأمام حتى كادت أنوفهما تتلامس. تجلت الفطنة والتسلية على محياه. تبايناً شاسعاً مع الانزياح الذي أبداه سلفاً. فقط حينها استغرق وقتاً ليتلفت نحو الآخرين. لمصلحته المفاجئة، كان الشخص الوحيد الذي لم يكن يزحف على وجهه. حتى إسحاق، ذلك الوحش الضخم، كان يطلق صرخات مصرّحة وهو يحاول النهوض دون أن يفلح. ربما في يوم مختلف، أو مع شخص مغاير، شعر يوليوس ببعض الفخر إزاء إنجازه.
لكن، ومع استمرار تصاعد الضغط وصراع روحه للبقاء، أخذ يتيقن من أن نيل اهتمام هذا الرجل أمر سيء.
سأل الرجل بنبرة مشؤومة بينما واصلت هالته مطرقة يوليوس: "إلى أي مدى يمكنك الذهاب؟".
كان الثقل باهظاً بالفعل، واضطر يوليوس لافتعال انفجار صغير داخل روحه لتخفيف بعض الضغط. التقط أنفاساً لاهثة في جزء من الثانية من الراحة التي أوجدها ذلك، لكنه تعرض للهجوم مجدداً بسرعة. ما سر هؤلاء الذين يبرحونه ضرباً بهالاتهم؟ ألم يستطيعوا تعذيبه بالطريقة التقليدية وحسب؟ فضل ذلك كثيراً في هذه المرحلة على عذاب الروح هذا.
سأل الرجل، وعيناه تلمضان بفضول حين أحس بتقنية انفجار روح يوليوس: "ماذا كان ذلك؟".
حاول يوليوس الرد، لكنه لم يخرج سوى بكلمات مموهة مبهمة. أحب هذا الشخص في البداية لأنه أهان غاريث ومنع الجماعة من إيقاف الآخرين عن دخول المعبد. لكنه غير رأيه بسرعة. كان هذا الرجل مجرد لقيط. لقد كان يوليوس ليخبره بذلك بشتى الطرق الملونة، لكنه للأسف شارف على بلوغ نقطة انهياره. استطاع احتمال الألم، لكنه عجز عن فعل شيء حيال الثقل الانهياري على روحه. بدا الأمر كمن يحاول إيقاف جبل يهوي من السماء.
عصر عينيه بإحكام وأطلق زئيراً، دافعاً بهالته بكل قوة ممكنة. حاول ابتكار تقنية تحاكي تقنية انفجار روحه، لكنها تضمن إزاحة الضغط نهائياً. للأسف، لم يفلح الأمر، وكل ما جناه كان إلحاق المزيد من الأذى بروحه فحسب. بلغ حد انهياره وكاد يهاجم هذا الشخص. أدرك احتمالية قتله بمجرد تلويحة من يد الرجل. لكنه سيموت على هذه الحال على أي حال.
ضحك الرجل قائلاً: "آه، ها هو ذا. أرجوك، جربه. أرجوك امنحني عذرًا لأقتلك".
صرخ يوليوس وفجر روحه مرة أخيرة، محدثاً فرجة كافية ليتمكن من جمع وحياكة بعض المانا. استغل كل ما أوتي دون أي كبح. كان [ضربة الفراغ] جاهزاً، وسحب قبضته إلى الخلف. ارتسمت على وجه الرجل الملتحي ابتسامة متحمسة وهو يرمق الجبضة، دون تكبد عناء التحرك جانباً. لم يعبأ يوليوس بالموت هنا، ولن يسمح لهذا اللعين بالتمرّد عليه هكذا. كان ذلك مرفوضاً تماماً، لذا أعد نفسه. لكن، قبيل تسديد لكمته للرجل، غمرته قوة مفاجئة.
اختلفت كلياً عن تلك التي خبرها مع صاحب العينين قزحيتي الألوان. دافئة ومنشطة. والأهم من ذلك، محت هذه القوة الجديدة أي ضغط هالة استخدمه الرجل على يوليوس. شعرت روحه بخفة الريشة بعد زوال ثقل العصر. ولم يسمع إلا حينها صوتاً ينادي من خلفه.
"هذا يكفي تماماً، كاديوس".