كان جوليوس متقدّماً في القتال. ضغط بقوة جعلت ريفن يتراجع ببطء. لا أهمية لعدد التعاويذ أو المهارات التي يستطيع الساحر إطلاقها دفعة واحدة ما دام جوليوس لا يترك له المجال. أمطره بالضربات تلو الضربات بلا انقطاع. لم يكلف نفسه حتى عناء استخدام تاجه المدمر. لم يكن ذلك الشيء سوى عقبة تبطئه وتحدّ من عدد هجماته. الكمّ كان أنفع في تلك اللحظة من الكيف. أدرك سريعاً أنه على الرغم من مهارة ريفن وموهبته كلتيهما، ثمة نقطتا ضعف كبيرتان يمكنه استغلالهما.
أولاهما عجز ريفن عن توظيف قدر أكبر من الطاقة في آنٍ واحد. واجه جوليوس هذه المشكلة أيضاً، لكن بطريقة مختلفة قليلاً؛ إذ عجز ريفن عن فعل ذلك لأن جسده لم يكن قوياً بما يكفي لاحتمال كل تلك الطاقة دفعة واحدة، بينما عانى جوليوس الأمر ذاته لعدم اعتياده على استخدام كميات هائلة. تجاوز هذه العقبة شيئاً ما بالمراسسة الدؤوبة وإدخال قدرات أخرى ضمن أسلوبه. إحدى تلك القدرات كانت تحصين الروح، وهي مهارة ساعدت في تقليل الحاجة إلى كميات ضخمة من الطاقة مع تعزيز القوة الإجمالية لتراكيبه.
حقق إضافة الطاقة الحركية نتيجة قريبة من ذلك أيضاً. أما نقطة الضعف الأخرى عند ريفن فتمثلت في افتقاره إلى الحسم أثناء المعركة. لا غبار على خبرة ريفن ومهارته القتالية، لكن غريزة القتل التي يربطها جوليوس عادة بالمقاتلين وعناصر الخط الأمامي كانت معدومة لديه. لهذا السبب استغرق ريفن وقتاً أطول من المعتاد لصياغة هجوم أو ردّ إن باغتنه أمر ما وعجز عن الالتزام باستراتيجياته المعتادة.
ظنّ جوليوس أن مواجهته القادمة مع ريفن ستكون مختلفة، وأن خصمه سيحضر العشرات من الخطط البديلة للتصدي لمهاراته. لكن نظراً لكون هذه معركتهما الحقيقية الأولى، لم يكن ريفن مستعداً لترسانة القدرات التي يملكها جوليوس. والحق يققال، كان الاستعداد أمراً عسيراً حتى مع المعرفة المسبقة، نظراً لتعدد خيارات جوليوس الهائلة. في هذه الأثناء، واصل ضغطه بلا هوادة. بفضل ذلك، استطاع جوليوس ضرب الساحر بهالته من حين لآخر.
كان قد اعتاد الأمر وتملّك إرادة صلبة ومذهلة، ممّا حدّ من تأثير الضربة، لكنها ظلّت فعالة في إرباك أي محاولة للهجوم المضاد. قال ذلك، لكنه شعظ فجأة بتدفق هائل للطاقة يجري شحنه داخل جسد ريفن. تيقن جوليوس من أن هذا الهجوم ليس مما ينبغي السكوت عنه، فرفع حدة هجماته وقطّب جبينه حين استعمل ريفن مهارة الانتقال الآني للفرار. كوّن جوليوس فكرة واضحة عن طريقة عمل المهارة، فتمكن من تتبعه وأطلق نحوه مسبقاً أكثر من عشرين رمحاً نحو الموقع المتوقع لوصوله.
بيد أن المسافة كانت أبعد من أن تبلغها هجماته بالسرعة الكافية. بدا وكأنه أخطأ في تقدير مدى انتقال ريفن. منح هذا المتسع ريفن متنفساً طال انتظاره، ولم يتطلب الأمر سوى تلك المساحة الفارغة. وقبل أن يتسنى لجوليوس فعل أي شيء آخر، شعر بتحول ذلك التدفق الطاقي تدريجياً إلى بنيان صلب من الطاقة المتشابكة. أعاد حجم القوة الصادرة عن تلك التقنية إلى ذهن جوليوس الدائرة الرمشية التي حُبس داخلها سابقاً.
كان خطر تلك الدائرة السبب الرئيس وراء ضغطه المستمر؛ إذ لم يرغب في أن يمنح ريفن فرصة لصنع شيء مماثل مجدداً. أو لعله أراد ذلك. إن كان صادقاً مع نفسه، فقد راوده فضول شديد تجاه آلية عمل الدائرة الرمشية ولم يكن يمانع خوض التجربة مجدداً. للأسف، لم يكن الوقت مناسباً، فنحى رغباته جانباً في سبيل مصلحة أكبر، كاظماً عبرات حزنه وهو يفعل ذلك. غير أن أحزانه تبددت سريعاً وحل محلها الحماس حين لمست حواسه نمو طاقة التقنية المستمر.
لقد تجاوزت بالفعل الدائرة الرمشية التي خبرها من قبل، وبدت أكثر خطورة بكثير. تشكلت كرة زرقاء ضخمة من الطاقة والمفاهيم في كتلة مدمرة. ثم رآها تتضخم بلا توقف قبل أن يمعن النظر فيها طويلاً. واجه ريفن صعوبة واضحة في السيطرة عليها، لكنه نجح بطريقة ما في إبقائها متماسكة رغم توظيفه لأنواع عديدة من السحر. أومأ جوليوس برأسه ببطء لنفسه. إن وُجد أمر واحد يثق به، فهو أن رؤية كرة طاقة عملاقة لدرجة تكاد معها تنهار لا تعني سوى شيء واحد.
تحطيم وجهه بها. لذا قرر فعل ذلك تحديداً، ودون تردد لثانية واحدة، انطلق بكامل سرعته نحو تلك الفقاعة المتجمعة من سحر الماء والريح والأرض. لعل عناصر أخرى أُضيفت إليها، لكن حسب ما تبين له، لم تكن سوى كرة هائلة من الماء المشبع بالطاقة، والرياح الحادة كشفرات، والحجارة المصقولة وهي تحلق في الهواء بسرعة جنونية. غطى جسده بأكبر قدر استطاعه من الحمايات. تكلست طبقات عديدة من الطاقة حول جسده، وصنع أيضاً طبقة من هالته لتمزيق الهجمات قبل بلوغها.
ضرب ضغط شديد صادر عن أي مفاهيم مدمجة في هذه التقنية، لكن جوليوس تجاهله مستخدماً شاراته الخاصة لتلقي وطأة القوة الكبرى. اندفع للأمام مستغلاً كل طاقة حركية ملكها. في خضم حماسه، اختار حتى تجسيد زوج من الأجنحة الزرقاء الساطعة على ظهره. لم يعبأ بإخفاء قدرات الطيران في تلك اللحظة؛ فقد احتاج حقاً للاقتراب قبل أن ينهي ريفن التقنية. منحه الجناحان ثباتاً وسرعة إضافيين، ممّا أتاح له اجتياز المسافة في لمح البصر رامياً الرماح طوال طريقه.
اصطدم بالكرة وجهاً لوجه وشعر بقوة طاغية تضرب جسده. كان هجوماً عاتياً تفوق على العديد من الهجمات التي رآها من المستوى الرابع. لكنه صمد، حتى حين كاد ثقل الماء يسحق جسده إلى عصارة. واكتشف بالطريقة الصعبة أن الماء لم يكن عادياً؛ بل شُبع بشيء راح يشق طريقه خلسة إلى جوف جسده. كان خبيثاً للغاية، واضطر لاستخدام موجات غزيرة من هالته لمحو أثره. ومع ذلك، لم يكن الماء وحده ما يقلقه.
فالرياح القاطعة شكّلت خطراً تعين عليه التعامل معه أيضاً. ورغم حماياته، قطعت ريح السحر جسده ببطء. لم تكن جروحاً عميقة، لكنها آلمت بجنون وتضافرت بغباء مع الماء، لتفتح الجروح قنوات أوسع يتسرب عبرها الماء إلى جوفه. تطلب الأمر إضافة المزيد من الهالة إلى جسده لمقاومة ذلك. أما إضافة سحر الأرض فكانت مزعجة للغاية حقاً. وبينما كان منكفئاً على التعامل مع كل ذلك، أُجبر على تفادي صخور بحجم بقرة مُدعمة بكمية هائلة من الطاقة.
عجز عن تفاديها كلها أيضاً. وبما أن سحر الأرض تضافر مع سحري الرياح والماء، بدا وكأنه يقف في قلب خلاط، وتعمّد أحدهم إلقاء نصف جبل معه. وما زاد الطين بلة كان سحر الجاذبية المضاف. النتيجة؟ تعرّض لضربات من كل حدب وصوب. لكن وهجاً بارزاً رافق ذلك. استطاع استشعار التقنية بأكثر الطرق حميمية. المؤسف فقط تسببه في قدر هائل من الألم خلال العملية. لم يتطلب الأمر أي شفاء بعد. تمكن من تقليل جزء كبير من الضرر عبر توظيف طاقة أكبر.
كما استلهم من معاركه السابقة ونشر فقاعته الخاصة، إلا أن فقاعته تكونت بالكامل تقريباً من الطاقة الحركية. ساعد ذلك في امتصاص جزء كبير من قوة الإعصار. اكتسب أيضاً طاقة حركية وفيرة من هذه الفقاعة، لدرجة يكاد يقول معها إنه يكتسب طاقة حركية أكثر مما يفقد، وهذا جنون. مع ذلك، لهذا السبب تحديداً تمكن من الحفاظ على دفاعاته طيلة تلك المدة. لم يكتفِ بالجلوس داخل الفقاعة، بل واصل شق طريقه إلى أعمق نقطة فيها.
استشعار وجود ريفن واقفاً في قلب العاصفة. حقق جوليوس تقدماً جيداً دافعاً طريقه عنوة. لكنه شعر فجأة بزيادة حادة في القوة تنطبق فوقه. استغرق ثوانٍ معدودة ليدرك أن ريفن لا بد أنه ضيّق الحاجز وجوليوس بداخله. أثار ذلك مشكلة لأسباب عدة، وأهمها تعرضه لمزيد من الضرر. اضطر إلى شفاء إصابات عديدة أكبر حجماً جراء هذا الهجوم العنيف من الطاقة. قامت فقاعة طاقته الحركية بعمل جيد جداً في التعامل مع البقية.
ساعده مفهوم القوة لديه كثيراً، خاصة حين طبّق فقاعته على شكل طبقات متتالية. والحظ حالفه في إخفاء قدراته الشفائية بفضل كم الهائل من الطاقة المتطايرة حوله. كما شك في قدرة ريفن على رؤية جروحه وهي تلتئم. المشكلة الأخرى، والأكثر إزعاجاً على الأرجح، تمثلت في عجزه عن التقدم أكثر داخل حقل سحر الماء والرياح والأرض. أدت فقاعته الحركية عملاً رائعاً في امتصاص قوة تلك الهجمات، غير أنه عجز عن الركض مستعيناً بها.
لم يملك سوى خيار واحد في هذه اللحظة. خيار لم يخطط لإظهاره، لكنه لم يمانعه كثيراً. تخلص بعفوية من الصخرة الضخمة التي صدمته. كان سحر الماء الأكثر إزعاجاً، فاستخدم نبضة سخية من الشفاء كعازل. وعندها فقط حدد موقع ريفن بدقة. انطوى المكان حوله حين سيطر على مهارته المكانية. بدت طبيعة المهارة الفوضوية كرمح حاد اخترق الحاجز المكاني الذي غلف الكرة. لربما استطاعت إيقاف مهارات الانتقال الآني العادية، لكن الروعة في خطوة الفراغ تكمن في كونها لا تعمل كباقي مهارات الانتقال.
قد تكون أكثر خطورة على المستخدم، لكن بالنسبة لشخص مثل جوليوس، مثلت المهارة المثالية لمباغتة الأعداء. وهذا ما فعله تماماً. مزق الفراغ وظهر بجانب ريفن مباشرة. تسببت الفجوة المنهارة التي خرج منها بانفجار صغير لسبب ما. كان هذا السبب الوحيد الذي جعل ريفن يلتفت للخلف. لكن بعد فوات الأوان بنصف ثانية؛ كانت قبضة جوليوس على بعد بوصات من صدره. شعر بنوع من الحواجز والتعاويذ الموضوعة على الرداء، لكنه استعان بقوة كبيرة خلف الضربة عجز الرداء عن احتمالها.
شعر بأقفاص ريفن الصدرية تنطبق على بعضها، ووجد جوليوس نفسه مغطى بقطرة من الدماء التي تقاءها الساحر. ثبّته مكانه بطاقته الحركية ضاغطاً عليه لمنعه من الحركة أو الانتقال بعيداً. وبسبب مباغتته، نجح في استخدام إرادته كمطرقة ثقيلة محطماً أي مقاومة وُجدت. ضربه مرة أخرى من باب الاعتياد الخالص، لكنه أحجم عن ضربة ثالثة. أوقف قبضته على بُعد بوصات من أنف ريفن، فانفجرت الطاقة الحركية الفائضة نحو الخارج دون أن تصيب ريفن بأذى إضافي لحسن الحظ.
ورغم غياب الموت الفعلي، لم يشعر بأن "قتل"
ريفن سيكون أمراً رياضياً. ففي نهاية المطاف، كيف سيُفي بجانب الاتفاق إن كان ميتاً؟