كانت تركض هاربةً بحياتها. كانت الهالة والطاقة تضخان القوة في جسدها كما لم تعتادا قط. لم تظن أنها دفعت حدودها إلى هذا الحد من قبل. ولا سيما في مواجهة رتبة ثالثة آخر. كان الفتى شيطاناً يرتدي جلود البشر. أبدت كثيراً من الأسئلة ولم تملك الوقت الكافي لإيجاد إجابات لها. كانت منشغلةً للغاية بمحاولة البقاء على قيد الحياة والفرار. جاءت المفاجأة الأولى عندما تفاعل مع هجومها بسرعة مذهلة.
وكان درعه هو المفاجأة التالية. كان بإمكانها تفهم إن كان الدرع قادراً على صد هجومها الأول، لكن الدرع نفسه استطاع مقاومة رمحها الثاني. رمح صُنع خصيصاً لتجاهل الدفاعات القائمة على الطاقة. هذا يعني أنه خلق الدرع من مصدر طاقة ثانٍ أيضاً. ربما كانت هالةً، أو حتى طاقة حركية، واعتقدت أنها استشعار شيئاً مشابه عندما كان يطاردها. كان من الصعب الجزم لأنها لم تصادف درعاً مماثلاً قط.
بعد ذلك، استمرت المفاجآت بالتوافد. لقد عثر عليها بطريقة ما على الرغم من أنها كانت محجبة بالعباءة التي أعطاها إياها سيدها. لم تدر كيف دبر ذلك. ولم تكن تملك أدنى فكرة أيضاً عن سبب تحركه بسرعة جنونية هكذا. ظنت أن جهاز الطيران شيء يستخدمه لتعزيز سرعته، لكنها كانت مخطئة. كان أسرع بكثير على الأرض مقارنة بتحليقه على اللوح. على الرغم من تسخيرها كل مهاراتها، لكان قد أدركها لو منح بضع ثوانٍ إضافية.
بفضل ريفن وحدَه تمكنت من الفرار بأمان. استدعى العبقري السحري وصديقها المقرب عاصفة نارية حرفية، مغرقاً الفتى الآخر فيها. ما زالت حائرة حتى الآن بشأن كيفية ابتكاره لمثل هذا الهجوم القوي في لمح البصر، حتى بعد كل هذه السنوات من معرفته. توقفت أخيراً عن العدو منزلقةً بجانب ريفن. بدا صديقها هادئاً كعادته؛ وكان العديد من الدروع الكبيرة قد نشرت حوله بالفعل، مستعدة لاعتراض أي هجوم قد يطرق بابه.
التفتت للخلف نحو حيث كانت العاصفة النارية مستعرة، لكنها عجزت عن استشعار أي شيء في داخلها. حجب اللهيب رؤيتها، وكانت الطاقة كثيفة للغاية بحيث تعذر الإدراك من خلالها. داعبت حرارة الهجوم بشرتها، رغم أنها كانت على مسافة بعيدة. لم يكن ريفن خفياً، هذا مؤكد. لعلّه اكتسب ذلك من معلمه، المعروف ببهارجة المفرطة وحبه للتعاويذ الضخمة.
قالت لريفن بعد استمرار العاصفة النارية لعدة ثوانٍ: "أميّت هو؟"
قال وهو يعقد حاجبيه ويرسمهما في خطوط حادة: "لا، ما زال حياً".
انطلق انفجار أكبر حجماً، وبدأت النيران ترتفع أكثر في السماء. وحينها فقط بدا راضياً. خبت العاصفة النارية، ولم يتبق سوى رقعة قاحلة من التراب المتفحم بالسواد. كان الدخان يتصاعد من السطح، وكانت الحجارة على الأرض تتوهج حمرة من الحرارة المتبقية. مع ذلك، ولدهشتها ودهشة ريفن، وقف فتى عارٍ في منتصف هذه الرقعة القاحلة، تضيئه النيران المرتجفة. لم ينجُ فحسب، بل بدا سليماً تماماً تقريباً.
باستثناء افتقاره للملابس وبعض البشرة الممحمرة، لم تكن هناك أي علامات تدل على ضرر حقيقي. وما زاد الأمر إزعاجاً هو الابتسامة المرسومة على وجه الشاب. كانت ابتسامة متوحشة تعج بالحماسة وتنم عن... أمل؟ شعرت إيفا بإحساس مزعج يسري في بطنها. لكنها لم تحظ بالوقت للتفكير في الأمر لأن شكل خصيصهم تشوش، و بالكاد استطاعت تتبع أثره. غير أنها عجزت عن رد الفعل في الوقت المناسب. اصطدمت ضربة مهدمة للأرض بدرع ريفن.
أظهر الساحر هادئ الاعصاب قلقاً للمرة الأولى أمام الضربة الهائلة. صمد درعه للحظة وجيزة، لكن هذا كل ما استطاعه. تشكل صدع، وكان ذلك كافياً للإخلال بسلامة الدرع. تحطمت حزمة الطاقة الكثيفة، وأمسك ريفن بإيفا، منتقلاً بالضنينين بعيداً. نجحا في الوقت المناسب تماماً أيضاً. مر قبضتا الوحش عبر المكان نفسه الذي كانا يشغلانه، محدثتين فجوة بحجم غول في الأرض الصلبة. بينما كان لا يزال ممسكاً بإيفا، دفع ريفن نفسه إلى الأعلى نحو السماء.
وما إن صارا في مكان مرتفع بما فيه الكفاية في الهواء، حتى حدقا معاً إلى الفتى العاري. حولت بصرها بخجل الآن وقد أتيح لها الوقت لتدرك ما كانت تحدق به. حدق الشاب ذو الشعر الأسود إليهما بابتسامة ساطعة، لكنه عبس فجأة ونظر إلى جسده. مر ومضة ذعر على وجهه، وظهرت مجموعة جديدة من الملابس عليه قبل أن يطلق تنهيدة ارتياح. قلدته إيفا، لأسباب مختلفة. وما إن ارتدى ملابسه بشكل صحيح حتى نظر إليهما مرة أخرى.
على الرغم من تعرضه لضربة قاسية من عاصفة ريفن النارية، إلا أنه بدا بخير. بل كان أفضل من بخير في الواقع. بدا وكانه لتوّه حظي بليلة نوم هانئة.
سألت ريفن: "ما العمل الآن؟ كيف نجا من ذلك؟"
ومع ذلك، كان وجه الساحر الأرشيفي المستقبلي المنحوت ينم عن حيرة أيضاً.
اعترف ريفن وهو يستل عصاه: "مهارة قوية لمقاومة النيران؟ بصراحة، لا أعرف. لكنه خطير. أعتقد أنه الشخص الذي قال معلمه إنه يجب علي الانتباه إليه".
اتسعت عيناها إيفا. لم يُخرج ريفن عصاه أبداً إلا إذا كان يتعامل مع الأمور بجدية. كانت العصا جائزة من صدع تحدٍ وكانت قوية للغاية فضلاً عن ارتباطها بروح ريفن. علاوة على ذلك، جعلتها كلماته أكثر حذراً. إذا قال معلمه إنه يجب الانتباه إلى هذا الفتى، فهناك سبب وجيه لذلك. وربما اختبرت إيفا ذلك السبب بنفسها بالفعل. كان الشاب في الأسفل لا يزال يحدق بهما بينما كان ريفن يدعمهما الاثنان بسحره الهوائي.
أطلقت إيفا تنهيدة ارتياح. بدا أن الفتى الأصغر سناً لم يكن قادراً على الوصول إليهما هنا في الأعلى. من واقع ما لاحظته، كان لعنصره قيود على الارتفاع؛ إذ يمكنه الطيران لمسافة محدودة فوق الأرض.
نادى الفتى فجأة متظاهراً بالعبوس: "أستبقيا في الأعلى إلى الأبد؟"
لم يجيباه. كان كلاهما مرتبكاً من تصرف الشاب.
صرخ نحوهما: "ماذا؟ بلا رد؟ إن كان الأمر كذلك، فيمكنكما إخباري على الأقل لماذا هاجمتماني من فراغ. كان ذلك فظاً للغاية".
كادت إيفا تصرخ بشيء ما إلى الأسفل، لكن قبل أن تفعل، شعرت بريفن يخلق أعمدة حجرية كبيرة حوله. كانت بحجم عربة صغيرة تقريباً. ثم، بتلويحة من يده، ألقى بها نحو السطح. استخدم القليل من طاقة النار والهواء لمنحها دفعة. واستخدم بعض سحر الجاذبية لتسريعها بشكل أكبر. انطلقت بسرعة نحو الأرض في ومضة ضوء. انفجرت الأرض بأسرها، مضاءة سماء الليل. وتدحرج عمود من الغبار والصخور يرتفع لأكثر من مئة قدم عبر المنطقة.
ابتلعت ريقها عندما رأت الدمار الذي أحدثه. لم يكن ريفن يمزح. مع ذلك، وسط كل هذا الدمار، ظهر سنّ أزرق صغير بحجم قبضتها. كان هناك أثر باهت للهيب في نهاية البناء. وكان سريعاً أيضاً، ومع حجب سحابة الغبار لرؤيتهما، كانا على وشك التأخر عن رد الفعل. لحسن الحظ، كان ريفن قد نصب عدة درع في مكانها. ومع قولي هذا، بالكاد كان ذلك كافياً. مزق السن المفرد الدرع الأول كالقماش، ثم انفجر في دفعة نارية وهو يدمر الثاني.
أدركت وهي تكز على أسنانها: "اللعنة، إنه ما زال حياً. ليس هذا فحسب، بل يبدو أنه يستطيع الهجوم من مسافة بعيدة".
أمسكت بسرعة بريفن وفعلت تعاويذ عباءتها. التفت الفقاعة المألوفة حولهما، مما أدى إلى اختفائهما عن الأنظار. وكانت لهذه الفقاعة وظيفة أخرى؛ فقد حما تهما ضد معظم الهجمات المرتكزة على الطاقة، بل وحتى الهجمات المرتكزة على الهالة إلى حد ما. ما إن تواريا عن الأنظار، حتى أطلقهما ريفن في اتجاه آخر. قبل أن يفعلا أي شيء آخر، ربطت عقلها بعقل ريفن. لم يكن التخاطر إحدى نقاط قوتها، لكنها اكتسبة مهارة سمحت لها بملامسة الطاقة النفسية.
لم تكن وسيطة نفسية مدربة أو ما شابه، لكنها ستتحسن في ذلك بمرور الوقت. في الوقت الحالي، كانت مقيدة للغاية، وحتى شيئاً صغيراً كهذا شكل عبئاً كبيراً على عقلها.
جعلت ريفن يعلم بهذه المعلومة: "يمتلك مهارة إدراك جيدة؛ لقد استطاع تحديد موقعي بدقة من قبل".
أومأ مؤكداً قبل أن يخلق عدة دروع أخرى حولهما.
أخبرها ريفن: "راقبه. سأبدأ في الإعداد".
فعلت ما أُمرت به وبحثت عن الفتى على الأرض. توسعت حواسها في جميع أنحاء المنطقة؛ وبقايا الطاقة المكثفة جعلت الأمر صعباً، لكن إدراكها كان ممتازاً دائماً. رصدته بسرعة ونقلت المعلومات إلى ريفن على الفور. مع ذلك، توقف اثناهما عندما رأيا الفتى يتجول نحوهما دون اكتراث بالعالم. لم تكن هناك أي تلميحات للذعر أو الخوف؛ بل مضى بخطى واثقة، والعديد من الأسنان الزرقاء تحوم فوق كتفه.
كان مغطى ببعض الغبار، لكن هذا كل ما في الأمر. لم تكن لديه إصابات مرعبة على الرغم من قصف ريفن المرعب الذي كان ليؤذي رتبة رابعة. لم يستمر ترددهما سوى ثانية أو ثانٍ. كان ريفن قد أنهى استعداداته، وظهرت حلقة كبيرة من الرونيّات المتوهجة بالذهب على الأرض، محيطة بالفتى. رأت الدهشة على وجه الفتى، لكن ولدهشتها، لم يبذل أي جهد للهروب. نظر إلى الرونيّات بفضول بل وانحنى ليلمسها بيده.
ظهرت ابتسامة عريضة على وجهه، ونظر مباشرة إليهما على الرغم من كونهما محجبين. سرى قشعريرة في جسدها، لكن ريفن بث بعضاً من هدوئه إليها. استرخت وراقبت ريفن وهو يفعل الدائرة الذهبية. حتى لو أراد الفتى الهروب من الدائرة، فقد فات الأوان الآن. كانت الخصائص المضادة للمكان للدائرة قد وُضعت بالفعل، ولن يتمكن أي رتبة ثالثة من التحرر. لقد اختبرت هذه المهارة بنفسها، لذا كان ينبغي لها أن تعرف.
كانت هذه الدائرة محاولة ريفن لمحاكاة مجال، وكانت قوية للغاية على الرغم من عدم وصولها إلى تلك المكانة تماماً. نبضت الرونيّات الذهبية بالطاقة وهي تتفعل. رأته يترنح على ركبتيه بينما خضعت كل الطاقة داخل الدائرة لتغيرات جذرية. لم يكن مفترضاً أن يشعر بطاقته عند هذه النقطة، ولا أن يكون قادراً على التحكم بهالته ببراعة كبيرة. تلاشت الأسنان فوق كتفيه واختفت إلى جزيئات صغيرة من الضوء.
ثم، قبل أن يفعل أي شيء آخر، انهارت المنطقة المحتواة داخل الدائرة. سحقت رونيّات المكان الفضاء بالداخل، ولم يتبق سوى تووهج ذهبي باهت حيث كانت الرونيّات موجودة في السابق. ومع ذلك، لم يجعل ذلك إيفا تشعر براحة أكبر لأن هذه لم تكن طريقة عمل هذه المهارة المعينة على الإطلاق. لقد سحقت خصومها. ومع ذلك، ولسبب ما، لم يكن الفتى موجوداً في أي مكان. فقد اختفى في الهواء الطلق.