كان جوليوس في منتصف رحلة هروب. الرجل الودود على نحو مريب كان بانتظاره خارج مدخل الكهف. لم يكتفِ بذلك فحسب بل جهّز هدية صغيرة لجوليوس. رتّب يوناس كل شيء بدءاً من المواد القيّمة وصولاً إلى نوى الوحوش التي هزمها جوليوس. النوى كانت مصنّفة حتى بحسب اللون والبريق. كانت منظّمة لدرجة بعثت قشعريرة صعدت في ظهره ونزلت. لم يدرِ جوليوس حقاً ماذا يصنع بهذه النوى لكن الرجل أصرّ على أخذه إياها.
كان القبول أسهل من الرفض. ليرا كانت هناك أيضاً وبدت كأنها تنسجم تماماً مع الرجل الوسيم. على ما يبدو عادت عندما تخلف عن الظهور. تصرفاتها كانت لطيفة لكنه بصراحة تمنّى لو أنها لم تعود. كان ذلك ليسهّل الأمور عليه. أراد تجربة فكرة تكوين فريق لكنه أدرك جليا أنه ليس من أهل ذلك، ولهذا أوضح لها رغبته في سلك طريقه بمفرده. بالتأكيد لم يرق لها الأمر. أرادت مواصلة العمل معه. لكان هو الآخر فعل فقد استمتع بصحبتها وأحسّ أنها إنسانة جيدة.
مع ذلك انتابه شعور بأنها أرادت البقاء معه لقاء قوته. لكنه شرح لها أيضاً حقيقة الموقف. لم تكن بالقوة الكافية لمجاراته. ومما يثير الدهشة أن ذلك كان كافياً لإقناعها بالتراجع. بدت منزعجة من ذلك السبب الفظ لكن جثث الأرجاء بالمئات جعلت الأمر أكثر إقناعاً على الأرجح. أدركت على الأرجح سلفاً أنها لن تزيد على إبطائه. وهو أمر يقال إن صدق القول سينطبق على أغلب البشر حتى أصدقائه.
على الأرجح سيلتقيان مجدداً متى اقتربا أكثر من عمود النور. بدا يوناس مصراً على حدوث ذلك. هكذا وجد نفسه في طريقه. أراد ترك أكبر مسافة ممكنة بينه وبين يوناس. بخلاف ليرا لم يكن الرجل الآخر سهلاً في الإقناع. لسبب ما أراد حقاً مرافقة جوليوس. يحسب ليوناس أنه بدا شخصاً كفؤاً للغاية. ظن جوليوس أنه فاق ليرا قوة حتى. تحكمه بالهالة كان لا يُعاب، ولم يبدو متوتراً أبدا بحضرة جوليوس.
غير أن طبعه المنفتح أثار قلق جوليوس. وحين ابتعد جوليوس بالقدر الكافي أخرج القرص من خاتم التخزين وثبّت قدميه عليه. استقرت قدماه فوق القرص وبدأ يغذي القطعة ببطء بماناه. المرة الأخيرة التي غاب فيها حرصه ذاك كانت السبب الذي دفع ليرا للمطالبة بمواصلة السير على الأقدام. ولم يلمها قط. لولا قدرته على شفاء معظم الإصابات فضلاً عن القدرة على الطيران لما شعر بالراحة عينها في استخدام هذا اللوح.
ومع ذلك كان اللوح رائعاً. تحرك بسرعة فائقة وكان مرناً بصدمة. لم يكن الأفضل في التحكم به لكنه أخذ يتعلم شيئاً فشيئاً. ما جعل هذه القطعة تفوق طاقته الحركية هو ضآلة ما تتطلبه من مانا وتركيز. حين طار بطاقته الحركية تطلب الأمر جلّ تركيزه واستهلك مقادير هائلة منه. ومع أن الطاقة الحركية كانت مستدامة للغاية إلا أنها ظلت تشكل عبئاً ما على جوليوس إن تعامل معها بذلك القدر لفترة ممتدة.
حلّ هذا اللوح تلك المشاكل وطالما أنه لم يمانع التحليق عبر السهول على متن لوح غير مستقر وقليل من الدوار فقد كان قطعة بالغة النفع. تابع التقدم نحو أعماق الشق. ظل عمود النور بعيداً في الأفق، وأراد معرفة المساحة التي يمكنه قطعها ريثما يحدث ذلك. لم يسمح اللوح بالطيران سوى لعشر أقدام فوق الأرض، لكن في بيئة مسطحة كلسهول كان ذلك أكثر من كافٍ. تجاوز عدداً آخر من المتنافسين في طريقه.
اتجه أغلبهم نحو المركز شأنه تماماً. بعض من مرّ بهم كانوا يصارعون وحوشهم الخاصة. كل هذه الوحوش كانت قوية. ربما لست بقوة وحوش الغوبلن الرمادية لكنها بالتأكيد استقرت في قمة المستوى الثالث. تساءل كم شخصاً بقي مشاركاً بعد اليوم الأول. ألقى نظرة سريعة نحو الأفق حيث تغيب الشمس فوق جبال ضخمة. لو لم يكن يدري لظن أن هذا هو العالم الحقيقي. لم يشابه بأي حال أي شق تواجد فيه من قبل.
تساءل بفضول عن نوع الأسرار التي يخفيها هذا العالم. ما إن اختفت الشمس حتى أظلمت السماء وتجلّى بهاء القمر. كان القمر ضخماً وحتى في محاقه التربيعي أضاء السماء بأسرها بجمال خلّاب. لبث دقائق معدودة واقفاً على اللوح يحلق في الجو مستغرقاً في الأجواء الغامضة. قذف بالرمزين اللذين حازهما في الهواء مترخياً. تمنى لو أمكنه القول إنه تفاجأ حين اضطر لإنشاء حاجز بمؤخرة رأسه. اصطدم صاعق من المانا الخالصة بحاجزه من العدم.
استدار جوليوس ناظراً في اتجاه انطلاق صاعق المانا. أحسّ بقدوم صاعق المانا بحواسه المانية لكن مهارة إدراكه لم ترصد أي أشكال حية حوله. عنى ذلك أن الهجوم انطلق من مسافة مائتي قدم على الأقل. تلك كانت أقصى مسافة بلغها نطاق إدراكه في الوقت الحالي. أغمض عينيه دافعاً بذلك النطاق نحو الخارج. مائتا قدم كانت مسافة ألفها جوليوس إلى حد ما وحافظ عليها. مسافة جيدة أجهدت عقله، لكن ليس للحد الذي ينهكه.
في التجمعات الحشدية أجبر على تقليص المسافة أكثر. لكن في السهول اتسع نطاقه كثيراً دون أن يحترق عقله ذاتياً. مع ذلك إن استدعى الأمر حقاً استطاع مضاعفة مائتي القدم تلك إلى أكثر من المثلين. هذا بالتحديد ما فعله في تلك اللحظة. ترك نطاقه يتوهج ومحاولة استشعار أي أحد. المشكلة الوحيدة في ذلك تمثلت في عجز عقله عن تحمل الضغط لفترة طويلة. أجبر على سحب إدراكه قبل تمزق دماغه. كلما سافر نطاقه أبعد اشتد الضغط قسوة.
وما جعله يشعر بالارتياح الكافي لفعل ذلك هو امتلاكه ل[تجدد العنقاء]. ورغم ذلك كره العبث بدماغه. استطاع النجاة من أي شيء تقريباً لكنه جهل مدى قدرته على احتمال تحويل عقله إلى بيض مخفوق. لهذا بدا أشخاص مثل ليلي مخيفين للغاية. تنهّد حين عجز عن استشعار أي أحد رغم توسيع حواسه. انبثق صاعق المانا من العدم وعجز عن اقتفاء أثره. لم يدرِ إن كان الهجوم انطلق من اتجاه منشأ الصاعق أصلاً.
فعلى حد علم النطاق أُطلق الصاعق من موقع مختلف برمته.
"أين أنت؟"
تمتم في الظلام. انطلق صاعق آخر من الظلام. اختلف هذا الصاعق. أُضيف إليه شيء آخر. ويدرك الفارق قريباً جداً. بخلاف صاعق المانا الخالص الذي اختبره لتوّه، حمل صاعق المانا خاصية غريبة بدت شبه مخفية عن حواسه المانية. عوضاً عن ذلك تشكل أساساً من الهالة. نظر بهدوء بينما اصطدم الصاعق بحاجزه مجدداً. هذه المرة عجزت أجزاء المانا في حاجز عن صد الصاعق. لحسن الحظ تالف حاجز من المانا والهالة معاً.
صمد جزء الهالة على ما يرام. وبالكاد هز البنية. رغم ذلك أثار الأمر فضولها البالغ. نادراً ما صادف من استخدم المانا والهالة معاً في الهجوم مثلما فعل. في غالب الحالات كان أحدهما لا غير. أراد العثور على هذا الشخص ودون تردد قذف بنفسه نحو اتجاه انطلاق الصاعق الأخير. كاد اللوح ينزع من تحت قدميه بفعل كمية المانا التي ضخها فيه. مع ذلك تحرك بسرعة. بسرعة فائقة. وما إن بلغ مكان انطلاق الصاعق حتى تفقد محيطه بمهارة الإدراكي.
ووحدها اللحظة كشفت له هوية المهاجم. جزء منه تساءل بفضول عما إذا هاجمه وحش، لكن لا. بل شخص مختبئ وسط مجموعة من الصخور. في الواقع كانت فتاة ترتدي عباءة سوداء. وبدت غير مرئية للعين تماماً حتى في ضوء القمر. ومهما كانت نوع العباءة التي ارتدتها فقد شوهت كل الضوء ولولا مهارته المكانية لما عثر عليها. لم تبد واعية بأنه رصدها بالفعل وكانت تقف بسكون شديد. تظاهر بعدم علمه بمكانها مستداراً في حلقات ليحبك التمثيل.
وما إن اطمأنت لجهله بمكانها حتى شكلت صاعقين منفصلين. تكوّن أحدهما من المانا الخالصة والآخر من الهالة. تشكلا خلفه وأسرعا نحو رأسه بصمت الفأر. لم يزعجا الهواء ولم يخلقا موجة صدمة. صمد حاجز أمام الصواعق. ومثل المرة السابقة لم تكف الصواعق للاختراق. لكنه أحسّ بشيْء ملتصق بهذه الصواعق يحاول التهام حواجزه. استخدم جزءاً من الهالة لمحو أي تقنية استخدمتها. وما زاد الأمر إثارة أن الفتاة كانت تتراجع بالفعل.
لابد أنها استسلمت بعد فشل كمينها وغادرت المنطقة. مع ذلك لم يمنحها الفرصة لفعل ذلك. تحكم بلوحه وهرع نحو موقعها. كانت سريعة للغاية وهيئتها عصية التتبع والعباءة لم تسهل الأمور. غير أن جوليوس حرص على إبقائها ضمن مجال رؤيته. أرسل المزيد من المانا للوح دافعاً إياه لسرعة أكبر. لابد أنها أدركت تتبعه لها إذ لوحت بيدها في اتجاهه. انبعثت موجة عارمة من الهالة والمانا نحو الخارج.
لم تكن هجماً للإيذاء بل خدمت غرضاً آخر. الإلهاء. تعطلت حواسه وعقله للحظات معدودة واضطر للاعتماد على [الإدراك المكاني المطلق] لتتبعها. توجب عليه استخدام مهارة التركيز تفادياً لضياع تركيزه. تلك الدفقة الطاقية بدت آسرة للغاية. أشبه بقنبلة وميض سحرية، ولو لم يدرب نفسه على عدم الركوب على الحواس الطبيعية لفقدها على الأرجح. ومما يأسف له أن الأمر لم يكن كذلك. واصل الاندفاع نحوها ورغم سرعتها الفائقة لحق بها.
لابد أنها استشعار اقترابه إذ تلاشت بغتة قبل أن تقبض يده على طرف عباءتها. لم يحظ بالوقت حتى لمقاطعة انتقالها الآني. ألقى بإدراكه في دائرة واسعة. وتعلم أن أغلب البشر مجبرون على التركيز للحظات موجزة عند استخدام الانتقال الآني. والاستثناء الرئيسي تمثل في كون الانتقال قصير المدى. عثر عليها بسرعة. لم تبتعد كثيراً وانتقلت آنياً في الاتجاه المعاكس الذي سلكاه. واضطر لانتشال نفسه مستداراً.
التغير المفاجئ بالاتجاه بتلك السرعة لم يخدم جسده بشيء. لحسن الحظ تعود على الطاقة الحركية واستطاع جسده مقامة تلك التغيرات الجذرية في التسارع. امتص معظم القوة مستخدماً إياها لدفع نفسه صوب الفتاة مجدداً. أدركت تفوقه سرعةً عليها هذه المرة ولابد أنها فعلت مهارة أخرى. أحسّ بدفق مفاجئ للمانا والهالة يجري عبر جسدها. وقوي لدرجة بدت كاللهب الهادر لحواسه. مع ذلك بدا الارتفاع في سرعتها مذهلاً.
حاول المجاراة بمد اللوح بمزيد من المانا لكن بدا أنه بلغ حد اللوح. مهما زاد من المانا لن يتحرك اللوح أسرع. توقف عن تغذية القطعة بالمانا وإلا انهارت التعاويذ بفعل تدفق الطاقة. عوضاً عن ذلك سحب اللوح لخاتمه بنفضة قصد. ثم لحظة لمس قدماه الأرض انفجر بالطاقة الحركية. وانطلق كصاروخ وخلال ثانية بلغ سرعة فاقت سرعته فوق اللوح. بلغت سرعته حدا بدت معه مقاومة الهواء كالإبر والدبابيس على جلده.
ومع ذلك قلص المسافة بينه وبينها وما هي إلا لحظات حتى تكون في قبضته. راوده الإعجاب بإطلاق بعض الإنشاءات نحوها لكنه جهل سرعة تحركإنشاءاته ناهيك عن الوقت والتركيز المطلوبين لإطلاقها. عوضاً عن ذلك قرر اتباع الطريقة التقليدية. ابتسم حين اقترب لعشر أقدام منها. لكنه وجد نفسه فجأة محاطاً بموجة من النيران. لم يستشعرها ولم يستعد حين انهارت فوقه. لم يملك سوى الضحك على عبثية كل ذلك.