أطال النظر في صفحة الماء أكثر ممّا ينبغي. لم يخرج بخطّة ناجعة. تيقّن من وجود قطعة تذكارية أو كنز ثمين في قاع البحيرة. المشكلة الأساسية تمثّلت في عجزه عن مدّ حواسه إلى ما بعد السطح. أثار هذا اضطرابه لأسباب عديدة. نادراً ما فقد بصيرة محيطه تماماً. ميزته المكانية عالية المستوى، وتتيح له رصد ما حوله بلا انقطاع. لهذا نادراً مّا باغتَه مباغت. مع ذلك، نجحت السلحفاة الصغيرة في كمينها قبل أن يفطن لها، فالتهمت أحد أصابع قدمه.
خلّفت تلك الهجمة الخاطفة في نفسه رعباً تجاوز ما يقره. علاوة على ذلك، لم تقتصر مخاوفه على السلحفاة وحدها. هاجس المخاطر الكامنة في أعماق البحيرة أرقَه. أخطار تعذر عليه استشعارها بسبب خاصية الماء الغريبة التي تحجب إدراكه. عجزت حواس المانا والطاقة المحيطة به عن اختراق ذلك الحاجز. تشابكت كميات هائلة من المانا في الماء حتى تحولت إلى جدار صلب أمام حواسه. أدرك ضرورة اتخاذ قرار حاسم قريباً.
إما مغادرة المكان بحثاً عن فرص أخرى، وإما تجرّع الأمر وإشباع فضوله. هبطت كتفاه. بدا الجواب بسيطاً للغاية عند التأمل. نفخ صدره متسلحاً بشجاعة تكبر ما يشعر به، واقترب من حافة الماء. ركع على قدميه وأحنى رأسه حتى قارب السطح لبرهة قصيرة. شعر بنبضات قلبه تتسارع قليلاً، مزيج من التوتر والبهجة. ظل هادئاً دائماً بفضل ميزة الإدراك، إذ يمتلك فكرة عامة عمّا ينتظره. ضحك في خفوت.
رهبة المجهول فاعلة ومباغتة. قبل أن يستغرق في التفكير، غطس برأسه تحت الماء بلا تردد. تفاجأ حين فتح عينيه فرأى كل شيء بوضوح تام. بدا الأمر كأنّ حاجزاً وهمياً رقيقاً يغطي سطح الماء ليحجب الرؤية عما تحته. غير أنّ كسر توتر السطح يزيل ذلك الحاجز، فلا يعود قادراً على منع الإدراك عما في الأسفل. صحيح أنّ خواص الماء الفريدة صعّبت الأمر، لكنه تمكّن على الأقل من رؤية نباتات متفرقة تطفو في القاع، إلى جانب عدد قليل من الأسماك السابحة.
بدت البحيرة أعمق ممّا تصور، وإن لم تبلغ حدّاً يعجز بصره عن بلوغ القاع. ساعد صفاء الماء الكريستالي في ذلك بالطبع، وقدّر العمق بنحو مئة قدم. لم يلمح السلحفاة في أي مكان، لكنه توقف حين رأى سمكة صغيرة بحجم كفّ يده تسبح بالقرب. رمت جوليوس بنظرة تجمع بين الحيرة والفضول. غابت عنها أي علامة عدوانية واقتربت منه ببطء. تركها تدنو من وجهه ولم يتحرك حتي حين لامست أنفه بخفة. واصل النظر إليها، فبادلتها له.
ثم بدا أنها ضجرت أو أروَت فضولها على الأقل، فاستدارت وسبحت في الاتجاه المعاكس. أخرج جوليوس رأسه ومسح شعره المبلل عن وجهه. لم يعثر بعد على السلحفاة النهمة، لكنه استشعار شيئاً مثيراً للاهتمام. وهج أزرق فاتح وبارق ينبعث من قطاع معين في البحيرة. اتجه نحو القاع، وأخبره حدسه بوجود الكنز أو القطعة التذكارية هناك. لكنّه تخلص من توتره حيال النزول إلى الماء، فخلع بعض ثيابه وبقى بملابسه الداخلية.
همّ بالقفز قدماً حين أحسّ بمن يحدق به. التفت ببطء.
"أيمكنني مساعدتك؟"
سأل رامية السهام. فعلت ميزة التخفي خاصتها، بيد أن جوليوس استشعر اقترابها رغم ذلك.
"ماذا تفعل؟"
سألت بصوت ناعم على غير العادة. راقبها حين نزعت غطاء الرأس الخافي لوجهها، وأذهلته صغر سنّها. غالبية المنافسين أكبر سناً، وكان هو نفسه من أصغرهم مظهراً. ومع ذلك، بدت هذه الفتاة في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة. شعر أسود ناعم يميل إلى الرمادي الرمادي ينسدل على كتفيها، ليؤطر وجهاً رقيقاً. مشى بخطوات واثقة نحو الموضع الأقرب للوهج والتفت إليها.
"أستعد للسباحة"
قال وهو يهز كتفيه.
"سباحة؟"
سألت بنبرة تحمل الحيرة والحيطة. استقرت قوسها إلى جانبها، لكن قبضتها دلّت على استعدادها لاستخدامها في أي لحظة.
"أجل، الماء هنا مثير للاهتمام. ماذا حدث للآخرين؟"
سأل مغيرًا مجرى الحديث. أمالت رأسها ممعنة النظر فيه، تفاضل بين الإجابة والصمت.
"الذي صنعتَ فجوة في صدره مات، وانتُزعت جثته من العُباب بعد دقائق. ومات صاحب الدرع أيضاً. حطّم ذو الشعر الأحمر رأسه"
فصّلت أخيراً.
"وصاحب الشعر الأحمر؟"
أشاحت بوجهها متجنبة التقاء نظراتهما.
"هرب"
قالت. وجّه جوليوس تركيزه الكامل إليها.
"هرب منك؟ أنتِ رامية سهام في سهل مفتوح لا يكاد يضمّ مخبأ؟"
استصعب تصديق الأمر. قطّب جبينه بضجر.
"أجل"
تمتمت من بين أسنانها. بدا كأنّ الاعتراف يؤلمها. هز كتفيه. ومن يدري؟ لعل ذاك الأحمر خبّأ ورقة رابحة ساعدته على الفرار. كاد جوليوس يطلق حكماً عليها.
"إذن ماذا الآن؟ اتريدين قتالي تالياً؟"
أشار إلى جسده شبه العاري.
"رغم أنني أُفضّل ارتداء ثيابه أولاً إن أردتِ ذلك"
قال بابتسامة آسفة. لخيبة أمله، هزت رأسها نفياً.
"لا، لا نية لي بقتالك"
قالت، ورغم ارتيابه فيها، صدّق صدقها. أحسّ منها استهلاك قدر وافر من المانا أثناء المعركة مع صاحب الشعر الأحمر، ورغم نفاد طاقة الأخير قبلها، لا بد أنها استنزفت جزءاً كبيراً من مخزون ماناها. فوق ذلك، لو أرادت النيل منه لباغتته منذ زمن. هي رامية سهام واختارت التقدم نحوه. وضعَت نفسها في موضع ضعف إن رغبت في النزال. ومع ذلك، تملّكه الفضول لمعرفة أسباب اقترابها.
"ماذا تريدين إذن؟"
سألها.
"أراد فضولي معرفة ما جذب انتباهك. ركضت بسرعة وتركتنا نتناحر لنصل إلى هنا".
تثاءب ومدّ ذراعيه.
"أخبرتك، الماء هنا رائع. تجرّعي رشفة لترى بنفسك".
رمقته بتردد، بَدَت غير مصدقة لكلامه ظاهراً، لكنّ استعداده للسباحة فيه بثّ الطمأنينة في نفسها على ما يبدو، فتقدّمت نحو البحيرة وأخفت قوسها.
"أهلاً، احذري السلحفاة"
حذّرها سريعاً قبل أن تلامس الماء. تراجعت فزعة ورمقته بقلق.
"أي سلحفاة؟"
"غمست أصابعي قبل دقائق فالتهمت السلحفاة جزءاً منها"
اعترف، محتفظاً بحقيقة بترها لإصبعه بالكامل.
"ما حجمها؟"
سألت. استخدم يديه ليوضح حجمها.
"هذا فقط؟"
بدا عليها ارتياح غريب وتلاشى ترددها. همّ بتحذيرها من خطورة الكائنات هنا، لكنها سبقت شرحه متوجهة نحو الماء.
* * *
منظور ليرا عرفت الفتى من نزاله السابق في الجولة الأولى. أظهر قوة مذهلة حين أبادة الوحوش في غضون دقيقة. عُدّ بلا شك من نخبة المنافسين هجومياً. بدت تلك الدمى التي يصنعها أكثر رعباً حين رأتْها عياناً. شهدت لتوّها سهولة اختراقها لصدر ذلك الأشقر. جهلت عنه الكثير. لم يهاجمها حين رأتْه، وتلك ميزة. ومع ذلك، دَقّ ناقوس خطر حواسها كلما حدّقت فيه. لم ينبئها بكونه خطراً داهماً، لكنه حذّرها من توخي الحذر دونه.
الأمر بحد ذاته مقلق. لاحظ وجودها رغم عجز البقية عن رصد حضورها. وبدا مستخفياً بالأمور أكثر مما ينبغي. شابه شخص يتمشى عصراً في حديقة لا شخص يعبر العُباب السري للإمبراطورية. طردت هذه الأفكار مؤقتاً. أثار الماء الذي أهمل دونه كل شيء فضولها. لم يخرج جثمان الوحش بغير نواة فريدة انتزعتها. لا القطعة التذكارية التي انتظرتها. لعل هذه البحيرة تمثل الكنز الحقيقي. انحنت وجمعت بيديها قليلاً من الماء.
تسلل الماء الشبيه بالبلور بين أصابعها، فجرعت رشفة كبيرة. انحنت من شدة الألم فور ملامسة الماء لسانها. قفزت إلى الخلف ممسكة بحنجرتها. أحست كأنها تجرّعت ناراً سائلة، والشعور كاره بائس. كبحت صرخة كادت تفلت من شفتيها. رمقت الفتى أسود الشعر الواقِف جانباً ل تتأكد من غياب نيّته لمهاجمتها وسط ضعفها. لم تلمح منه سوى النوايا الطيبة، بدا قلقاً لحالها لكنه حافظ على مسافة آمنة ممتنة لها.
"أبخير أنت؟"
سأل الفتى الغامض مقترباً بخطوة ضئيلة. أعرضت عن الردّ؛ ركزت على تفكيك المادة السامة التي تجرّعتها للتو. عجزت عن تصديق استجابتها لقوله وشربها للماء بلا أي استعداد. للحق، حمل الماء طابع الكنز. عجزت عن توقع هذا الأثر اللاذع. سائل شديد التركيز، أقرب لجرعة تطور جسدي تناولتْها سابقاً بدل كونه ماء. أمكنها تفحص تأثير الماء في جسدها بعد زوال الألم المبرح. تفاجأت ببدئه في تطهير جسدها من الشوائب بسرعة فاحشة.
خضع جسدها لتغيرات طفيفة رغم الكمية الضئيلة. وتفسر تلك الأوساخ السوداء المتسربة من مسامها منبع الألم المحتمل.
"همم، ربما تحبين مرافقتي لاحقاً. هذه المادة السوداء الخارجة منك تفوح برائحة كريهة"
قال ماسكاً أنفه. رمقته بعبوس حائر مجدداً. أخبرها بشربه للماء مصوراً إياه كمشروب منعش لا مادة مؤلمة ومحولة. ومع ذلك أراد السباحة في هذا الماء. أيّ أحمق هو؟ سيواجه تسمماً حادّاً بالمانا أو ينفجر حرفياً بفعل طاقة الماء الهائلة. سيخضع جسده لتطهير مفرط قد يودي بحياته من شدة الألم.
"لا تقترب"
صرخت حين رأته على وشك اقتحام الماء. التفت إليها بعبوس مرتبك، وقد علا إحدى قدميه سطح البحيرة.
"لماذا؟"
"ستموت"
باغتته بالإجابة. ضحك.
"أنت طريفة. لا تقلقي، سأعود"
قال، وقبل أن تمنعه، ابتلعه الماء بالكامل.