بدا جر جثة هامدة وسط الحشد لافتاً لأنظار فضوليين كثر. من كان يظن ذلك؟ استغرق الأمر بعض الوقت بسبب التدافع الهائل من البطولة، لكن لِحُسن الحظّ واكبهم ستيفان عبر ممرات محددة تجنبت أغلب الفوضى. لابد أن منصباً بوصفه مسؤولاً للعلاقات الخارجية يحمل بعض الامتيازات اللطيفة. ظهرا في قمة الملعب، حيث تمتلك العائلات الثرية أمثال عائلة ديريك مقصورة تضمن الخصوصية. لِحُسن الحظّ، كان هناك عدد أقل بكثير من الناس في الجوار.
أغلب من رصدهم جوليوس كانوا من طاقم العمل وأفراد طبقة النبلاء المتقلبين وهم يغادرون مقصوراتهم. قادهم ستيفان إلى غرفة وأخرج شارة، ماسحاً إياها على الباب. لم يُفلح جوليوس في تبين ما فعله الشيء تحديداً، لكن حسب ما رصده، بدا الأمر كبصمة هالة محفورة في البطاقة تُعطل بعض التعاويذ الموضوعة حول الغرفة. أعلنت نقرة عالية عن فتحه، وسحب ستيفان مقبض الباب. مع ذلك، استطاع جوليوس رصد تلميحات توتر على وجه الرجل، لكنه أخفاها سريعاً بعدما أخذ الرجل نفساً مهدئاً.
تبع جوليوس وقين وفرينيا وجسد أدريان المرتخي ستيفان إلى داخل الغرفة. كانت الغرفة أوسع بكثير مما توقع جوليوس. حتى مع ما يعرفه عن التعاويذ المكانية، كانت الغرفة هائلة. شغلهما في هذه الغرفة الهائلة نحو اثني عشر شخصاً فحسب، وكان أكثر من نصفهم من طاقم العمل الذين يقدمون الطعام وأشياء أخرى. في مقدمة الغرفة، يحدقون في النوافذ الزجاجية وينظرون إلى البطولة المستمرة بعدُ، كانت مجموعة من الأشخاص يرتدون أردية مشابهة لرداء أدريان.
رغم أنه إن كان جوليوس صادقاً، فهو لم يعتقد أن كثيرين منهم كانوا يشاهدون البطولة حقاً. رصد طفلين أصغر سناً في عمره يقومان بأمور تخصهما. كان أحدهما صبياً وسيماً ذا شعر أسود طويل وملامح حادة. رُفع شعره الطويل في كعكة أنيقة يمسكها مشبُك مشابه لرمز الشمس المشتعلة على أرديتهم. بدا غير مهتم بالوضع برمته بالأسفل. كانت الأخرى فتاة صغيرة ذات ملامح مشابهة. رسمت عظام وجنتيها الحادتان وجهها، مبرزتن بشرتها الخزفية وجمالها الأخاذ.
مع ذلك، وخلافاً للفتى، إن كانت تشعر بالملل فقد أخفته بشكل أفضل. الشخص الآخر الذي رصده جوليوس كان رجلاً طاعناً في السن لا يبدو عتيقاً، لكنه كان عجوزاً يقيناً. جعله ظهره المحدب وشعره الأبيض يبدو أقدم حتى، لكن جوليوس استطاع استشعار تلميحات مثيرة لشيء يتسرب مع كل نفس يتنفسه الرجل العجوز. الشخص الآخر الجالس هناك كان على الأرجح الوحيد الذي يشاهد المعارك. افترض أن هذا هو نائب قائد الطائفة الذي ذكره ستيفان.
كانت جميلة جداً هي الأخرى. لم تمتلك ذات النوع من الجمال الذي تمتع به الفتى أو الفتاة. كان نمطاً مختلفاً من الجمال، أشد جموحاً ولا يمكن التنبؤ به البتة. امتلكت أشعر شعر أحمر فتان رآه جوليوس على الإطلاق، وهو يضيء كشمس مغيبة. امتلكت عظام الوجنتين الحادتين ذاتهما اللتين للفتاة، لكن وُجدت هيلا نضج أيضاً. إن كان ليوصفها، لقال إنها تبدو مهيبة للغاية.
قالت المرأة فجأة عندما اقتربوا أكثر: "لماذا يُجر ابني إلى هنا كأنه شوال بطاطس يا ستيفان؟".
كان صوتها بارداً، في تناقض صارخ مع مظهرها. استدارت، واستطاع جوليوس رؤية بقية وجهها، بما في ذلك عيناها الحمراوان القانيتان. استطاع جوليوس رؤية الغضب المتبقي في نظرتها، لكنها سيطرت على نفسها. لِحُسن الحظّ، كانت فرينيا قد عالجت ابنها بالفعل قبل أن يدخلوا، لذا لم يكن مغطى بالجبال. لم يحرك عضلة ولا بدا مستيقظاً بعد، لكنه على الأقل لم يبدو وكأن قين أشبعه ضرباً قبل قليل.
انحنى ستيفان منخفضاً وشرح سريعاً ما حدث بمجرد أن أشار لطاقم العمل بمغادرة الغرفة. دون أن يخفي ما فعله ابنها، بل شارحاً أيضاً سبب وجود قين وفرينيا هناك. أخبر المرأة أيضاً بمفاجأة أن قين قد أوسع ابنها ضرباً.
أُسدي السؤال مدهشاً، لا لستيفان ولا لقين أو فرينيا، بل لجوليوس: "أهذا صحيح؟".
حادت نظرتها للحظة عابرة نحوهما، لكن جوليوس لم يدر ما إذا كانت قد أدركت أنهما قويان للغاية أم لا. لم يكن ليتفاجأ إن فعلت، لكن إن عرفت فقد أخفت ذلك جيداً. قابل جوليوس نظرتها بهدوء.
أجاب بصدق، عارِفاً استحالة الكذب أمام شخص مثلها: "نعم، طلب مني مرافمته فرفضت. ثم هاجممني بهالته فوراً بعد ذلك".
بينما كانت تخفي قوتها الدقيقة، كان من الآمن القول إن شخصاً مثلها ربما يكون في المستوى السادس إن كانت نائب قائد طائفة بهذا القدر من القوة. كانت نظرتها مجهدة للغاية تحت وطأتها. على الرغم من وجود قين وفرينيا بجانبه، شعر كأنه وحيد تماماً في الغرفة مع هذه المرأة. تداعت ذات الثقل القادمة منها والتي شعر بها من قين وفرينيا، مما أكد أن هذه المرأة خطيرة. مع أنه عرف أنه ليس ملماً بهذا الأمر، فقد قلق قليلاً عما سيحدث إن قررت التصرف.
طوال الدقيقة أو نحو ذلك التالية، لم ينطق أحد بكلمة. كان التوتر يتصاعد ببطء في الغرفة، واضطر جوليوس لردع نفسه وعياً عن ضخ المانا والهالة في جسده. لِحُسن الحظّ، وما إن كاد ينطق بشيء، حتى أطلقت تنهيدة تعبة، وذهب التوتر معها.
قالت بنظرة خيبة أمل تجاه الابن المعني: "أعتذر عن تصرفات ابني. رغم أفضل نواياي، فهو يحمل الكثير من أبيه فيه. لا يزال يعتقد أنه في كورفوس ويتصرف على هذا النحو".
تساءل جوليوس: "إذن لست غاضبة؟".
أزاحت شعرها الأحمر خلف أذنيها.
قالت: "بلى، لكن ليس منك. إن كان ما أخبرتني به صحيحاً، فأنا أمد لك باعتذار"، لكن عينيها ضاقت فجأة.
"لكن إن علمت أنك أخفيت شيئاً، فسيكون هناك عواقب".
فكر جوليوس في قول شيء، لكنه قرر أن الصمت أفضل. عوضاً عن ذلك، راقب المرأة وهي تسير نحو جسد ابنها ودون أي مقدمات، سددت إليه ركلة صلبة.
قالت بهدوء، لكنه مشوب بالبرود: "انهض. أعلم أنك مستيقظ يا أدريانوس".
أطلق الجسد الهامد سابقاً أنّة، وترنح الرجل الذي هاجمه حتى وقف على قدميه.
حيّا أدريان بخجل: "مرحباً يا أمي".
سألت: "أما قالوه صحيح؟ أهاجمت هذا الصبي؟".
صرح الرجل رامياً نظرة مظلمة تجاه جوليوس: "لقد قدمت دعوة بسيطة لكي نتحدث؛ فشرع حينئذ في رفض دعوتي بفظاظة وأهانني. عندها قررت أن أعطيه مقدمة صغيرة في الأخلاق".
قالت أمه محذرة: "يا أدريان".
حاول أدريان أن يلتف ويهرب من هذا الموقف: "فعلت ذلك من أجلك. ظننت أنك ستسعدين إن أحضرته لك".
"أنت هنا ممثلاً لطائفة الشمس المشتعلة. لن تتصرف كعابر سبيل أحمق يضرب الأطفال الصغار ويخطفهم. إنه انعكاس مخزٍ لطائفتنا وقيمنا. أتفهم؟".
تلألأت عيناها بالنار.
"لكن يا أمي—"
استطاع إخراج كلمة أخرى من فمه قبل أن تلف هالته حوله بالفعل، مطبقة عليه من كل الاتجاهات. رغم عدم تعرضه لها مباشرة، أنّا جوليوس إذ حرق محض حرارة الهالة جلده.
"تبدو وكأنك نسيت غرضنا هنا. إنه زراعة علاقة صحية مع الإمبراطورية. لا التصرف كطفل نزق يفعل ما يشاء".
عززت كل كلمة منها بنبضة هالة. تظاهر أعضاء طائفتهم الآخرون بعدم وجودهم. كانت رؤوسهم مطأطأة، وكانوا يبعّدون أنظارهم عن الجلبة.
"لكنه قد—"
"أظننتني لم أره!؟"
انشق صوتها، وانكمش أدريان جسدياً.
"هذا ليس المنزل، ولا يمكنك فعل ما تشاء. اجلس هناك الآن وأبقِ فمك مغلقاً. إن تسببت في أي مشاكل إضافية، فسأعيدك إلى الوطن وأرسلك للزراعة في الأراضي المحروقة لمدة شهر".
حين أيقنت أخيراً أنها أوصلت نقطتها، ارتاحت هالتها واستعادت رباطة جأشها.
قالت لهم دون أي أثر لضجرها السابق: "أعمق اعتذاراتي، فشؤون العائلة قد تكون معقدة للغاية".
أومأ جوليوس متفهماً، لكنه كان فضولياً بشأن شيء آخر.
سأل مهتماً بما قد تكون رأته ورآه أدريان أيضاً: "ماذا قصدت حين قلت إنك رأيته؟".
"ماذا تقصد؟"
قال بهدوء ناظراً إليها بتوقع: "أنت تعلمين ما أقصده".
بدت مرتبكة بصدق من سؤاله.
قالت له: "أعتذر، أنا لا أفهم السؤال".
بينما بدت بريئة، فقد عرف في قرارة قلبه أنها تخفي شيئاً. ضحك.
وقال لها مثبتاً التواصل البصري طوال الوقت: "اعتبر ذلك جزءاً من تعويضي".
بينما اعتقد البعض تصرفه محفوفاً بالمخاطر بالنظر إلى أنه كان يتحدث إلى شخص قوي للغاية، فهو لم يعبأ. أراد معرفة ما يتحدثون عنه. أطلقت ابتسامة خبيثة أخيراً.
سألته: "أمتأكد أن هذا ما تريده تعويضاً؟".
هز كتفيه.
"ما لم تكوني قادرة على تقديم شيء أفضل لي. لست بحاجة ملحة لشيء محدد في الوقت الحالي".
قالت وهي تهز كتفيها وتأخذ لحظة للتفكير: "حسناً، إن كان هذا ما تريده".
نظرت إلى ابنها وركزت ثانية على جوليوس.
أخبرته أختاماً: "كنا نتحدث عن نارك".
ضيق جوليوس عينيه على كلماتها.
"ما شأن ناري؟"
أشارت قائلة وقفت للحظة وهي تراقب ردة فعلها: "هناك بعض الخصائص الخاصة فيها والتي قد يراها الأشخاص الذين يزرعون تقنيات النار قيّمة أو مثيرة لاهتمام. فضولي. أنت لا تعلم، أصحبت كذلك؟".
جارها في الحديث.
"لا، لا أعلم. أينبغي لي؟"
"لست مندهشة بشكل خاص. ليست معلومة شائعة تماماً في الإمبراطورية، أظن. لن يعرف أغلب الناس في كورفوس كيفية التعرف عليها، لا سيما وأنت في المستوى الثالث فحسب. لكن هناك علامات قاطعة".
"ما هي؟"
ابتسمت عريضاً.
"أسمعت من قبل عن أشكال متقدمة لمختلف العناصر؟".
أومأ بخفة. كان قد سمع شيئاً عنها في أحد الكتب التي قرأها، لكن الكاتب لم يخض في الكثير من التفاصيل. أدرك جوليوس أن هذا شيء يحدث طبيعياً حين تبلغ المستويات العليا من الارتقاء.
اعترف: "نعم، لكن ليس بهذا القدر".
أخبرته قائلة: "حسناً، تمتلك نارك جوانب معينة تشير إلى إشارات هذا الحدوث، وهو أمر غير معتاد للغاية لشخص في عمرك. لقد رأيت قلة قليلة جداً من الناس ينالون واحدة في المستوى الثالث".
"أي نوع من النار المتقدمة أمتلك؟"
شعر ببعض الحماس يتصاعد في داخله. أحب وقع ما كانت تقوله. ضحكت.
"أوه لا. ليس لديك واحدة بعد، لكن لهيبك في طريق إزهاره لواحدة، وهذا مثير للإعجاب بما فيه الكفاية كما هو. ولهذا حاول ابني الأحمق إحضارك لي. لكن لن يطول الأمر حتى تفعل. ثق بي، حين تكتسب شكلاً متقدمماً، ستعرف".
عبس. لقد ظن أنها تعني أنه يملك واحدة بالفعل.
سأل: "أي نوع من الأشكال سأحصل عليه؟"
أوضحت قائلة: "من الصعب الجزم. هناك تنويعات كثيرة لها، وحتى إن حملت ذات الاسم، فهي غالباً ما تعمل بطرق مختلفة تماماً. خاصتي تُسمى اللهيب السماوي، وحصلت عليها حين كنت في المستوى الرابع"، وأضافت تقريباً كأنها فكرة طارئة.
صرخ أدريان مذعوراً: "يا أمي! ما كان ينبغي لك أن تخبري هذا الفتى بهذه المعلومات".
حدقت بغضب في ابنها.
"إنه تعويضه. إن كان هذا كل ما يريده، فتقديم بعض المعلومات أقل ما يمكنني فعله. فبعد كل شيء، هاجمه ابني قبل قليل، ألا تذكر؟".
وضع أدريان رأسه ذنبًا، أو خجلاً، أو ربما حتى إحراجاً. ولعلها كانت مزيجاً من الثلاثة جميعاً. ثم استدارت عائدة إلى جوليوس.
"كما كنت أقول. أنت قريب جداً بالفعل من كسب شكل متقدم. الشكل الذي سيتخذه لغز، لكني أتخيل أنه سيكون قوياً جداً إن كانت مفاهيمك تشير لشيء".
"يمكنك معرفة ما هي مفاهيمِي؟"
هزت رأسها.
"إنه شعور غامض فحسب، لكنني استشعرت بعض جوانب الحياة والدمار في تلك النتوءات الصغيرة التي استخدمتها. حقيقة أنك وصلت إلى هذا الحد بالفعل بمفاهيمك وشعارك تشير إلى أنك سجد كسب السلطة أمراً سهلاً للغاية".
واصل طرح الأسئلة عليها: "أأحتاج إلى سلطة لأكسب شكلاً متقدمأً من النار؟"
إن كانت ستتطوع بهذه المعلومات، فسيكون أحمق إن لم يستغلها.
"لا، كما قلت. يمكن لأناس في المستوى الثالث كسب واحدة. لكن السلطة تجعل العملية أسهل بكثير لعنة".
لاحظ أكثر لنفسه من أي شخص آخر: "أسهل، لكنها ليست مستحيلة".
قالت بابتسامة مستمتعة كأنها كانت تعلم مسبقاً بما كان يفكر فيه: "صحيح".
للإنصاف، لم يكن صعباً جداً التنبؤ بما كانت أفكاره. ولم يخجل من الاعتراف بأن رأسه كان مفعماً بأفكار عن إمساكه بنار أشد فاعلية. اللهيب السماوي؟ بدا ذلك رائعاً بجنون. أراد شيئاً كهذا. نظر إلى الشخص الذي صار فجأة أكثر الأشخاص إثارة للاهتمام على كوكب الأرض بالنسبة إليه. إن استطاع معرفة كيف يكسب شيئاً كهذا، فسيكون ذلك تعويضيأً أكثر من كافٍ عن ألمه ومعاناته.