تابع منظور ديريك راقب بابتسامة مستمتعة وميض الأشواك الزرقاء الصغيرة عبر الميدان بأسره. أسفر كل وميض عن مصرع ثعلب. كانت مجزرة ولم تنفع محاولات أولئك المتدخلين لإيقاف جوليوس بشيء. بينما صُدم غالبية الحاضرين بهذا التطور المفاجئ لم يتفاجأ ديريك ورفاقه. اعتادوا جوليوس وخبروه جيداً. كان صديقهم قوياً بصورة مرعبة. حظي ديريك باهتمام واسع لكونه ولي عهد بيت زينيث ولتتويجه ببطولة القمة الذهبية.
ما غاب عن إدراكهم أن ديريك فاز بقاعدة تنظيمية بحتة. أيقن تماماً أن جوليوس كان ليهزمه في النهائيات لولا تشتت ذهنه بالتدريب طوال الليل. ربما كان ما جرى أفضل. هكذا تجنب جوليوس أنظار القوى الكبرى. لكنه لم يظن أن هذا الهدوء سيدوم بعد أن استعرض جزءاً من قوته الحقيقية أمام العاصمة بأسرها. قد لا تكون قوته الكاملة لكنها ستكفي قطعاً لجذب اهتمام الكثيرين.
قال عمه بابتسامة: "مذهل".
بدت خالته كمن قرض ليمونة بينما بدا جده منتظراً للنتيجة. لم يفاجأ ديريك بقدرة جده على تبين مهارة جوليوس الحقيقية. مهما أحب جده حقيقة أنه وُحش يُعرف بأقوى دوق في الإمبراطورية ظلت قائمة. وحدها الوصوش الأكبر سناً والمتبتلون المتخفون عن أعين العامة قد يفوقونه قوة. اشتبه في أن المدعو دورين الذي اختطف جوليوس هو أحد أولئك وحرص على إخبار جده عنه الليلة الفائتة. ارتاح حين تبين أن جده سمع به حقاً.
امتنع جده عن الخوض في تفاصيل هوية دورين لكنه حذره بصرامة من اجتنابه إن أمكن. رغم غياب العداء الظاهري بدا الرجل شديد التقلب ومسؤولاً عن مآسٍ عديدة عبر القرون الماضية. توق ديريك لمعرفة كنه مقصده لكن جده أصر على طي التفاصيل. زاد هذا فضوله اشتعالاً.
سأله عمه قاطعاً تمله: "أتعلم أنه يملك هذه القدرة؟".
التفت ديريك نحو عمه البادي مأخوذاً بما رأى وأومأ بحزم: "جوليوس قوي للغاية".
"أقوى منك؟"
بدا تساؤل عمه حقيقياً.
ضحك ديريك باستهزاء: "أجل".
استعصى تصديق موهبة جوليوس على الناس لسبب ما. حاول ديريك إقناع أسرته بضرورة دعم جوليوس بكل السبل. إن لم يكن لكونه صديقه المقرب فلأنه سيمسي أحد أعمدة القوة في الإمبراطورية. لعلهم ينصتون إليه الآن. طالما أرادوا تجنب سعي بيوت أو قوى أخرى لخطف جوليوس. أدرك ديريك رفض جوليوس لعروضهم لكنهم جهلوا ذلك وسيحاولون ضمه شتى السبل. عرف صديقه بما يكفي ليدرك كم سيمقت ذلك. شكلت وليمة العشاء فرصة مثالية لكنهم سمحوا لجوليوس بالانفراد بشؤونه.
علاوة على ذلك امتلك جوليوس معلماً كقين ستيلبورن. رغم قوة قين بنظر جده افتقر الأخير إلى الثقل السياسي الذي يتمتع به بيتا زينيث أو فايول. احتاجوا لإعلان عام قريباً لمنع إغراق جوليوس بالطلبات الطائشة. غدا الأمر مرجحاً بشدة لا سيما بعد إنجاز جوليوس للمرحلة الأولى في غضون دقيقة حين جدّ في الأمر وهو إنجاز عجز عنه سواه إلا قلة.
* * *
تابع منظور جوليوس رغب في مداواة نفسه بشدة لكنه أدرك انعكاساتها المؤلمة على المدى البعيد. استقطب أنظار هذا الرجل بالفعل ولو تنبّه لمهارة شفائه لعدل عن رأيه وعاد لأجله. علاوة على ذلك كان الألم طفيفاً. لم يواجه خطراً حقيقياً بالموت غير أن اضطراره لتحمل ذلك حتى مغادرة الرجل أثار غيظه. لم يملك سوى إخراج جرعة شفاء من خاتمه وتجرعها. عجز عن ابتلاع السائل فاستعان بشيء من الهالة لدفعها نحو حلقه قسراً.
حينها فقط سحت جرعة الشفاء نفعها. أطلق جوليوس تنهيدة خفيفة مع بدء تعافي جسده المحترق والمتقرح تدريجياً. رغم رغبته في توجيه كلمات لمهاجمه أدرك عبثيتها. لقد قرروا تركه وشأنه الآن ولا جدوى من استفزاز الرجل في هذه المرحلة. إضافة إلى ذلك تمنى جوليوس لو تفاجأ بوضعه الحالي لكنه لم يفعل. شكّل هذا السبب الأبرز لرغبته في طي قوته الحقيقية عن الأعين. ما لم يتوقعه هو محاولة اختطافه قبل مغادرة الملعب مباشرة.
رغم ذلك اعتبر نفسه محظوظاً لتراجع أدريان عن أذاه. ألقى بنفسه على ظهره متأوهاً بينما أدت مانا الحياة وظيفتها الملطفة. أراد دراسيل المعونة فنهاه جوليوس. تفقد المحيط ملاحظاً حشداً صغيراً يتجمع حوله. لعل هذا ما منع الرجل من اقتياده منذ اللحظة الأولى. لم يكن الموضع زقاقاً خلفياً يمارس فيه ما يشاء. ظل المكان بطولة تنظمها السلطات الحاكمة للإمبراطورية. لاحظ جوليوس خلو المحيط ممن يبدي رغبة في العون واكتفائهم بمراقبته متأوهاً على الأرض بينما غادر رجل المرتبة الخامسة كأن شيئاً لم يكن.
في المقابل حدق جوليوس في أثر الرجل بنظرة معقدة. لكنها تحولت سريعاً إلى تسلية فور استشعاره قدوم أحدهم.
دوى صوت قين في المكان بنعومة خطرة: "أين تظن أنك ذاهب بحق الجحيم؟".
بقيت هالته محتواة ومستترة لكن جوليوس رافق قين طويلاً ليدرك جدية الرجل غير الطبيعية. استدار صاحب المرتبة الخامسة الذي أحرق هالة جوليوس وجسده ببطء ليواجه قين. قهقه الرجل لدى لمحه قين يتقدم نحوه بهدوء ولذهول جوليوس تجاهله. عاد لأدراج مسترشدة ولوح لقين. ضحك جوليوس بصاخب وابتسم حين اختفى قين من موضعه. بدا كالانتقال الآني لكن جوليوس علم خلاف ذلك؛ تحرك قين بسرعة جعلته يبدو كالسحر المكاني.
دوى اصطدام عنيف في الممرات حين صُدم صاحب المرتبة الخامسة من حلقه بالحائط. التفت يد قين اللحمية حول رقبة أدريان وتدلت ساقا الرجل عن الأرض. لم يملك جوليوس سوى الابتسام لرؤية المغرور سابقاً يتخبط بهلع.
انحנה قين للأمام مخاطباً إياه بهدوء: "سألتك شيئاً".
لكن القوة الكفيلة المخفاة في كلماته دفعت عيني الرجل للنزف. تخبط الرجل ناخراً حلقه محاولاً النطق لكن استحالت الاستجابة بقبضة قين. خفف قين قبضته قليلاً ليفسح له مجال الكلام.
لاهثاً بطلب آمر: "ارفع يديك القذرتين عني".
استشعار جوليوس لمحاولات أدريان تفعيل بعض مهاراته واجهتها قدرة قين بإبطالها. غدا عاجزاً كالجرو الوليد تحت قبضته المثبتة بالحائط.
رد قين بسخرية: "أأتركك؟".
رد الرجل لاهثاً: "نعم! أتعلم من أكون… أو أي طائفة أنتمي إليها؟".
تفحص قين رداء الرجل لههة قبل أن يلفظ باستهزاء: "لا، ولا أعبأ بالأمر البتة".
أطلق أدريان سعالاً أجش: "أحذرك، إن لم تخل سبيلي فسأقوم شخصياً…".
انقطع كلام الرجل لاستخدام قين يده الأخرى لفتح فم أدريان قسراً وانتزاع لسانه بحركة خاطفة ووحشية. أذهلت قسوة الفعل وعنفه جوليوس بعض الشيء.
سأله قين وسط صرخات ألم ترددت في المكان: "بماذا ستفقوم شخصياً؟ أخبرني عما ستفعله بنفسك".
رفعه عن الحائط وهوى به أرضاً متصاعد الغضب في نبرته. تلطخت الأردية البيضاء الناصعة سابقاً بالحمرة مع ارتطام الرجل بالأرض الحجرية وتناثر دمه ولحمه في كل اتجاه. ظل حياً مرجحاً لانتمائه للمرتبة الخامسة وحدها. هم قين برفعه مجدداً حين أعلن صوت آخر عن حضوره.
قطع صوته الهدوء المخيم على المكان: "عزيزي، أرجوك كبح نفسك".
لم تحرك الجماهير الساكنة ساكناً كخوفهم من تلقي مصير مشابه لأدريان حال حركتهم.
التفت قين لزوجته حائراً وهو يحمل الرجل عارضاً إياه أمامها: "أنا أكبح نفسي".
تقطب وجه جوليوس لرؤية الهيكل المحطم للرجل الذي سحقه بهالته سابقاً.
سخرت فريا: "لا أعني ضربك لهذه القمامة، لكننا نعجز عن انتزاع الأجوبة بلا لسان ينطق".
تمتم قين مدركاً وهو يحك رأسه: "أه، نقطة وجيهة".
أدارت فريا عينيها مقتربة من الرجل القابع في قبضة زوجها. استشعارها لجمع مانا الحياة أسفر عن تشكل لسان جديد داخل فم الرجل المدمى، مع حفاظها على بقية الإصابات على حالها. ثم قصدت جوليوس المتعافي ببطء. ركعت بقربه محتضنة وجنته برفق بيمناها الدافئة. ثم وبنبضة قوية لمانا الحياة أتمت شفاءه. أطلق أنيناً سعيداً مع التئام ما تبقى من جراح عجزت عنها جرعة الشفاء فوراً.
ابتسم قائلاً: "شكراً".
هزت رأسها نافية: "لم توقع نفسك في هذه المأزق دوماً؟ أنت أسوأ من قين".
احمر وجهه متمتماً بشكر هادئ آخر.
أدارت عينيها ناثرة نقرة خفيفة على جبينه: "لا يعد هذا مديحاً".
فتشت هيئته تماماً والتأكد من تمام عافيته دفعها للنهوض وقصد صاحب المرتبة الخامسة الأنين.
هتفت وجليد يغلف جسد أدريان ببطء: "ما الذي يخولك لمس متدربنا والإفلات بفعلتك؟".
تمتم قين بارتباك: "متدربنا؟".
تجاهلته قابضة على شعر الرجل رافعة وجهه إليها: "من أنت ومن تنتمي؟".
لم تتلق سوى الصمت رداً.
عقب جوليوس لرؤية انعدام استجابة الرجل: "ذكر انتماءه لطائفة شمس الاحتراق أو نحو ذلك ورغبته في اقتيادي لمكان ما للحديث".
تذمر قين: "شمس الاحتراق؟ من بحق الجحيم هؤلاء؟".
هتف صوت مباغت: "تعد طائفة شمس الاحتراق أحد ضيوف الإمبراطورية الأعزاء، ولذا أصر على إخلاء سبيله السيد أدريانغوس".
التفتت رؤوسهم جميعاً باتجاه مصدر الصوت.