حين جاء دور جوليوس أخيراً. تخطى الحواجز كريستينا وديريك وإدغار. ظنّ أن ليام وإيرين عبرا أيضاً لكنه لم يكترث لمنازلتهما. غادر مبكراً ليهنئ ديريك وإدغار. ما زال موعد نزال أوبري لاحقاً اليوم فلن يعرفا النتيجة حتى ذلك الحين. الصديق الوحيد الذي تعثّر عند عتبة المرحلة الأولى هو سايروس. لم يرَ جوليوس في الأمر خطباً وشكّ في وقوعه. رغم تذمر التوأم الأصغر مراراً من سرقة قتلاه فهم جوليوس ومعظمهم أن الأسباب تخطت ذلك.
الحقيقة أنه لم يكن كافياً. قصر مهارة وجهداً إن قورن بكريستينا. طوال أسبوع المعرفة بسايروس قلّما رآه يضاعف جهده. حضر التدريبات مرغماً لا راغباً. بالسبب ذاته عجز عن مواجهة البيئة الفوضوية فظهر جلياً عجزه عن الثبات تحت الضغط. افتقر لحسن تقدير الوحوش الواجب صيدها أو حسن التصرف وسط المواقف. هكذا ورغم عبور البقية بدت الأجواء هادئة نسبياً في منزل زيث.
أردف كين مباغتاً: "من الأفضل ألا تحرجني".
سأل جوليوس مبتسماً بتهكم لفرييا التي ردّت بابتسامة خفية: "أيجدر بي التماس الإقصاء الآن؟".
هدد كين: "إياك. سأبرحك ضرباً بنفسي أمام العاصمة بأسرها إن فعلت".
لو جهل حقيقة كين لظنّه جاداً. قهقه لكنه كبح ضحكته حين ألفى كين صامتاً يرمقه بنظرات جامدة. تملّكه شعور بأن كين يعنيه حقاً.
حذر كين ما إن صمت جوليوس: "لا تخسر بسبب العبث".
اعترض جوليوس: "ألم تقل إن اندفاعي بكل طاقتي فكرة سيئة؟".
صرّح كين: "قلت أخفِ بعض أسرارك. لا تعبث. إن عجزت عن الكبح قليلاً والمضي فعليك حتماً بإعادة التدريب".
قالت فرييا بنبرة تحذير لزوجها والتفتت إلى جوليوس: "أظنه استوعب يا عزيزي".
ثم سألت: "أحسمت أسلوب قتالك؟".
أومأ جوليوس: "أجل، أنوي سلوك درب السحر. تتيح هيكلة البطولة صيد الوحوش العادية".
شاهد نزال كريستينا وأيقن قدرته على صنع مثله.
تساءل كين بخيبة: "بلا طاقة حركية؟".
شرح جوليوس بعدما هيأ عذراً مسبقاً لكين: "أرغب بضبطها قبل الإشهار".
والحقيقة أنه كره كثرة الحركة. ظن النزال أيسر إن توقف عن إطلاق نفسه كالمجنون في الميدان. فعلها إدغار البارحة ولم يمل جوليوس نحو الاقتداء به.
تمتم كين بنبرة خفيضة سمعها: "معقول، قد تحرجني بحالك الراهنة".
تجاهله جوليوس ملوّحاً مودعاً وهو يمضي في النفق نحو تجمع المتسابقين. لمس بصره عابراً المجموعة السابقة وجهاً ألفه البارحة. صاحب القميص الضيق. تذكر قول ديريك إن اسمه إسحاق أو ما شابَه. أقرّ بإعجابه بما أظهره الرجل. قلة معدودة أجهزت على زعيم الوحوش بمفردها. لم يماثله سوى أربعة متسابقين من المباريات التسع الماضية وأحدثهم عراقة. سمع جوليوس ذكر كل منهم على ألسنة المتفرجين والمنافسين.
أحدهم تلميذ مباشر للرجل المعروف بحكيم السيوف الساقطة. اسم متغطرس برأي جوليوس لكنه دقيق غالباً، فقد رأى التلميذ يبتكر عشرات السيوف الهائلة بالسماء لتخترق زعيم الوحوش. والأخرى تلك الفتاة كاسي فايل. لمفاجأة الجميع اقتربت من زعيم الوحوش فسقط قتيلاً عند قدميها. أسرع من جمع مائة نقطة بلا منازع. جهل طريقة فعلها لكنه سيحذر منها خاصة مع تيقنه بنسبة ستين بالمائة من محاولتها سبر هالته سابقاً.
وهناك تلميذ ساحر متمرس من الرتبة السادسة. ريفن برايروود غمر الميدان بسحره. لولا أساور الحماية ونظام النقاط لظن جوليوس هلك الجميع أو أصيبوا بجروح بالغة لا الزعيم وحده. أخيرًا شخص استولى على انتباه جوليوس. لا لقوته المتفوقة بل لتطابق اسم ألفه بشدة. غاريت غرايسون. جهل الأمر لكن يبدو لويسلي غرايسون ذا ابن موهوب. كرهه جوليوس فوراً. لا عبرة بتمزيقه الزعيم بمهارة مذهلة. لم يستسغه وشك في مبادلته ذات الشعور إن علِم بأمره.
وها هو إسحاق. انطلق صاحب القميص الضيق نحو الزعيم بلا تردد مستنفداً طاقته منذ البداية خلافاً للمتنافسين الحريصين على إخفاء قوتهم. تتابع دوي الصدمات بالساحة مع تسديد إسحاق قبضات لحمية ثقيلة للوحش. كأن حماية نفسه لا تعنيه بتاتاً، هجوم محض. اتكح على صلابة جسده الخيالية لامتصاص الضربات. ذهل جوليوس لمتانة الفتى. مهما قسا ضرب الزعيم تجاهله ببساطة. لم يخجل جوليوس من إقرار تفوق صلابة جسد إسحاق على جسده.
امتلك مهارة شفاء فلم يحسده. امتلك طرقه للتعامل مع الأضرار. استغرب بلوغه هذا الإنجاز. جسد يتوقع مرآه برتبة رابعة لا ثالثة. رغم بساطة قتاله تيقن تقريباً من بلوغ إسحاق المرحلة النهائية. البساطة أقصر الطرق أحياناً. كما بدا حين أطاح إسحاق بالزعيم ومضى مغادراً الميدان بأقل من دقيقتين. ساعده كون قوة ضرباته تكفي لردع المتربصين فانعزل بمواجهة فردية مع الزعيم. لم ينفرد جوليوس بحدق النظر نحو الجبّار.
نصف المتسابقين والمحيطين رمقوا صاحب القميص الضيق. الأمر غير مستغرب في الواقع. الغريب بقاء القميص سليماً. تحفة نادرة أو أثر مرتبط بالروح حتماً لئلا يصيبه خدش. مروراً بإسحاق توقف الفتى فجأة أمامه.
انحنى إسحاق بفظاظة يحدق به: "ما اسمك؟".
تردّد صوته الأجش بالغرفة. لمحه جوليوس عابراً بهدوء متظاهراً بتجاهله. بالطبع تعذر الأمر وشعر بقبضة تحكم وثاق كتفه.
سأل جوليوس بهدوء دون التفات: "أيمكنني مساعدتك؟".
رد إسحاق: "سألت عن اسمك".
واجهه جوليوس أخيراً: "ألهذا السبب وضعت يدك عليّ؟".
أجاب جفظاظة: "نعم".
احترم جوليوس صراحته وهز كتفيه: "جوليوس".
حينها فقط أفلت كتفه فعدّها دعوة لمتابعة المسير. خاب ظنه.
تمتم خلفه: "اتخذني خصماً".
رد بلا تردد: "لا شكراً".
أصرّ: "اتخذني خصماً".
أردف مسرعاً محاولاً الإفلات من مهووس القتال: "أنا بخير".
كرر: "اتخذني خصماً".
تساءل جوليوس عن صحة عقله وهل عانى ارتجاجاً من قتال الزعيم.
أردف متفادياً قبضة أخرى: "سل غيري".
تمتم بوهن سمعها: "لكنهم أضعف. أريد متعة فحسب".
هزت كلماته مشاعره فالتفت ليرى إسحاق الحزين. هبطت هيئته مطيحاً بوحش جبار قبل ساعة ليغدو جروًا تائهاً لا قوة مرعبة.
تنهد بيأس: "حسناً، سأفكر بالأمر. نتحدث لاحقاً. أيرضيك هذا؟".
انتفض مفاجئاً وأومأ بقوة راضياً بكلماته.
رمق بابتسامة متوجعة: "ممتاز، عليّ الذهاب الآن إن لم تمانع".
أومأ مجدداً مفسحاً الطريق: "أتطلع لنزالك. أعدك بلقائك بعده".
ابتسم بتوجع: "لا داعي، أنت مشغول بلا شك".
ابتسم بإشراق: "كلا، فراغي تام. سأنتظر".
انتفض جزعاً مؤمئاً بينما خطط برأسه للهرب منه.
* * *
ملاحظات إسحاق هبط بمقعده الوثير بتمتمة سعيدة. فتر النزال قليلاً لكنه ظفر بثمين بالختام.
علقت خالته يلينا بجواره: "تبدو سعيداً، ظننتك ستخيب لخلو القتال من المتعة".
أعلن بفخر: "لا باس. وجدت من يفوقه".
"ما تعنيه؟".
شرح باختصار أمر المنافس المكتشف للتو. وسط المتسابقين مثّل جوليوس نادراً استثار غرائزه. سوى تلميذ حكيم السيوف وفتاة فايل، اعتبر الفتى الأسود الشعر وحده خطراً حقيقياً. أفصح لخالته. تولت تعليمه طفلاً فدركت مقصده.
استفسرت بنبرة فضول: "أحقاً؟".
امتلك غرائز ممتازة وموهبة استثنائية لتقييم الأخطار والفرص مورثة عائلية. شاركته خالته الموهبة ذاتها.
سألت: "أيهما؟".
أشار إليه بسرعة. راقبه منذ دخوله الميدان. جهل نمط قتاله وبات متلهفاً لرؤيته.
عقبت ببساطة ناظرة للفتى: "أرى ذلك".
لم تبدِ افتتاناً ظاهراً لكنه عرفها بما يكفي لإدراك إعجابها وإلا لما انحنت متكئة بمرفقيها على ركبتيها. سرّه تشاركهما الانجذاب نحو الفتى المجهول.