اليوم هو يوم الموعود. بدا كأنّ انتظاره طال. سمع كثيراً عن هذه البطولة، لكنّه لم يشعر بحقيقتها إلا اليوم.
"هل أنت مستعد؟"
سألته فرييا. كانا يستقلان عربة متجهة إلى الملعب الذي ستُقام فيه البطولة. سبق له أن أتى إلى هنا للتسجيل، لكن إن ظنّ المكان مزدحماً حينها، فلا مقارنة بما هو عليه اليوم. مئات الآلاف تكدّسوا معاً محاولين دخول بوابات الملعب. الملعب نفسه كان ضخماً للغاية. جعل كولوسيوم روما يبدو كباحة خلفيّة متهالكة. كاد لا يرى قمة الملعب لارتفاعه الشاهق. لحسن حظّهما، وُجد مكان مخصص لوصول المشاركين.
فلم يضطرّا للانتظار طويلاً.
"لست متأكداً. لا أعرف حتى ما ستكون المرحلة الأولى. لقد أبقوها سرّاً، ولن نعرف حتى يُعلنوا عنها"
قال لها وهو لا يزال يراقب الحشد المحيط بهم. ابتسم حين رأى عائلات تضحك معاً بحماسة.
"هل تمرّبت بمهارتك الجديدة بما يكفي؟"
حثّته. هزّ كتفيه.
"ليس بالقدر الذي أردتُه، لكن لم يكن لديّ الكثير من الوقت أيضاً".
ولم يساعد أن الليلة الماضية كانت صاخبة بدورها. لقد أجروا أخيراً الطقس الذي جعله رسمياً تلميذاً لكين. كان بسيطاً بشكل صادم. تولّت فرييا أمر كل شيء، وبالكاد استطاع جوليوس تبيّن أي تغير. الشيء الوحيد الذي استشعره هو الرابط الجديد بينه وبين كين في روحه. كأنّ كليهما نقل جزءاً من روحه للآخر وترك أثراً. كان الأمر شبيهاً في الواقع بالأثر الذي تركه سافاث عليه، غير أنّه أكثر حميميّة بكثير.
من جهة أخرى، كانت مهارته الجديدة، [تحصين الروح]، مهارة بالغة الإثارة للاهتمام. شابهت كثيراً ما توقّعه وما فعله بالفعل بالمانا المنسوجة بهالة في المقام الأول. لم يعبث كثيراً بهذه المهارة ذات الرتبة الملحميّة، لكنّه رضي بما اكتشفه حتى الآن. ممّا استطاع تمييزه، كانت مهارته شبيهة للغاية بـ[تنقية الطاقة الحركية] وبعض مهارات التعزيز الأخرى الخاصة به. عملت في المقام الأول كمهارة كامنة، مانحة تعزيزاً طفيفاً لتقنيات تحكمه الحالية.
الفارق الأساسي الذي استطاع استشعاره هو السرعة الهائلة التي ابتكر بها بنياته. استغرقت الماننا المنسوجة بهالة وقتاً لتتجمع. ولهذا كثيراً ما امتلك أساور من الماننا المنسوجة بهالة مسبقاً، جاهزة لإعادة تشكيلها بالشكل الذي يرغب. ساعده هذا في تقليل الوقت اللازم للاستجابة لهجوم، لكنّه ظلّ أبطأ من بنيات الماننا الاعتياديةّة. مع ذلك، أتاحت له [تحصين الروح] خفض سرعة تكوين هذه البنيات إلى النصف تقريبا.
طالما أنّه بنى الهيكل سابقاً، ساعدته المهارة في تشييد بنية جاهزة، وكلّ ما احتاج إليه هو مدّها بالماننا والهالة. نسج هذا الهيكل الماننا نيابة عنه. وانخفض التركيز المطلوب للقيام بذلك يدوياً بشكل جذري. للأسف، لم تكن طفرة هائلة في القوة نظراً لإيجاده حلاً بديلاً بإبقاء البنيات مفعلة باستمرار. ومع ذلك، اعتقد أنّه بمجرد ترقية المهارة، سيجد لها استخدامات إضافية. حتى الآن، لم يكتسب أي مستويات مهارة، لكنّه لم يقضِ أكثر من بضع ساعات في العبث بها أيضاً.
أمّل أن تساعده البطولة في صقل هذه القدرة أكثر بقليل. سبق أن ناقش الأمر مع علياء. أخبرته أن المرحلة الأولى تهدف أساساً إلى التخلص من المشاركين الأضعف وأنّه لا داعي للقلق. أمّل أن تكون على حقّ؛ فقد أراد أخذ الأمور ببساطة في المرحلة الأولى. أخبره عدة أشخاص أنّ إخفاء مستوى قوته فكرة سدية، مبدئياً على الأقل. لن يقتصر الأمر على جعله هدفاً أقل عرضة للأنظار، بل لن تُقصفه منظمات مزعجة تسعى لتجنيده أو استمالته.
بصراحة، أراد فعل ذلك بسبب النقطة الأخيرة. كره مضايقات المتصلين المزعجين. قلق أيضاً بشأن المجمع وعلان جينشين. لم ينسَ أمرهم، خصوصاً حين رأى عدة أشخاص يرتدون أزياء كلان جينشين في الفعالية قبل بضعة أيام. لم يتعرّف عليهم، لكنّه دوّن ملاحظة بوجودهم. عنى ذلك أن بعض أعضائهم على الأقل تأهلوا للبطولة. لم يكن الأمر مفاجئاً لكونهم عشيرة قوية، وذكّر نفسه بضرورة توخي الحذر لئلا يحدث ضجة أكبر من اللازم.
كما لم يتلقَ أي أخبار من إدووين، ولم يفعل ديريك أو ليلي كذلك. لم يتواصل معهم معلمه القديم بعد، وساور جزءاً من جوليوس قلق من احتمال مكروه أصابه. هزّ رأسه طارداً الأفكار السلبية. لم يستطع التفكير في ذلك الآن؛ كانت لديه مشاكله الخاصة التي تقلقه وكان عليه الثقة بأن إدووين قادر على حماية نفسه.
* * *
وجد نفسه واقفاً بجوار أصدقائه بينما دوى الهتاف من كل حدب وصوب حولهم. ظنّ أنه سيكون أفضل استعداداً بعد خوض بطولة غولدنكريست، لكن هذا كان في مستوى مختلف تماماً. حتى مع تأثير كتم الصوت الصادر عن الحاجز، ظل الملعب يهتز من صرخاتهم. لم يقتصر الأمر عليه وجمجمته فحسب. تواجد ما يربو على ألف شخص في سنّه مشاركين في الفعالية. تجمّعوا جميعاً في مجموعة هائلة بمنتصف الملعب، بينما وقف منظمو البطولة على منصة أمامهم.
كانوا يشرحون لهم المرحلة الأولى من البطولة. ومما فهمه، بدا المفهوم مثيراً للاهتمام حقاً. لقد توقع مرحلة يضطر فيها لقتال المشاركين. لكن لم يكن الأمر كذلك. بل سيقاتلون كمجموعة ضد بعض الوحوش. سينظمون في مجموعات من مائة شخص في المرة الواحدة ويُجبرون على هزيمة الوحوش المطلقة. الخدعة هي وجود نظام نقاط. مُنح كل وحش عادي مكافأة نقطة واحدة لهزيمته. شرط الانتقال للمرحلة التالية كان مائة نقطة.
عنى ذلك احتياجه لهزيمة مائة وحش عادي لبلوغ المرحلة الثانية. لحسن الحظ، ساوت بعض الوحوش أكثر من نقطة واحدة. ووفقاً للمنظمين، مثلت الوحوش ذات النقطة الواحدة النوع الأضعف. وستتواجد وحوش أقوى تساوي خمس نقاط، وعشر نقاط، وحتى وحش واحد سيعادل مائة نقطة. من يهزم وحش الزعيم سينتقل تلقائياً للمرحلة التالية. المشكلة في ذلك تمثلت في وجود وحش واحد فقط من هذا النوع لكل مائة مشارك.
ما يعني رغبتك في ضمان التقدم، اضطرارك لقتال التسعة وتسعين شخصاً الآخرين في المجموعة لتلك الامتياز. فترض جوليوس عدم إقدام أغلب الناس على وحش الزعيم، لأنهم إن فعلوا ولم يقتلوا شيئاً، فلن يقدروا على جمع المائة نقطة اللازمة. سيتعين على الناس اكتشاف كيفية استغلال نقاط قوتهم والانتقاء بانتقائية الوحوش التي يستهدفون. ففي النهاية، وُجد عدد محدود من الوحوش. إن هُزمت جميعاً قبل قدرتك على جمع مائة نقطة، فستُقصى.
لحسن الحظ، حظر القواعد مهاجمة مشارك آخر مباشرة. غير أنّه لم يرد ذكر شيء عن سرقة القتل. وهو أمر اشتبه جوليوس في تخطيط كثيرين له بالفعل. سيكون مذهلاً رؤية كيف ستجري الأمور. أسيحقق من يجيد القضاء على أعداد هائلة من الوحوش الضعيفة أداءً أفضل؟ أم سيصل من يتحدى وحوش الخمس أو العشر نقاط إلى المائة أسرع؟ أسيُسرق مقاتل بأسلوب القاتل أغلب نقاط الناس؟ ما نوع الوحوش التي سيواجهونها؟
وجدت مجاهيل كثيرة، ولم يستطع جوليوس إلا أن يشعر بقليل من الحماسة وهو يسمع المزيد عن هذه المرحلة الأولى. شعر بتلك الحكة المألوفة تبدأ بالتسلل مجدداً. نظر إلى إدغار، وأوبري، وديريك بابتسامة على وجهه. شاهدا رد فعله، وكاد يجزم أنه رأى ديريك يتنهد. مع ذلك، لم يهمّ الأمر. استمع جوليوس باجتهاد لبقية الشرح. لم يرغب بتفويت شيء مهم عرضاً. ورغم عدم اهتمامه الكبير بالفوز بالبطولة بأكملها، فقد أبدى اهتماماً بالغاً ببلوغ المرحلة الثانية.
أراد رؤية هذا العالم السري بعينيه الاثنتين. وبينما كان يتخيل ما قد ييجده هناك، استشعار حواس شخص مقيدة نحوه. بدت طفيفة للغاية، ولولا ترصّده الدتم لمن قد يفعلون ذلك، لربما غابت عنه. لكنه لم يفعل. لم يبدِ أي تفاعل مع هذا الشخص، بل مدّ حواسه المكانية نحو الاتجاه الذي شعر بالمسح منه. عقد حاجبيه حين عجز عن تحديد مصدر المسح. استطاع حساب المنطقة العامة، لكنّه استحال عليه تحديد الموقع بدقة.
لابد أن من أرسل ذلك المسح امتلك مهارة قوية تمنع جوليوس من استشعاره. لم يوجد أثر ليقتفيه. لحسن الحظ، امتلك جوليوس أدوات أخرى في جعبته. مسح المنطقة المجاورة بعينيه، محاولاً رصد أي شخص بارز. تميّز كل شخص هنا بكونه من المرتبة الثالثة الأقوياء، لكنّه لاحظ فوراً ثلاثة أفراد برزوا لهدوئهم الرزين. الشخص الأول الذي انتبه له بعث إحساساً قوياً صريحاً. كان شاباً ضخماً يرتدي قميصاً أسود بلا أكمام.
هالته لم تكن مقيدة، وضغطت طبيعتها القمعية على المحيطين به. بلغت من القوة حدّ تحرك معظم الناس لخطوات عدة للوراء تفادياً للقصف بهذه الهالة. ومثّل بلا شك مقاتلاً بدنياً وشخصاً ظن جوليوس أنه بين كبار مشاركي البطولة. مع ذلك، جزم تقريباً بأن هذا لم يكن من أرسل ذلك المسح نحوه. اعتُبر الاثنان الآخران مرشحين أرجح بكثير. ويرجع ذلك لامتلاك هذين الشخصين هاتين تحكمان بإحكام شديد.
ارتدى أحدهما عباءة سوداء أخفت وجهه. لكنّه تبين كون الفرد فتاة أو شاباً أصغر حجماً. بخلاف صاحب القميص بلا أكمام، غلّف هذا الشخص هالته تماماً. وعجز عن تقدير قوته أو قدراته. ولو استشعرهم بحواس الهالة البحتة، لما ظنّ وجود أحد هناك. كان الشخص الآخر فتاة، وفتاة لطيفة بحق. امتلكت شعراً بنياً قصيراً نسبياً استقر على كتفيها ووجهاً خرافياً بدت عليه البراءة المطلقة. غلفا حالتيهما تماماً مثل جوليوس.
وتعمدا جعله يبدو كمرتبة ثالثة عادي. المشكلة الوحيدة تمثلت في جعل هذا الأمر يبرزها بشكل أكبر وسط الموهوبين بالمرتبة الثالثة حولهم. عدّل جوليوس هالته لتقليد إدغار، لعلمه بتواجده حول أشخاص أقوى من متوسط المرتبة الثالثة لديك. لم تفعل هي ذلك. ربما لم تفكر بالأمر، لكنّه جذب انتباه جوليوس. بصراحة، لربما فعل جوليوس المثل لولا نصيحة فرييا له بتعديل هالته قبل البطولة.
"هل أنت بخير؟"
سألته أوبري، ملاحظة إطالة نظره نحو الحشد.
"نجل، استشعار فحسب بأن أحدهم يحللني"
أجاب بهدوء مسجلاً حاجزاً لمنع الناس من التنصت عليهم. لم يضاهِ جودة ليلي، لكنّه تعلَّم بعض الأشياء، ورغم عدم دقته الشديدة، إلا أنه كفل عدم سماع الناس لمحادثتهم. فضلاً عن عدم إثارته للريبة. فقد قامت عدة مجموعات أخرى بأمور شبيهة.
"أتعرف من؟"
ردت بالسؤال.
"لا، لكن أعتقد أنه أحد أولئك الثلاثة".
أشار إليهم بحذر أمامها. لا بد أن ديريك تنصت عليه وعلى أوبري.
"أه، اسم ذلك الضخم إسحاق درايفن. إن أخذتني الذاكرة، فقد فاز ببطولة أكاديمية أيرونهارت. وسمعت أيضاً أنه كاد يقتل نصف خصومه. واضطرت المدرسة لتوفير معالج من المرتبة الرابعة جاهزاً طوال الوقت. قال والدي إنه شخص يجب الحذر منه بالتأكيد وربما يشكل رادعاً مناسباً لمهاراتي".
"ماذا عن الاثنين الآخرين؟"
"لا يمكنني رؤية وجه أحدهما، لذا لست متأكداً. لكن تلك الفتاة الأخرى هي كاسي فايل. إنها من عامة الشعب، لكنها أيضاً إحدى من حذرني والدي منهن. يبدو أنها تمتلك بعض المهارات والقدرات ذات الأصول المثيرة للاهتمام. لقد جذبت انتباه العديد من المنظمات والبيوت الساعية لمعرفة إن كان لديها معلم درّبها أم تعلمتها بنفسها".
"أي نوع من المهارات؟"
"بضع مهارات متعلقة بالروح، حسبما فهمت. لم أسأل كثيراً عنها، لكن إن أردت، فعليك سؤال والدي. سيستطيع إخبارك بالمزيد"
قال له ديريك. أومأ جوليوس. قد يضطر لقبول ذلك العرض. فرغم عدم ظهور خطر صريح منها، أخبره حدسه في أعماقه بوجوب الحذر منها. وسيحرص على مراقبتها عن كثب في المستقبل.