سألها فريا مرة أخرى: “أأخذت كل شيء؟”.
هزّ رأسه. وتأكد من خاتم تخزينه الجديد مجدداً تحسّباً. لم يحسن كاين ولا فريا فنّ كسر الخواتم. لذا عجزا حتى عن اقتحام خاتم تخزينات المرتبة الخامسة. عرفا شخصاً ماهراً في هذا المجال لحسن الحظ. وطلبا المساعدة منه. انشغل الرجل بأعمال أخرى بالطبع. ورغم أن طالبتَه كانت بقوة فريا، فقد أخبرهما باستحالة البدء في مشروعه قبل الفراغ من أعماله الحالية. تقبّل جوليوس الأمر ببساطة ولم يؤرقه الانتظار.
انشغل بأمور أخرى كثيرة فلم يكد يلقي له بالاً. أنهى الرجل مشاريعه الأخرى أخيراً ووجه اهتمامه إلى خاتم جوليوس الجديد. اقتحم الخاتم ببعض الجهد. ظنّ جوليوس أنه استخفّ بذكاء صاحب المرتبة الخامسة الذي قتلاه هو وإيميل. فقد استغرق خبير فريا نحو أسبوع كامل ليظفر بالوصول أخيراً دون إتلاف محتويات الخاتم. سرّت جوليوس النتيجة رغم الانتظار الطويل. كان الخاتم ضخماً للغاية مقارنة بقديمه أولاً.
بلغ حجم الخاتم الذي انتزعه من ذلك النبيل المتغطرس حجم خزانة ملابس صغيرة. وفاق هذا الجديد حجمه بعشرة أضعاف على الأقل. استسعُد غرفة نوم صغيرة بداخله. لم يكن الحجم سوى إحدى مزاياه العظيمة. وتماثلت الوظائف الإضافية في روعتها. وُجد منظّم مدمج أتاح له فصل الأغراض المتنوعة دون شعور بأنه يكدسها في كومة ضخمة. واظب على فعل هذا بخاتمه القديم أكثر مما يليق. توافر سحر تجميد أقوى وأكفأ بكثير فضلاً عن ذلك.
احتوى قديماً على سحر تجميد طفيف ساعد في حفظ الطعام لفترة أطول بكثير مما يتيحه الجو الخارجي. لكنه لم يكن مثالياً. وُجد حد أقصى. واختبر هذا بالطريقة الصعبة حين عثر على قطعة كعكة متعفنة مخفية في خاتمه. استحسن الحمايات الإضافية الواقية من الاقتحام بالطبع. وحين عجز كاين وفريا عن الاختراق بالقوة الغاشمة، وثق تماماً بأن الآخرين سيواجهون صعوبة مماثلة. حفل الأمر بما أثار حماسته أكثر من مزايا الخاتم الرائعة.
المحتويات الفعلية. تجمّع كاين وفريا وجوليوس لفحص ما يحويه الخاتم. أشبه شيْء بفتح الهدايا أو صندوق ألغاز مثير. فرك جوليوس يديه بشوق عاجزاً عن كبح حماسته. خبا حماسه سريعاً مع ذلك. لا لعدم وجود أشياء ثمينة داخله. بل لجهله التام بماهية هذه الأغراض أو الغاية منها أساساً. عثر على أشياء عدة تنبض بمانا قوية. لكن جهله جعله يجهل تماماً وظائفها. ولأن صاحب المرتبة الخامسة كان صانعاً، ظنّ جوليوس أن هذه الكنوز خصصت لمشروع مستقبلي، لكنه ظل تخميناً فحسب.
حضرت فريا لمساعدته لحسن الحظ. جهلت كُنْه كل شيء، لكنها تميزت بالتعرف إلى بعض الأغراض. تمثل الجزء الأبرز غالباً في الكمية الهائلة من النوى والأموال المخفية بالداخل. لم يقلق جوليوس حقاً بشأن المال منذ وصوله إلى هيستون، لكنه استبعد حاجته للقلق حياله حتى بلوغ المرتبة الخامسة. شغلت الكمية الهائلة من النوى والذهب ربع المساحة تقريباً. نُظّمت النوى بعناية فائقة أيضاً. وُضعت كل واحدة داخل صندوق يمنع تسرب المانا ويحافظ على الجودة العامة للنوى.
امتزت البقية بألواح معدنية متنوعة ومواد صناعة أخرى. لمح بعض الشرائح الصغيرة مما ظن أنه فولاذ الصقيع الملعن الذي ذكره إيميل سابقاً. وعدّ هذا من أثمن المواد التي عثر عليها بالداخل على الأرجح. قُسّمت مجموعة أصغر من الكنوز الطبيعية المتنوعة بعناية أيضاً. أبلغته فريا بالخبر السئ للأسف، ومفاده أن هذه الكنوز لن تفيده كثيراً. استهدفت غالباً غير المقاتلين ذوي الأسس الأضعف.
وجد نبات جذري غريب الشكل يمكن معالجته للمساعدة في تنقية الجسد استعداداً للترقي مثلاً. لكنه بات عديم الفائدة تماماً لامتلاكه أحد أفضل المفاهيم والمهارات التنقية. لم يقدره حقاً، لكن مهارة [تجدد العنقاء] مثلت المهارة المثالية لإزالة الشوائب من الجسد. وقرر ادخاره لأحد أصدقائه ممن قد يحتاجون إليه تبعا لذلك. استبعد احتياجهم الفعلي لهذا الكنز نظراً لمعرفته بعائلاتهم، فامتلكوا سلفاً طرقهم الخاصة لتنقية أجسادهم.
خلت المحتويات تقريباً مما يستطيع جوليوس استخدامه. أيقن أنه لو كان صانعاً لغمره السرور لرؤية هذه المجموعة الواسعة من المواد، لكنه شعر بقليل من خيبة الأمل لكونه مجرد أحمق غبي يحب ضرب الأشياء. غاب حتى العدد الكبير من الأسلحة الصالحة للاستخدام. ساوره إحساس بأن كايل سيحسن استخدام كل هذه الأشياء أكثر منه لحسن الحظ. قرر الاحتفاظ بها ريثما تسنح له فرصة تسليمها إلى سليل كوينسي أو أحدهم لتمريرها إلى كايل.
جهل جوليوس حضور كايل للبطولة من عدمه. علم بعمل كايل تحت إشراف معلّم في التحرير السحري، لكنه شك في سماح ذلك له بالذهاب إلى العاصمة. لم يعنِ عدم إيجاد جوليوس قيمة شخصية في كل ما بالخاتم خلوّه التام من الفوائد. وُجدت كومة ملابس لطيفة أضاءت عينيه حماسة. لم تكن ملابساً عادية قط. بل نافست جودة ملابس زيه المذهب بل وتجاوزتها. حيكت طبقات معقدة متعددة من السحر داخل خيوط فردية، وساوره شعور بصعوبة اختراق هذه الملابس متجاوزة بعض دروع الصدر.
تميزت بأناقة مدهشة كذلك. تصاميم بسيطة لكنها أنيقة في الوقت ذاته. اعترف بامتلاك صاحب المرتبة الخامسة حساً جمالياً رفيعاً، ويا لأسف اختياره اللصوصية مهنة. لأمكنه العمل مصمم ملابس ممتازاً في حياة أخرى. غاب الطعام عن خاتم صاحب المرتبة الخامسة. توافر بعض الطعام بالطبع، لكنه اقتصر على حصص مقيتة وخبر أساسي. أشياء يسهل أكلها ولا تشغل حيزاً كبيراً. مما جعل سحر التجميد عديم الفائدة تماماً برأي خبيرنا جوليوس.
بادر جوليوس أولاً بالتقاط بعض الطعام لحشوه بالداخل. وحرص على ملئه بطعام شهي. ولعدم اضطراره للقلق بشأن تعفن كعكته، تأكد من إخفاء بعض الأطايب على الدوام. تأكد من مكانها ثم أومأ لفريا.
“أخذت كل شيء”.
ابتسمت وناولته شيئاً. قطب جبينه متسائلاً عما تناوله إياه، ثم أطلق زفرة.
قال بحماس مصطنع قدر الإمكان: “شكراً لك، تساءلت أين اختفى هذا”.
ناولته إياه عصا الألغاز التي تدرب عليها. سببت هذه القطعة إزعاجاً بالغاً، وأمل ترْكها خلفها. لم تسمح له بالإفلات بسهولة للأسف.
قالت بصوت شديد العذوبة: “لا أستطيع إيقافك قبل إتمامها أخيراً”.
تصدع ابتساماته المزيفة قليلاً. ازدادت العصا صعوبة تدريجياً مع كل مرحلة. رغم تحسنه الهائل، ظل عند المستوى السادس وعلق فيه طوال الأسبوعين الماضيين. وتفاقم الأمر بظهور ارتداد عكسي الآن. كلما أخفق في المرحلة، ارتدت المانا المتراكمة عبر العصا عمداً نحو المستخدم. عجز عن إيقافها، وغادر مصاباً بصداع في كل مرة.
سارع بتغيير الموضوع: “أين كاين؟”.
وحشر العصا في أعمق أصقاع خاتمه.
أجابته: “في طريقه. عليه التأكد من سلامة المدرسة حين نغادر. سيصل في أي لحظة مع ذلك”.
أومأ جوليوس، وانتظرا معاً وصول كاين بصبر. ركز أثناء ذلك على امتصاص المانا الطفيف الصادر من يده. نسى ذكر التكاليف المرتبطة بالميزات الخيالية للخاتم رغم روعتها. سحب الخاتم كمية مرعبة من المانا منه لتغذية التعويذات مثلاً. وامتص بعض المانا المحيطة أيضاً، دون بلوغ كفاية التشغيل الكامل. اتضح عدم تخصيص هذا الخاتم للاستخدام من قبل مرتبة ثالثة. شك في قدرته على الحفاظ على متطلبات الخاتم إن امتلك مخزون مانا عادي الحجم، خصوصاً وسط قتال.
لم يُحدث فارقاً على الأرجح لصاحب مرتبة خامسة بمخزونه الهائل، لكنه لم يبلغ المرتبة الخامسة. وُجد حجر كريم أسود صغير يخزن مانا إضافية لحالة قصور مانا الخاتم لحسن الحظ. واستطاع ضمان امتلاء الججوهرة بالمانا طوال الوقت. ولهذا حرص دوماً على إبقاء جزء من ماناه تتدفق إلى الخاتم متى أمكنه ذلك. وصل كاين بعد وقت قصير. بدا مختلفاً تماماً عن المعتاد. ارتدى ملابس عادية كفريا وبدا أصغر حجماً إن صح القول.
اختلف تماماً عن الرجل الصاخب المعتاد الذي عرفه جوليوس. أخفيا هالتيهما بإحكام مفرط أيضاً، عارضين هالات مرتبة رابعة فقط. بدوا للناس كعائلة تخرج في نزهة يومية على الأرجح. التفت جوليوس محيطاً.
“وماذا عن دورين؟”.
نصّت الخطة على نقل دورين لهما إلى العاصمة مستخدماً سحره المكاني. رغم قدرة كاين وفريا على الانتقال الآني، فقدا مهارة نقلهم عبر هذه المسافة الهائلة. لكن جوليوس لم يلمح الباحث في أي مكان.
هزت فريا رأسها بخيبة أمل قائلة: “تعذر حضوره. لكنه ظل غير موثوق دائماً”.
سأل جوليوس: “أقال السبب؟”.
هزت فريا كتفيها.
“أمر بتسبب أحدهم بمشاكل وعليه تداركها. لا أعلم، سرني عدم مجيئه بصراحة”.
عبس كاين بعمق: “لست مسروراً، خططت له لشيء رائع للغاية”.
سألته فريا بريبة: “رائع؟”.
ابتسم كاين: “بالنسبة لي على الأقل”.
تجاهلته زوجته والتفتت نحو جوليوس.
“سنستخدم أحد وسائل النقل بعيدة المدى وحسب. تنعدم وسيلة توصلنا للإمبراطورية تماماً، لكننا سنقترب من الحدود ونطير ببقية المسافة. أتناسبك؟”.
هز كتفيه.
“أجل، لا أمانع رؤية المزيد من القارة. كم تستغرق رحلتنا إلى هناك برأيك؟”.
“لست متأكدة. علينا اجتياز بعض أمن الحدود، لكن بعدها ربما عدة أيام بناء على سرعتنا”.
سألها: “ألا يمكننا ركوب وسيلة نقل من الحدود إلى العاصمة؟”.
ضحكت.
“كلا. تُقيد تلك الوسائل بشدة، وربما استغرق الوصول إليها وقتاً أطول من الطيران. سيسهل الأمر هكذا”.
سمع جوليوس لأول مرة بالقيود المفروضة على وسائل النقل، لكنه اعتاد استخدامها برفقة نبيل أو ذي نفوذ. لذا عجز عن استيعاب تعقيداتها تماماً. لم يكترث للأمر حقاً أياً ما يكن. حمسّتْه رؤية أصدقائه مجدداً واستكشاف العاصمة التي أكثروا الحديث عنها. علم باقتراب العاصمة من مركز الإمبراطورية، وبحسب علمه، بلغت المسافة الفاصلة بينهما ضخامة هائلة. لذا عُدّ استغراق عدة أيام إنجازاً حقاً.
تساءل عن المدة المستغرقة لغير صاحب المرتبة السادسة. عجز عن الانتظار على أية حال. سمع بهذه البطولة منذ وصوله إلى هيستون، وتمنى ارتقاءها لمستوى الضجة المثارة حولها. إن لم تفعل، فليكن، امتلك كاين وفريا هنا لتعليمه أشياء رائعة طوال الفترة. ناهيك عن الطعام. سمع الكثير عن الطعام ولن يفاجئه قضاء الوقت كله متنقلاً من بسطة إلى أخرى. فكر مجدداً بضرورة فعل هذا بغض النظر عما يقع، وعد نفسه بذلك.