لحسن الحظّ، نفعت كل تدريبات جوليوس على التصاميم بالغة التعقيد. استابح نقل مهاراته المذهلة في صنع الكراسي إلى بناء زوج من الأجنحة خلف ظهره، وصمّمها محاكاةً لأجنحة العقبان. بذل قصارى جهده حتى لصنع ريش الأجنحة واحدةً تلو الأخرى. لم يكن لديه أدنى فكرة عما إذا كان هذا سيؤثر في كفاءتها، لكنه كان سعيداً جداً بعمله. لم تكن أجمل أجنحة يمكنه صنعها. وتوقع أن التحسينات ستأتي لاحقاً مع الممارسة فحسب.
مع ذلك، بدت صالحة للاستخدام، والأهم من ذلك أنه استطيع التحكم بها تماماً كالأجنحة الحقيقية. لن تمنحه القدرة الكافية للرفرفة بنفسه بعيداً عن الأرض، لكنها ستكفي لتتيح له المناورة في الهواء مثل الطائرة الشراعية. كان متحمسساً أكثر من أن ينتظر، فانطلق فوراً صاعداً شجرةً. ثم قبل أن يمنحه عقله فرصة للتردد، قفز ودفع نفسه نحو الهواء مرة أخرى. استطاع استشعار الفارق فوراً هذه المرة.
لم يضطر إلى إيلاء الكثير من الاهتمام للحفاظ على اتزان طاقته الحركية. قامت الأجنحة بالجزء الأكبر من العمل لإبقاء جسده في الوضعية السليمة. ومع أن التعود على توجيه الأجنحة كان صعباً، إلا أنه بدا غريزياً وأبسط بكثير من استخدام الطاقة الحركية لدفع نفسه في الاتجاه الصحيح. كما خفضت الأجنحة سرعته قليلاً، لكنه استطيع إصلاح ذلك عبر إدخال تعديلات على شكلها العام. اكتسب ثقةً أكبر تدريجياً بالأجنحة، وحين شعر براحة كافية، أخذ يلهو بها.
صار يلتفت، ويدور، بل ويؤدي حركات الالتفاف اللولبي أيضاً. شعر بثقة بالغة جعلته بالكاد يلاحظ حين انحدر لولبياً نحو الأرض عمداً. زاد سرعته على نحو شابه محاولته السابقة، لكنه استخدم أجنحته هذه المرة لاصطياد الرياح من تحت تلك الهياكل. بشكل مذهل، ولد هذا القدر الكافي من قوة الرفع ليجد نفسه منطلقاً بسرعة هائلة نحو السماء بأقل جهد ممكن. أطلق صيحةً عالية وقهقه كمجنون وهو يستمر بالعبث في الأجواء.
لم يدع حتى الوحش المهاجم يقاطع مرحه. استشعر وجوده وأرسل نحوه بتهور شوكةً صغيرة من المانا، مطيحاً به من السماء قبل أن يواصل تجربته في الطيران. كانت هذه إحدى الأمور التي طالما أراد فعلها منذ قدومه إلى هذا العالم، ولم يكن ليسمح لوحش صدع بأن يمنعه عن ذلك. واصل شق طريقه نحو الحصن، لكنه لم يكن في عجلة من أمره.
فقد احتج إلى القليل من "التدريب".
* * *
حين شبع أخيراً من المرح... تصحيح... التدريب. بدأ فعلياً في شق طريقه نحو الحصن. تصدت له عدة وحوش طائرة، لكنه وجد مع وجود الأجنحة أن المناورة ومهاجمة الوحوش أصبحت أبسط بكثير دون الحاجة إلى تركيز جل اهتمامه على الطيران. يعني هذا أنه لم يسقط متراجحاً بين الأشجار ولا مرة واحدة، وهو إنجاز بالنظر إلى كل الظروف. وعندما اقترب من الحصن، قطّب جبينه حين لمس بصره عدة أشكال جادمة فوق الأسوار.
لم يتوقع رؤية أي وحوش تتجول في هذا الحصن. كما أنه لم يكن يتوقع أي شيء أساساً، لذا كان أي أمر مفاجأةً له. لكن، وبينما كان يتساءل في نفسه عن طبيعة الوحوش أو المخلوقات التي تشغل هذا الحصن، توقف في منتصف الهواء حين لاحظ ملامح بشرية مميزة. كان لا يزال على مسافة ما، لكنه يكاد يقسم بأن الأشخاص الواقفين فوق الأسوار بشر. بدا هذا غريباً لسببين. السبب الأكبر هو أنه لم يصادف قط بشراً داخل صدع من قبل.
ليس بشراً من أهل الصدع الأصليين على الأقل. فكلما رأى بشراً أثناء التوغل، كانوا إما أشخاصاً يغامرون بشكل مستقل مثله، أو رفقاء يرافقونه هناك. لم تدم حيرته طويلاً لأن الأشخاص على الأسوار لمسوه بسرعة وهو يطير مقترباً من الحصن. التفوا نحو بعضهم وأخذوا يشيرون إليه أثناء حديثهم. ثم رأى نوعاً من التجهيزات الحربية يعده هؤلاء الأشخاص، فاتخذ القرار الحكيم برفع يديه في الهواء بينما كان يهبط نحو الأرض.
بما أنه كان قريباً جداً من الحصن، فقد انبسطت الغابة ولم يبق سوى سهول عشبية خالية أمام الحصن. أحاطت بالحصن خندق مائي، إلى جانب جسر ضخم وحيد يؤدي إلى البوابات الضخمة بالمثل. عندما هبط، أذاب الأجنحة عن ظهره وشكلها لتصبح دملجين سميكين حول معصميه. لم ير سبباً لإهدار المانا، فقد يحتاج إليها لاحقاً. مجرد كونهم بشراً في الظاهر لا يعني أنهم ودودون. وبحسب ما يعلم، فقد يهاجمونه قبل أن يبلغ الجسر.
لذا وبنظرة حذرة، شق طريقه ببطء نحو الجسر بينما وجه الأشخاص على الأسوار مدافع ضخمة تنبض بالمانا نحوه. حملت هذه المدافع قدراً من المانا المشحونة بما يجعل القلق منها واجباً. لم يدر كم هي قوية، لكنه ظن أن أي شيء يستهلك كل تلك المانا لتشغيله لن يكون تلقيها لطيفاً. والآن بعد أن صار قريباً وملاصقاً للحصن، استطاع حقاً تقدير حجمه الهائل. تشابه كثيراً في الحجم مع بيرالت. تجاوز ارتفاع الأسوار خمسين قدماً وكانت مبنيةً من حجر أسود كثيف.
لاحظ أيضاً عدم وجود أشخاص يمشون دخولا أو خروجاً من الحصن. وعندما بلغ الجسر وبدأ بقطع طريقه عليه، لاحظ رجلاً يرتدي زياً أسود يخرج من البوابات الأمامية ومعه عشرة حراس أو يزيدون. أمسك الرجل برمح منخفض عند وركه، لكن جوليوس استطاع تمييز استعداد الرجل للتفاعل في أي ثانية. كان هو وجميع الحراس في المرتبة الثالثة أيضاً. وبقدر ما استطاع جوليوس استشعاره، لم يكن بينهم أي فرد من المرتبة الرابعة، وهو أمر منطقي بما أنه لا يزال في صدع من المرتبة الثالثة.
لا يزال يشعر بالقلق قليلاً لوجود بشر داخل هذا الصدع. ومع أنه سمع بسيناريوهات غريبة حقاً من الكتب التي قرأها في غولدنكريست، إلا أنه لم يسمع بشيء كهذا تماماً. جزء منه كان حذراً، بينما بدا جزء آخر مهتماً إلى أبعد الحدود. ولما رأى أنه لا يملك ما يخسره، لوح بيده مبتسماً ببريق نحو الرجل حامل الرمح.
حيّا قائلاً: "مرحباً".
سأل الرجل بنبرة صارمة: "ما شأنك هنا؟"
مرة أخرى، تفاجأ جوليوس. بدا صوت الرجل واقعياً للغاية، وكأنه شخص حقيقي بالفعل. لكن، بالنظر إلى أنه داخل صدع يصنع نسخة فردية لكل مشارك، فقد استبعد أن يكون هذا الرجل حقيقياً. والأرجح كثيراً أنه صنيعة من صنائع الصد. رغم ذلك، بدا الرجل والحراس من ورائه حقيقيين للغاية. لذا، لم يره ضرراً في معاملتهم على هذا الأساس.
أجاب بصدق: "أحاول الخروج من الغابة لا أكثر".
سأل الرجل وبدت على وجهه ملامح الحذر: "من أين أتيت؟"
قال جوليوس بحيرة: "من الغابة؟"
أشار أحد الحراس للرجل ذي الرمح قائلاً: "أنا لا أعرفه يا قائد".
وارتسمت على عظم خده الأيسر ندبة سميكة أضفت عليه مظهراً مخيفاً للغاية.
اقترح حارس آخر: "قد يكون لاجئاً".
قال الحارس ذو الندبة بنظرة تشكك نحو جوليوس: "أجل، ولكن ما قصة تلك الأجنحة التي رأيناها على ظهره؟ قد يكون وحشاً متنكراً".
وأثناء حدوث ذلك، استطاع جوليوس استشعار هالة القائد وهي تمتد نحوه. بدت رقيقةً للغاية مع وجود بعض علامات التحكم المثير للإعجاب. ذكرته بطريقة ما بدكلان وكيفية استخدامه لهالته. لم تكن متطفلة للغاية، بل جارى جوليوس الأمر سامحاً للرجل بإلقاء نظرة أعمق على نواياه. أخفى ابتسامة حين توقف القائد برهةً، عندما شعر بجوليوس يفتح هالته أمامه. نظر القائد إلى جوليوس بعيون فضولية، لكن أياً كان الفحص الذي يجريه فقد انتهى على الأرجح لأن الرجل رفع يده موجهاً إياها نحو الحارس ذي الندبة الذي ظل يشير إلى الأخطار التي قد يمثها جوليوس.
"اهدأ يا بلايك، إنه بخير".
لابد أن الحارس ذا الندبة، المسمى بلايك، قد سمع نبرة القائد فتراجع وكأن شيئاً لم يكن.
"تعال الآن، لابد أنك متعب. دعنا نحضر لك طعاماً ومكاناً ترتاح فيه. ستحتاج إلى ذلك".
قطب جوليوس جبينه حين سمع ذلك، لكنه تبع الرجل بينما أخذه عابراً البوابات. في اللحظة التي خطا فيها خطوةً داخل الحصن، تلقى إشعاراً. تهانينا، تم اجتياز الطابق السادس. مع ذلك، وخلافاً للطوابق السابقة، لم تكن هناك أي تفاصيل أخرى ملحقة به. كما أنه لم يشعر بمحاولة الصد نقله بعيداً كما توقع. بل ظل يمشي بجانب الحراس بينما توغل أكثر في الحصن. تفاقمت حيرته وحدها حين انبثق إشعار إضافي.
شرط اجتياز الطابق السابع: دافع عن الحصن. بدا أنه لن ينقل إلى طابق مختلف، وأن هذا الطابق سيكون امتداداً لما سبقه. تعارض هذا مع ما خبره حتى الآن، لكنه بدا أكثر إثارةً للاهتمام بكثير. تملكه إحساس بأن هذا هو الموضع الذي سيبدأ فيه الصد كشف ألوانه الحقيقية وإظهار سبب عجز أي شخص عن اجتيازه حتى الآن. وقبل أن يعي ما حوله، تغير شيء ما في الأجواء. أصبح الهواء الهادئ سابقاً صاخباً للغاية إذ سمع الكثير من المحيطين به يبدأون بالركض.
أخرج القائد، الذي كان يمشي أمامه، كرة اتصال وتلقى عليها رسالة ما. ازدادت ملامح وجهه قتامةً وجديةً تدريجياً وهو يستمع إلى ما يقوله الشخص في الطرف الآخر. وفي اللحظة التي انتهى فيها، التفت إلى مرؤوسيه وأعطاهم الأوامر. لم يضيعوا الوقت وانطلقوا بسرعة لفعل ما أُمروا به. التفت نحو جوليوس، الذي كان ينظر بهدوء إلى القائد وهو في حالة من الذهول.
سأله: "أتعرف القتال؟"
أومأ جوليوس برأسه بخفة.
"نعم، ولكن لما تسأل عن ذلك؟ أيدخل ذلك في صلب شرط هذا الطابق ربما؟"
قرر طرح سؤال من عنده وفي الوقت ذاته اختبار رد فعل القائد عندما ذكر الصد. لم يضطر للانتظار طويلاً حتى ينال إجابته. ففي اللحظة التي ذكر فيها شرط الطابق، رأى الرجل يتجمد في مكانه وفاهه مفتوح. غشيت عيني الرجل نظرة بلهاء، ولوح جوليوس بذراعه أمامه. ذاب جمود الرجل وكرر سؤاله السابق وكأن شيئاً لم يحدث.
"أتعرف القتال؟"
أومأ جوليوس برأسه، لكنه فعل ذلك هذه المرة لسبب مختلف. فقد أدرك أنه على الرغم من أن البشر في هذا الصدع يتصرفون تماماً مثل البشر الحقيقيين، إلا أن هناك خطباً ما بالفعل. وتملكه شعور بأن هؤلاء ليسوا بشراً على الإطلاق، بل الأرجح أنهم جزء من محاكاة أنشأها الصد لغرض هذا الطابق. قطب جبينه وهو يفكر في تأثير هذا الكشف الجديد على وقته في هذا الطابق.