لم يدرِ جوليوس أكان فرحاً أم منزعجاً عندما وجد نفسه محاطاً بالمزيد من العفاريت. راقه وجود أعداد كافية لتحريك دمائه على الأقل، لكن روائحها كانت كريهة، وساءت كثيراً مقارنة بنباتات الجنكون المزهرة في رأسه. تجمعت أعداد كافية لتدفعه إلى الاشتباه بوجود نوع من المعسكرات أو الشقوق قريبة منها. مع ذلك، لم تمثل تلك الكائنات تهديداً كبيراً. ورغم اعتماده الأساسي على الطاقة الحركية في الهجوم، لم تكن العفاريت صعبة المراس.
وخلافاً للأنواع الأكثر تطوراً، بدت هذه العفاريت ضعيفة للغاية، وأزعجته رائحتها النتنة أكثر من خطرها الفعلي على صحته. لحسن الحظ، اتسمت الطاقة الحركية دائماً بكفاءة عالية في الاستخدام. فخلافاً لنزعات النار أو الحياة، تميزت الطاقة الحركية بميزة مذهلة تمثلت في انخفاض تكلفتها. وأضف إلى ذلك قدرته على استنزاف الطاقة الحركية من الأهداف الأخرى، لتصبح أدنى كلفة بكثير. استطاع على الأرجح الاستمرار في استخدامها طوال اليوم دون أن يلحقه التعب.
وبدا عقله مرشحاً للإرهاق قبل أن يتعب جسده. بعدما أطاح بمجموعة أخرى، جال ببصره في المنطقة المحيطة. ثم استعمل [الإدراك المكاني المطلق] وحصر نظره باتجاه الموضع الذي قدمت منه العفاريت. وهنالك فقط لمح المكان الذي اعتقد أنها خرجت منه. كانت مغارة صغيرة مختبئة على جانب تل صخري، وليست بعيدة جداً. قرر في النهاية عدم ملاحقة المعسكر. ارتبطت أمور أخرى بخططه لهذا اليوم، وبصدق، استطاع بيع هذه المعلومات إلى النقابة.
كرهت النقابة العفاريت أيضاً، وغالباً سيجني مكافأة جيدة نظير هذه المعلومات. من يدري، ربما يتمكن من الارتقاء برتبته مرة أخرى في المستقبل القريب. ولعبت رغبته في قتال شيء أكثر إثارة دوراً كبيراً في قراره أيضاً. وما كان ذلك قط بسبب قدرته على شم رائحة العفاريت طوال الطريق من هنا. ليبدو الأمر سخيفاً حقاً. سجل الموقع على خريطة حصل عليها من تيروس في الليلة السابقة. وشك في كونها الخريطة الأدق، كما شك في معرفته لموقعه بالضبط بالنسبة إليها، لكنها ظلت أفضل من العدม.
ثم رمى المعسكر نظرة أخيرة وتابع البحث عن شق.
* * *
لحسن الحظ، لم يستغرق طويلاً كي يعثر على ما ظنه شقاً. بيد أنه بدا وكأنه لم يكن الوحيد الذي اهتدى إليه. تجمعت مجموعة من الشبان والشابات حول الشق بينما استعدوا لاقتحامه. ظن أنهم في عمر ليلي والآخرين تقريباً. ولربما استعدوا بدورهم لبطولة ما بين المدارس. ولمس قوة هالاتهم نسبة لأعمارهم، ونجاحهم البارع في إبقائها تحت السيطرة. لم يخفِ حضوره تماماً، لذا لم يتفاجأ حين لاحظه أحد الأفراد واقفاً في البعيد.
أنذرت الفتاة التي استشعرت وجوده رفاقها فوقفوا جميعاً على أهبة الاستعداد. لوح لهم ببهجة، محاولاً إعلامهم بأنه ليس شخصاً سيئاً. لكن ذلك زادهم حذراً فيما يدو لسبب ما. ولم يهدؤوا إلا حين تراءت لهم ملامح وجهه بوضوح.
صاح به أحد الفتيان ببعض القسوة: "كي تعلم فحسب، نحن أول من حجز هذا الشق، أيها الفتى".
وبخت الفتاة التي استشعارته رفيقها: "اهدأ يا كيج".
جادل كيج: "ماذا؟ كنت أعلمه فحسب".
رفع جوليوس كلتا يديه.
وأكد لهم: "لا تقلقوا. كنت أتجول فحسب حين لاحظت هذا الشق. ليست لدي أي خطة لتعطيل خططكم أو ما شابه"، ومضى ماشياً في الاتجاه المعاكس دون أن ينطق بكلمة أخرى مع هذه المجموعة.
راقبه الجميع وهو يبتعد ولم يسترخوا إلا حين اختفى عن أنظارهم. ولم يلمهم على حذرهم. فقد كانت الغابة مكاناً خطيراً، وغاب أي داعٍ للمغامرة والمجازفة. ورغم رغبة جزء منه في دخول الشق بغض النظر عن أي شيء، ذكّر نفسه بضرورة التحلي بالصبر. وتأكد من قدرته على العثور على شق آخر عاجلاً أم آجلاً. وكلما توغل في عمق الغابة، زادت احتمالية ظهور الشقوq. مع ذلك، تساءل عما إذا كان سيصادف منطقة آمنة قبل أن يجد شقاً آخر.
شاعت المناطق الآمنة في الغابة اللانهائية. ومع اتساع الغابة الهائل، حتم الأمر على الناس إقامة قاعدة هنا وهناك. وتحلى تيروس باللطف الكافي ليذكر الموضع الذي أقام فيه هو وفريقه أثناء خوضهم في الشقوق طوال الأسبوع الماضي. وما كان ليبعد كثيراً. فقد أخبره بصعوبة تفويته لوقوعه في إحدى أكبر البقاع الخالية بالغابة. كما ذكر أن اتباع الخريطة سيوصله إلى هناك. أمل جوليوس بالعثور على شيء ما قبل ذلك.
ولم يسعَ لتقضية الليل في الغابة. بل أراد مكاناً يقتحمه ويتدرب فيه على بعض مهاراته.
* * *
حاله الحظ، ولم يمضِ وقت طويل حتى وجد شقاً. وبلغ الأمر مبلغاً أفضل لعدم استشعاره أحداً حوله. ولم يفاجأ بعدم عثور أحد عليه أيضاً. فقد توارى هذا الشق في عمق منطقة ذات أوراق شجر كثيفة جداً. وما استطاع استشعار الشق أثناء مروره إلا بفضل مهارة الإدراك لديه. شق طريقه عبر الأدغال الكثيفة ووقف أخيراً في مواجهة الشق الأزرق الملتف. وحسب ما استطاع استشعاره، كان شقاً من الفئة الثالثة.
ومما أثار سروره، لم يبدو ضعيفاً كبعض شقوق الفئة الثالثة الأخرى التي صادفها. وربما يعود السبب إلى تواريه لفترة من الوقت أو لسبب آخر، لكن هذا الشق أتاه بذكرى شق المتاهة الذي حبس فيه مع رينيرا. ولم يقتصر الأمر على شعور القوة المماثل فحسب، بل رافقه ذلك الشعور المقبض بالموت والتحلل. شاعت شقوق الموتى الأحياء بشكل لائق، لذا لم يكن العثور على أحدها مفاجئاً إلى هذا الحد.
أحصى جوليوس كل شيء، وتأكد من امتلاء طاقته قبل أن يمد يده أخيراً لملامسة البوابة الزرقاء الملتفة أمامه. خلافاً للمرات السابقة التي عبر فيها شقاً، بدا الأمر هذه المرة مختلفاً. وكان أكثر وعياً بما يدور حوله. وتناثرت التموجات المكانية في كل مكان وكاد يضيع لفرط غرق حواسه بالفيض. كما لاحظ مدى تشابه هذه الشقوق مع مهارته الخاصة. وارتبطت بطريقة أو بأخرى بالفضاء الفوضوي. وجهل الكيفية بالضبط، لكنه حرص على التحقيق في هذا الإحساس بتفصيل أكبر.
فور فتح عينيه، وجد نفسه واقفاً في كهف هائل. وتغلغلت رائحة اللحم المتعفن والهواء الراكد في كل مكان حوله. ولم يتردد، وقبل الإتيان بأي شيء آخر، أرسل نبضة سريعة في نطاق كرة واسعة حوله. أجفلت المانا المركزة في الهواء جفونه عندما التقطتها مهارة الإدراك لديه، لكنه نجح في تحديد موقع مجموعة كبيرة من الوحوش على مسافة قريبة. ولعدم رؤيته أي سبب للانتظار وإهدار الوقت، اندفع نحوها فوراً مستخدماً الطاقة الحركية بسرعة.
ولم ينصدم حين رصد حشد الموتى الأحياء أمامه. ومثل أولئك الذين قاتلهم مع رينيرا في شق المتاهة، تميز هؤلاء بكونهم مخلوقات بشرية الشكل تتدلى لحومهم المتحللة من عظامهم المسودة. ومع ذلك لم يزعجه الأمر، وبالتأكيد لم يمنعه من تسديد لكمة بقبضته نحو القريب منها بصوت طقطقة عالٍ. ثم استدار وساحقاً بقدمه صدر التالية. وفجر طاقته الحركية فطاير قطعة من اللحم من صدرها. مع ذلك، وخلافاً لوحش حي، لم يبدو أن ذلك أزعج الميت الحي كثيراً.
وواصل محاولة التأرجح نحوه بسيفه المتشقق الصدئ. وأحاط بالنصل طبقة خافتة من الطاقة الخضراء المريضة، وتصرف جوليوس بذكاء فتجنبها. واستخدم [خطوة الفراغ] لإعادة التمركز على بعد أضعاف أقدام وانتزع رأس ميت حي آخر. وبدا أن ذلك أدى الغرض. واستشعار وجود نوع من نواة المانا داخل صدر الميت الحي. ورجح بشدة أن يستهدفها ليقضي عليها نهائياً أيضاً. ولعدم رؤية سبب يمنعه من تجربة فكرته، تنحى جانباً متفادياً هجوم ميت حي باغته من الخلف وضرب بكفه صدره.
وحرص على تركيز كل الطاقة الحركية في نقطة ضيقة. بيد أنه ارتكب خطأ جعلها ضيقة للغاية، وفقد السيطرة على الطاقة الحركية قبل اختراق النواة. ونتيجة لخطئه، وجد نفسه محاطاً بهجمات متعددة من الموتى الأحياء من كل الجهات. وتأكد من اقتصار استخدامه على الطاقة الحركية مما يعني عجزه عن خلق حاجز من المانا لحماية نفسه. واضطر للاعتماد على نزعته الحركية لاستنزاف قوة الضربات، ولم يسير الأمر على ما يرام.
ولم يشبه الأمر امتصاص قوة لكمة؛ فالسيف حاد لذا فحتى مع غياب طاقة حركية خلفه، استطاع النصل جرحه. تمثلت الناحية المزعجة الأخرى في هؤلاء الموتى الأحياء بقوتهم الكبيرة. ورغم بطئهم مقارنة بمتوسط الفئة الثالثة، بلغت قوتهم البدنية حداً ينذر بالخطر. وقطعت نصولهم بعمق في بشره غير المعززة. ومع ذلك، شكلت الطاقة الخضراء التي تسللت إلى لحمه المشكلة الأكبر. فأشبهت الحمض وبدأت تاكل جلده وماناه.
كما ظهر تأثير غريب ضاعف الألم الذي عاناه، لكن [حكيم الهمجية] منعه لحسن الحظ من تأثره بشدة. ولم يرغب في ذلك، لكنه أجبر على استخدام [تجدد الفينيق] ومعالجة نفسه. ومستخدماً دفقة من الطاقة الحركية، أطاح بالموتى الأحياء الذين حاصروه بعيداً عنه. وأعاد ضبط ذهنه. فقد استخف بشدة بهؤلاء الموتى الأحياء وذكّر نفسه باحتمال تعرضه لمشكلة حقيقية لولا مهارة الشفاء. أخذ نفساً مهدئاً وركز حقاً.
ثم شرع في جمع الطاقة الحركية وبدأ بتوجيهها عبر جسده. واستلهم بعض الأفكار من تحكمه بالمانا فاستخدم طاقته الحركية لتغطية قبضتيه كقفازين. ثم، مع إعادة تقارب الموتى الأحياء نحوه، بدأ في تفريغ هذه الطاقة الحركية في جماجمهم. وجهل سبب محاولته التباهي بالرقة ومحاولة إجبار طاقته الحركية على الدخول في مخروط ضئيل للغاية. فقد كان رجلاً يعتمد على القوة الغاشمة، واحتج إلى الميل نحو ذلك، سيما مع تميز الطاقة الحركية أصلاً بملاءمتها لهذا النوع من القتال.
ضحك بسخرية على نفسه وهو يواصل الرقص بين نصولهم الخضراء المريضة ويسدد ضربة تلو الأخرى نحو أقرب ميت حي. ولم يحتج للأناقة. بل تطلب الأمر قسوة أكبر فحسب. وهكذا بابتسامة متحمسة على وجهه، واصل شق طريقه عبر الأعداء. ولم يعِر الإصابات الصغيرة أي انتباه. وحرص فحسب على عدم تلقي إصابات كبيرة أو معرقلة. ولم يحب الاعتماد على [تجدد الفينيق]، وأغضبه اضطراره لاستخدامه لإنقاذ نفسه من الأساس.
مع ذلك، استغل هذا الغضب لتقوية ضرباته واستخدم دقات سخية من الطاقة الحركية الشرسة لمسح هذه المجموعة الهائلة من الموتى الأحياء. وحرص على ممارسة [خطوة الفراغ] وتعود الكفاءة العالية بهذه المهارة. وامتلك ما يكفي من المانا لاستخدام الطاقة الحركية، لكن ذلك لم يعني رغبته في بناء عادات سيئة. واستخدم المهارة أساساً لإعادة التمركز لدى شعوره بانحشاره في زاوية. وإلا، فاستخدم الطاقة الحركية عبر قدميه للاندفاع إلى الأمام بحركات سريعة ومفاجئة.
وواصل فعل ذلك حتى لم تبقَ جثة واحدة واقفة وأحاطت به جثث صامتة فأرخى كتفيه أخيراً. وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة ساطعة. وشكل ذلك إحماء عظيماً وتوق شوقاً لرؤية ما يخفيه عمق الشق. وبدأت الأمور تصبح أكثر إثارة أخيراً.