درب التسامي الفصل 149 — عزم

اقرأ درب التسامي الفصل 149 — عزم باللغة العربية على مانجا تايم.

انقضت عشر دقائق واستهلك خلالها الكثير من طاقة المانا، لكن جوليوس لم يحصل على أي شيء بعد. اعتاد شعور انعدام التنفس الغريب وصار في قمة راحته. كان الحر بالكاد يُلاحظ في هذه المرحلة. أشبه بالغطسة الأولى في حوض ساخنة، غير أن الجسد بعد أن يألف درجة الحرارة يبدأ بالشعور بمتعة حقيقية. هذا بالضبط ما مر به جوليوس في تلك اللحظة. كأنه يخضع لجلسة استرخاء في منتجع صحي. أشبه بنوع من ساونا النار.

ربما لن يبدو الأمر كذلك لأي ناظر، لكن جوليوس كان يستمتع بوقته. مؤسف حقاً أنه شارف على نفاد طاقة مانا النار.

بذل قسماً كبيراً من جهده لإعادة استخدام أي بقايا عابرة منها، لكن على عكس تكويناته حيث تكون مانا النار في حالتها «الخاملة»، فإن إشعال مانا النار يجعل استعادتها بالغة الصعوبة.

تبدد الكثير منها قبل أن ينجح في تدويرها. أراد إجراء تجارب لمعرفة أسباب حدوث ذلك مستقبلاً. سيكون من الرائع إيجاد طريقة لتدوير النيران المستهلكة تماماً كما يفعل مع بعض تقنيات المانا الأخرى. في الوقت الحالي، كان عليه الاكتفاء بما يملك. لم يكن الأمر سيئاً للغاية كذلك، ولم تكن الكفاءة كارثية، بل إن جوليوس ببساطة لم يحبذ انخفاض مخزون المانا لديه. كان يملك منها الكثير لدرجة جعلته يشعر بالغرابة إن خلا خزانه منها.

جلس مترقباً استجابة تجدده الطبيعي، وباشر العمل على هالته. أخرج مجموعة الكرات التي يحملها دائماً وأمضى في تعويمها عبر هالته بأنماط بالغة التعقيد بقدر ما تحمله طاقته حالياً. وهو أمر لم يسفر في هذه المرحلة سوى عن مسارات دائرية متعددة تدور بأكملها حول كرة مفردة. أدخل بعض الكرات لتخترق مركز تلك المدارات، لكن جوليوس الحالي لم يكن قادراً على أبعد من ذلك. لم يكن الأمر ليقترب البتة من مستوى ليلي القادرة على تحريكها وجعلها ترقص بالطريقة التي يستطيع جوليوس فعلها عبر التحكم بالمانا، لكنها كانت بداية.

أخبرته ليلي سابقاً بأنها اكتسبت مهارة هالة عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها فقط، وأنها دأبت على التدرب عليها لسنوات طوال تحت إشراف والدتها وجدتها. أكدت له أنه سيبلغ مستواها في وقت قصير نظراً لحجم اجتهاده. كانت تدرك أكثر من أي شخص آخر حجم العمل الذي يبذله جوليوس. لم يكن يعلم إن كانت أوبري قد حدثتها عن عادات نومه بعد، لكنها كانت تعلم أنه لا ينال إلا قسطاً ضئيلاً من النوم.

مع ذلك، كان لرأيها وزن كبير عنده. ما إن امتلأ مخزون المانا لديه بالكامل تقريباً، حتى أعاد الكرات إلى خاتم تخزينه. ثم شرع في تكرار ذات الخطوات السابقة، لكنه أضاف إليها أمراً آخر. استخدم هذه المرة [أسلحة العرافة] ليصنع تكوين حاجز زائف حول نفسه. تخيل الأمر على أنه تكوين درع لا يلتصق بجلدك. كان صنعه أسهل بكثير من درعه العادي. لم يكن بحاجة لأي انحناءات أو مفاصل معقدة، فكل ما هنالك قبة تغطي جسده بالكامل.

لم تكن هناك حاجة للحركة داخلها، بل احتواء النيران في الداخل فقط. وما إن اشتعلت النيران وشعر بلفحها على جلده، حتى أدرك الفارق فوراً. لم يعد مضطرّاً هذه المرة لضخ المزيد من مانا النار باستمرار لإبقاء النيران مشتعلة. ورغم احتراق كمية الأكسجين داخل القبة بسرعة لتكون وقوداً، فإن النيران لم تنطفئ. ورغم توقعه انطفاءها جراء ذلك، إلا أنها لم تفعل. كانت مانا النار الموجودة في الداخل وتلك التي في جوهره كافية لتغذيتها.

ليس ذلك فحسب، بل إن حبس الحرارة حال دون تسربها، مما منح جوليوس سيطرة أفضل على النار. لم يضطر للتحكم النشط وتدوير مانا النار المشتعلة، بل تكلفت القبة بالجزء الأكبر من ذلك نيابة عنه لحسن الحظ. ومع ذلك، لم تكن النيران كافية لمنحه شعوراً يتجاوز حماماً دافئاً. وُجد سبب آخر لاستخدامه [أسلحة العرافة]. كانت تلك المهارة السبيل الوحيد الذي مكّن جوليوس من استخدام نيرانه الزرقاء بثقة.

إن كان إضرام النار في نفسه لم يزعجه بالقدر المفترض، فإن طهي نفسه بنيرانه المعززة كان أمراً مختلفاً تماماً. أدرك أنه يتجاوز حقاً حدود ما يُعتبر مقبولاً حتى مع مهارة شفاء مثله. ولم يعتقد أن مهارته قادرة على إعادته إلى الحياة حين يحترق جسده بالكامل ويصير رماداً. لكن ذلك لم يعنِ سوى ضرورة إحكام سيطرته لئلا يحدث ذلك. وقبل أن يتسلل الشك إلى فكرى فكرته، بدأ العملية. من الأمور التي تعلمها أثناء عبثه بنيرانه الزرقاء أنه لا يحتاج بالضرورة إلى طاقة حركية لخلقها.

جعلت الطاقة الحركية الأمر أبسر بكثير، لكنه كان يستطيع التعامل معه باستخدام تحكم الصرف بالمانا وحدها. لم تكن بقوة أو فاعلية استخدام الطاقة الحركية، لكن تلك كانت غاية الأمر بحد ذاتها. لم يكن بحاجة لأعنف وأشد النيران في الوقت الحالي. بل احتج إلى ما يدفع مقاومته للنيران إلى الحافة ليتسنى له استشعار الحرارة بما يكفي لتعلم مفهوم. لم تكن هناك حاجة لتبخير نفسه حتى العدم بعد.

المشكلة في صعوبة إيجاد ذلك التوازن. وهنا أثبتت ممارساته السابقة في تسخين المشروبات جدواها. امتلك مسبقاً خبرة في ضبط درجات الحرارة بتحكم دقيق، والفارق الوحيد يكمن في تعامله هذه المرة مع درجات حرارة بالغة التطرف لا مجرد فنجان قهوة. ما مدى صعوبة الأمر حقاً؟ ضحك في سره. بدأت مسحة بنفسجية خافتة تتخذ شكلها في مركز النيران التي التهمت جوليوس. وحينها فقط بدأ يشعر بالحرارة على جلده.

كانت الحرارة السابقة لسعة خفيفة يمكن وصفها بالمقبولة إلى حد ما. غير أن هذه السعة الجديدة كانت أبعد ما تكون عن القساوة. تسببت بالألم وكان جلده موافقاً له على ذلك. وعوضاً عن الاحمرار الطفيف الذي ظهر سابقاً، كان جلده يحترق فعلياً حتى يتفحم. راحت رائحة اللحم المحترق النفاذة ودخانه تطفو داخل قبته. لحسن الحظ، لم يضطر للقلق بشأن استنشاقه أو شمه، إذ كان يحبس أنفاسه بينما يضخ المانا عبر [تجدد العنقاء الزائف].

الأمر الذي تحول قريباً إلى مشكلة أخرى تمثل في حشرة داخل حاوية مليئة برماد بقايا جلده. وليس هذا فحسب، بل إن تفعيل [تجدد العنقاء الزائف] يعنى نموه المستمر لجلد جديد تحرقه النيران بلا توقف. وسرعان ما امتلات قبته بأسرع وقت بسخام أسود ناجم عن لحمه المحترق. اضطر لصنع فتحة تهوية صغيرة في الأعلى تسمح للدخان بالخرب. بل تطلب الأمر منه معالجة المانا لصنع دوامة تسحب الهواء مثل مدخنة تهوية.

تطلب منه ذلك استهلاك المزيد من المانا، لكن الأمر تستحق عناء إنقاذ نفسه من إزعاج الدخان الخانق المتصاعد في وجهه. بلغت النيران الآن درجة من السخونة تعجز مقاومته الطبيعية عن الصتحمل أمامها، مما يعني اضطراره لتحمل الاحتراق حياً باختياره. فاق الألم الحدود بكثير، حتى بمعاييره. كانت نهاياته العصبية تحترق حرفياً وتصرخ ألماً. وما منع صراخه من شدة الألم سوى [الرقصة الوحشية]

المدعومة من [تفويض الإرادة]. أراد جزء صغير منه إنهاء هذه التجربة وتجربة طريقة جديدة. طريقة أقل إيلاماً إن أمكن. وراح ذات الجزء يتساءل عن سبب إصراره على دفع نفسه إلى هذا الحد من أجل مجرد شظية من القوة. لم يساوره شك في أن استغراقه وقته واستمراره بالتدرب بالشكل الطبيعي سيؤديان إلى تطوره حتماً. لن يكون بالسرعة ذاتها، لكنه سيكون مستقراً وآمناً. والأهم من ذلك، لن يضطر لاحتراق نفسه حياً بعد الآن.

تلك كانت ميزة كبرى. إن استسلم فقط، سيزول الألم بأسره. بيد أن الفكرة وما إن أطلت برأسها حتى حطمها بقبضة حديدية. لن يستسلم لمجرد صعوبة الأمر قليلاً. احتاج إلى أن يصبح أقوى وتلك كانت سبيلاً لبلوغها. أحكم عزيمته. لن يوقفه شيء، ولا سيما نفسه. صك على أسنانه وتحمل الألم. مذكراً نفسه طوال الوقت بأنه اجتاز ما هو أسوأ بكثير. ما الذي يفضل اختياره؟ دقائق معدودة من الألم العابر أم ألم إدراك عجزه عن فعل أي شيء لبقية حياته؟

كان قراراً يسهل اتخاذه. وما إن وضع الأمر في هذا المنظور، حتى بدا وكأن سحراً أصلح كل شيء. وكأن موجة من الثبات غمرته. لم يعد لحمه المترمل يؤلمه بالذات الحد. استقر عقله على حافة شفرة حادة، في تناغم تام بين الجنون والهدوء. بلغ حالة تعالت على الوعي العادي. لن يوقفه شيء. سيتعلم مفهوماً نارياً أو يموت محاولاً. كان ذلك وعده. وكان ذلك قراره. وهكذا، وبعد كل هذا الوقت نجح في ملامسة ذلك العالم الباطني للمفاهيم الذي طالما بحث عنه.

وحينها فقط أدرك مدى جهالة ادعائه بأن تعلم مفهوم نار سيكون أسهل لامتلاكه واحداً بالفعل. كان افتراضاً ساذجاً لم يرتكبه سوى لنقص خبرته. القول بأنه سيتعلم مفهوماً نارياً لامتلاكه مفهوم الحدة أشبه بالقول بقدرته على صنع كاري الدجاج لمجرد معرفته خبز لفافة. لحظة تدعو للتواضع، لكنه سيتذكرها طوال بقية أيامه. ومثلما انطبقت القطعة الأخيرة من الاحجية بمكانها تماماً، شعر جوليوس بولادة مفهوم في صميم روحه.

مكملاً جزءاً من ذاته لم يكن يعلم بنقصه. هنيئاً لك. لقد اكتسبت مفهوم الإارادة: العزيمة القاطعة.