إدوارد لورن — بلدة سنوكريست المحتلة كانت دموع إدوارد قد جفت منذ زمن بعيد، وكان جل تركيزه منصباً على نغمات كمنجته الطويلة الحزينة. كانت ضربات ذراعه الواسعة ترسل ألحاناً مسكونة بالأسي وموجعة تتساقط في أرجاء الحانة إمتاعاً لآسيريه. كانت الغرفة الدافئة تعج بالطاولات المستديرة المفعمة بنبيذ العسل وأغلبية مؤن البلدة الغذائية. كان هناك زوج من الرجال السكارى إلى يمينه على السلم يقهقهان وهما يحاولان بلوغ غرفهما في الطابق الثاني.
تجهم إدوارد حين رأى محارباً مرتدياً لباساً ذهبياً يغرس فأسه في جانب برميل وراء منصة الخشب الصلب، مقرباً وجهه من الشراب المتدفق ليجرعه كالحيوانات. أبطأ إدوارد عزفه قليلاً، محاولاً منع مشاعره من الانتصار. كانت عينا أسقف ريمبراند المعتوهتان على مقربة خطوة واحدة، ترمشانه بلا انقطاع. كان الرجل النحيل يلوح بيديه بالتزامن مع اللحن، وعلى وجهه ابتسامة مريضة راضية. أعاد إدوارد نظره بكراهية تحولت إلى استسلام وخوف.
لم يستحقوا هذا. إن المرأة التي هم بصدد إحراقها لم تؤذ أحداً قط. لم تكن زنديقة؛ بل كانت معالجة وحاكة للطقس. لم يعبأ المتعصبون، وحين حاول أهل البلدة حماية ذويهم، ناقلين بلير من منزل إلى منزل بينما كان المتوحشون يبحثون عنها، أخذت الأمور منحى عنيفاً وسريعاً. كانت خبازة طاعنة في السن ورائعة تدعى ليلا قد دُفعت بقوة بالغة من عند عتبة باب لدرجة أنها كسرت كتفها على طاولة.
وقد حاول حفيدها، وهو أحد محاربي البلدة القلائل، الدفاع عنها. وهو مدفون الآن في قبر ضحل بالخارج. بعد ذلك، انحدرت الأمور إلى الجنون، معارك متفرقة في أنحاء البلدة تنتهي بتعرض الجميع للضرب والحشر في عربات سجّانين لم تُشاهد من قبل، وربط بلير إلى سوتز أمام النزل في انتظار إعدام ظالم ووحشي. وكلما تساءل إدوارد عن سبب إحضارهم للعربة من أجل ساحرة مشتبه بها واحدة، أدرك أكثر أنهم لم يفعلوها؛
فلم تكن نيتهم قط المغادرة بشخص واحد فحسب. لقد جُرّ هو نفسه من العربة قبل قليل وأُلقي على المسرح الصغير في الحانة؛ وبدا أن الأسقف المريض المسؤول المسمى مالاي كان من عشاق الفنون الموسيقية. لم يستطع إدوارد فعل الكثير، لكنه كان [حائك مشاعر]، وكانت الكمنجة وسيلته. وهو الآن يبث طاقة مهدئة طفيفة في كل مسحة من كمنجته، آملاً أن يجنب شعره المزيد من الضربات.
كان العزف لأجل "رجال الملك"
الصاخبين أمامه أفضل ما بوسع إدوارد فعله لتخفيف معاناة شعره. طغى حديث صاخب عند الباب للحظات على صوت اصطدام الكؤوس والضحكات السخيفة.
قال حارس الباب بصوت مشوب بالثقل قليلاً: "مهلاً، من أنت؟"
فجاء صوت حازم ومتعب: "آرثر، تنح جانباً الآن."
فعارض الحارس: "عظيماً، لأي فرقة تنتمي؟ لا أعرفك. وما اللعنة التي حلّت بدرعك؟"
بدأ القريبون من الباب يتطلعون نحو مصدر الإزعاج.
"تنح جانباً، يجب أن أكلم قائدك."
كان لصوت الحارس حدة خطيرة. أطلق إدوارد العنان لأمل طفيف كي يزهر؛ لعل قائدهم أتى لوضع حد لهذا الجنون. سُمع صوت سحب سيف ثم ومضة خاطفة ومفاجئة من ضوء أبيض نقي يعقبها صوت ارتطام رأس رجل وارتداده عن إطار الباب. تهاوى الحارس بلا بنية عبر الباب حين دخل شخص ضخم متخطياً الحارس الغائب عن الوعي والغضب بائن على وجهه. كان آرثر بالمثل بالاديناً لريمبراند حسب ما استشفه إدوارد، غير أن شيئاً ما بدا غير مألوف فيه.
كان رداؤه السفري ممزقاً لدرجة يكاد يصبح معها عديم الفائدة، وحيثما ظهرت أجزاء درعه الذهبي المتسخ، بدا أن رموز الرجال الساجدين المنتشرة في كل الدرع قد ذابت، وهي تتسقط مثل ختم شمعي تُرِك فوق النار. كان شعره مشتبكاً، وفي عينيه حدة قاسية أفرزت في إدوارد رعباً جعل عزفه يتعثر للحظات. ألقى نظرة بطيئة حول الحانة المخربة وأطلق زفرة عبرت عن حزن شديد حتى صدم إدوارد.
صاح آرثر واضعاً يده على سيفه وهو يشبك عينيه بعيني مالاي الذي ارتسمت على ملامحه ابتسامة سخرية قاسية، بينما كانت يداه تواصلان التلويح على وقع الموسيقى: "كل هذا صحيح... ما تفعلونه هنا غير عادل بالمرة. كيف يمكنكم تبرير إحراق امرأة على الوتد وتخريب منازل هؤلاء القوم!"
بصق مالاي رشفة نبيذ كان قد تناولها للتو، ناظراً إلى آرثر بريبة تامة وهو يبصق: "يا بني، نحن نحرق ساحرة، زنديقة، وفقاً لما تشاءه عدالة ملوكنا، والزنادقة الذين هبّوا لنجدتها سيُمنحون فرصة للتكفير، فرصة للاسترضاء!"
نصف ملتفت مجدداً نحو المسرح كأن آرثر لم يكن سوى طفل مزعج لا يعي شؤون كبار القوم. تفرّس آرثر في أرجاء الغرفة، وتراقص الخوف على وجهه قبل أن يستقر ثانية على الأسقف. أبطأ في سحب سيفه، وكانت يده ترتجف بوضوح خفيف.
"لا يمكنني السماح لكم بفعل هذا. هذا ليس صائباً."
كاد مالاي يبصق رشفة النبيذ التي تجرعها، ناظراً إلى آرثر بعدم تصديق مطبق.
"يا بني، كل ما تشاؤه ملوكنا هو الصواب. هؤلاء الكفرة سيخضعون للإصلاح. والآن، لا علم لي بما حدث لك، لكن تناول قدحاً واستقر؛ فسأغفر لك نزوتك هذه المرة وحدها، إذ يبدو أن الجبال لفظتك."
"لا. ليست هذه عدالة؛ بل هي محض هيمنة مغلفة بالأكاذيب."
قال آرثر بصوت مرتجف والمشاعر بادية على وجهه وهو يواجه حقائق رتبته. وقفا هناك لما يقارب الدقيقة. وقد اتخذ غناء إدوارد طابعاً كئيباً وخطيراً. لقد كف عن بث نغمات التهدئة وأخذ يغوص في المخاوف، آملاً لعل هذا الرجل يتمكن بطريقة ما من إنقاذهم. تنهد مالاي ملوحاً بيده باحتقار.
"أأنت غبي؟ ماذا ستفعل بهذا السيف؟ أنت فاقد العدد بعشرة إلى واحد."
اشتعلت المانا لفترة وجيزة في عيني الأسقف.
وقال مالاي بلهجة خطيرة: "أنا وحدي لأكفي للقضات عليك، يا بني..."
أخذ آرثر نفساً عميقاً.
"كل ما أرانياه حتى الآن كان حقيقياً... وقد أخبرتني أنني لن أكون وحيداً إن أتيت إلى هنا."
انطلق آرثر صائحاً بصيحة حرب حاسمة، مندفعاً باتجاه الأسقف. التوت خيوط من الضوء الذهبي من كل مشكاة ومصباح في الغرفة لتلتف حول سيفه في ضوء مطهر. التفت الأسقف أخيراً ليواجهه وبادره احتقار تام، بينما كان ضوء ذهبي خبيث يكاد يقطر من حلقه.
خرجت كلمة "اركع"
من فمه كرماح من القصد تجتاح هيئة آرثر. صارع آرثر الإكراه، متخذاً خطوة متعثرة أخرى واثنتين قبل أن يخونه جسده ليهبط على ركبتيه مصطدماً بالأرض، لاهثاً والسيف ما زال ممسوكاً بيده.
"حسناً، اصمت. أريد الآن إتمام هذه القطعة الموسيقية قبل أن نتفرغ لحاجتك إلى إعادة التعليم."
التفت الرجل المتعجرف مجدداً إلى إدوارد، بينما ظلت المانا الذهبية تتدفق منه لتستقر في هيئة آرثر العاجزة.
هتف مستاءً ملوحاً بيديه لإدوارد: "حسناً، واصل!"
انتفض إدوارد واعتدل في جلسته وبدأ العزف من جديد؛ فلم يكن ليدرك حتى أنه توقف. فعند نقطة ما أثناء اندفاع آرثر، كان قد انحنى للأمام بغمرة أمل مبهجة. ترك الأمل يتبدد، وعاد بانسيابية إلى العزف. وبدأت الدموع تنساب ببطء على وجنتيه مرة أخرى وهو يعزف. استغرق إدوارد في العزف، ناظراً عبر النوافذ العلوية نحو الظلام الثلجي في الخارج. لم يكن متأكداً من مقدار الوقت المنصرم بينما كان يتدفق مع الموسيقى، لكن حركة أخرجته من غيبوبته إذ تسلل شكل مظلم بامتياز بصمت تقريباً عبر سقف الطابق العلوي، هابطاً برفق على أطراف قدميه وسط ضباب من المانا الخضراء السوداء.
بالكاد تمكن إدوارد من رؤيته من زاويته. كان يرتكب أمراً غريباً في الأعلى قبل أن يدب بحذر نحو الدرابزين، وكان محارب ريمبراند شبه الواعي يترنح ساقطاً داخل وعاء الحساء خاصته. وجب على إدوارد أن يوطد عزيمته كيلا يتوقف عن العزف؛ فقد كان الرجل ينضح بالحقد، وبدا درعه نابضاً على إيقاع موسيقاه.
تلاقت عيناهما لوهلة، فرفع الرجل أصبعه مطبقاً إياها بحركة تعني "صه"
أمام فم خوذته الشرير قبل أن ينزلق بجانب المحارب مباشرة. وجه زواياه بعناية، وشاهد إدوارد وميضاً أخضر داكناً قبل أن تُخفض جثة الرجل بلا رأس من كرسيه إلى الأرض، حيث راحت تقطر مادة داكنة مجهولة الهوية. تسمرت عينا إدوارد على العفن السائل الأسود وهو يقطر من حافة الشرفة وينزلق على الجدار في خليط مقزز مما كان يُعد يوماً أحد آسيريه. شعر إدوارد ببشائر التحدي تتصاعد مجدداً وهو يعزف، مسمحاً لابتسامة صغيرة أن تتجرأ وتتسلل إلى وجهه.
مد الرجل يده إلى حقيبة وبدأ ينثر مسحوقاً على الأرض والجدران. حتى إنه تسلل ببضع قبضات عبر الدرابزين ليسقطها على أرضية الحانة. ثم نهض مستقيماً وسحب رمحاً من ظهره قبل أن يقذف بسوار صغير من الطابق الثاني باتجاه إدوارد. أطلق كمنجته صصرخة منفرة وغير متوافقة من المفاجأة. وارتجت الحانة جراء الصرير. حدق إدوارد ببلاهة في السوار؛ لقد كان محوكاً من سرخس غابوي وله وهج طفيف. مد يده المرتجفة والتقطه.
كان دافئاً بطمأنة ملمسه.
أجش الصوت من فوقه: "ارتده"، بينما بدأ ينحدر ببطء على السلم وساحة نظراته تجوب الرجال المتفاجئين.
تطلع إدوارد حوله بلمح البصر؛ كانت الأسلحة تُستل، وكان مزيج الخوف والاشمئزاز وحتى الغضب لرؤية هذا الشكل قوة ملموسة. ألبس نفسه السوار ببطء؛ سرت قشعريرة في عموده الفقري تماماً كما تحدث حين تكون عينا مفترس مسلطتين عليك في درب بظلام ليلة بلا قمر.
قال الرجل متوقفاً في منتصف السلم: "ما ظننت يوماً أنني سأجد نفسي متفقاً مع الفانوس المتبرم... لكنكم تماديتم كثيراً؛ لقد تحول هذا من التعصب إلى الشر منذ أمد طويل."
بدأ ضباب من المانا الخضراء يتدفق منه بخيوط كثيفة تزحف في أرجاء الغرفة. وشرع المسحوق الذي نشره مسبقاً في الإزهار محولاً إلى طحلب أخضر داكن لدرجة يكاد يكون فيها أسوداً وهو يشق طريقه ببطء صعوداً على الجدران ونزولاً على السلالم. صارع آرثر بقوة أكبر ضد قيوده الخفية، وبدت على وجهه ملامح مذهلة من الارتباك والغضب. كان الضوء القريب منه يرتجف مع كل حركة، لكن أياً ما كان مالاي يفعله به فقد منعه من تجميع الضوء كسلاح مرة أخرى.
أحط مالاي كأسه وأصدر صوتاً ماصاً منفراً بأسنانه.
"البالادين المنهوك... ما الذي أتى بك إلى الشمال؟ حتى أنا سمعت بسيرتك الكافرة. ظننتك مشغولاً بترويع الغابات والفتك بالمبتدئين."
بدا متوترة، وراحت يداه ترمضان بإشارات سريعة للمحاربين حوله. استمر البالادين في السير بهدوء نازلاً على السلم، بينما كان الطحلب يتسلل متجاوزاً إياه كبساط مع كل خطوة.
"كنت... أوزع الهرطقة وأطعم المؤمنين لحيواناتي، الأمور المعتادة، لكن الجميع بحاجة لإجازة بين الحين والآخر."
كانت الكلمات على سبيل المزاح، لكن النبرة الباردة التي صيغت بها جعلت كل كلمة تجرح وكأنها تهديد. أبقى على وقفته محايدة لكن مستعدة بينما سار مقترباً من الأسقف. تراجع مالاي نصف خطوة للخلف، مستعداً لتفعيل تعويذة.
"إذن أخبرت فاعل الخير المضلل هناك أنه عاجز عن ردعك."
أشار فراكس باتجاه آرثر باسترخاء، ثم انحنى قليلاً للأمام، وبدأت الطحالب من حوله تضطرم بينما كانت وصماته تحرق بساط الخضرة.
"أتظن أنك قادر على ردعي؟ والأهم من ذلك، أأنت بالشجاعة التي تظنها؟"
تراجع للخلف بينما انزلق شكل داكن ومريع من العفن على الجدار، مسحباً نفسه بحرية عبر حركة ملساء للأيدي المسننة والأشواك، وكان فمه مكدساً بشكل مستحيل ويقطر بالظلال. أطلق المسخ التنيني قهقهة عميقة ومبحوحة وهو ينزلق حراً من الجدار. تدفق وراء المنصة بومضة مزعجة من الحركة قبل أن يمد رأسه فوق الحانة لاستطلاع الغرفة. وانبعثت صرخات مرعبة لتلل مطارد جرى صيدها خلف حافة العقل، مشوهة قليلاً بسبب تسليتها بالقفزة المفاجئة للرخ في الغرفة.
سادت الغرفة صمت مطبق عدا إدوارد، الذي تماسك لفترة كافية لالتقاط كمنجته وتفعيل مهارته الأخرى [رقصة الموت]. سحب قوسه عبر أوتار الكمنجة البالية، وانبثقت نبرة عالية بشكل مستحيل تحمل وعد النهاية مع ومضة من المانا السوداء. تسللت نبرته لتبث الخوف والشك وسط المحاربين المتجمعين. ثم تسربت ترنيمة همس مظلمة إلى الغرفة من مكان ما في الخارج. شعرت مع كل كلمة كأنك مكشوف لأمور تتجاوز هذا المستوى، وبالسرعة ذاتها التي بدأت بها توقفت، وانغست الغرفة في الظلام.
وكانت مصادر الضوء الوحيدة هي وميض ذهبي خافت يقطر من فم الأسقف والدرزات المحترقة لدرع البالادين المنهوك.