وقفت على قمة الجبال المطلة على النهر. وكالسحالي التي صعدت هي الأخرى إلى القمة، كان علي أن أرى الأمر بعيني. لا شك أن اللهب القادم سيؤلمنا، لكن كان علينا أن نشهده. وكان واجب السحالي التي معي على الجبل أن تخبر الباقين بما سيحدث في هذا اليوم، إذ سيغدو، من المؤكد، ترنيمة حراشف ترويها الأجيال القادمة كلها.
لم تصل إلى هذا المكان الذبذبات المتناغمة التي شعر بها أهل الغابة أثناء الإخلاء، لكنني، عبر صلتي بالأرض وبالسحالي التي بقيت في الخلف، كنت لا أزال أشعر بالطنين الخافت مستمرا في باطنها. وفجأة، انقطع الطنين. سكنت الأرض كلها، وللحظة وجيزة بدا كأن الزمن نفسه قد توقف. حتى الريح كفّت عن الهبوب، فغدا العالم صامتا صمتا حقيقيا مريبا. كان ذلك هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. والتقطت السحالي التي كانت تنصب معسكرها على قمة الجبل الباردة ذلك الصمت المشؤوم، فحولت أنظارها إلى الجبل البعيد.
ثم جاء. بدأ بهدير عميق أمكن الإحساس به حتى من هذا البعد. وارتفع من قمة الجبل البعيد خيط رفيع من الدخان. كانت رسالته واضحة. لقد حان وقت الثوران. ومن ذلك الخيط، سرعان ما انفجر مخروط الجبل لهبا ودخانا. راحت سحابة الدخان ترتفع أعلى فأعلى، كأنها لن ترضى حتى تبلغ أعالي السماء. أخذت تتضخم وتتضاعف، مثل شقيق مظلم مخيف لسحابة بيضاء منتفخة. التهمت السماء وحجبتها عن الأنظار. وراحت ومضات النار تلوح في قلب السحب الداكنة، تذكرنا بأن حيثما يوجد الدخان توجد النار حتما.
ثم جاء الصوت. كان الانفجار بعيدا إلى حد أننا رأيناه قبل أن نسمعه. وانقض هدير هائل على الجبل المطل على النهر، وانساب إلى الغابة خلفه، وملأ كل شق بزئيره الانفجاري. لم تكن السحالي قد سمعت عن الزلزال العظيم ذي الهدير الكارثي إلا في ترانيم حراشفها، لكن هذا الصوت سيظل يتردد في قلوبها إلى الأبد. كان صوتا يشعر به الجسد كله.
التجأ الكشافة فوق الجبل إلى دفء بعضهم بعضا. وأنا أيضا التمست العزاء بينهم، فيما ظل صوت الثوران متواصلا، انفجارا إثر انفجار. وتكتلت السحالي التي بقيت في الخلف، ترجو أفضل ما يمكن، وتتوقع أسوأ ما يكون. لقد اشتاقت دماء الأرض إلى التحرر، ولم يكن في وسع شيء أن يوقفها. ومع خوفها، ظلت السحالي فوق الجبل ساهرة تراقب. كانت مشاعرها انعكاسا لمشاعري. علينا أن نشهد هذا حتى النهاية.
انتفخت السحابة العظيمة في السماء، وانتشرت في كل اتجاه، وأمطرت الأرض أسفلا بالرماد وكرات النار، تعاقبها على محاولتها حبس الصهارة. يا لها من فكرة مثيرة للسخرية. لا شيء يستطيع احتواء نيران الأرض.
وأخيرا حلّت اللحظة التي كنت آمل ألا تأتي. انحدر الدخان المثقل بالصخر والنار والغاز على الجبل، كأنه انهيار جليدي عظيم أسود. كانت سرعته مذهلة. لم يكن في وسع شيء على هذه الأرض أن يأمل في الإفلات منه. اندفع هابطا الجبل، متلهفا إلى بلوغ السفح والانتشار فوق الأرض. ولم يكن هدير مروره يختلف كثيرا عن صوت زلزال. وخز الألم قلبي حين بلغ الغابة. كانت قوته عظيمة مروعة، تثير الرهبة بقدر ما تثيرها قدرته على التدمير.
شعرت بالأشجار البعيدة وهي تنحني أمام قوة أكثف من إعصار. وحتى إن لم تقتلعها جرفته، فقد أحرقتها الحرارة الكامنة في السحابة السوداء الخبيثة حتى صارت جمرا. كان ذلك هو التدفق البركاني الحار.
لم يكن في وسع الحمم البطيئة التي تلتهم كل شيء أن تقارن بالقوة التدميرية لذلك التدفق. قد تصيب المرء حمم انفجرت من فوهة البركان، لكنها نادرا ما تتحرك بسرعة تمنعه من الابتعاد عن طريقها في الوقت المناسب. كانت، بالمقارنة، قاتلا بطيئا. صحيح أنها كانت ستستولي ببطء على سفح الجبل وتمتد إلى الغابة، لكن التدفق البركاني الحار كان يصل أبعد، ويتحرك أسرع، ويقتل أكثر مما يمكن للحمم أن تفعله مهما بلغت.
تصالحت السحالي في غابة الموطن مع نفسها ومع من حولها، بعدما أدركت أن شراسة البركان ليست شيئا يمكنها النجاة منه. وتمنت، من أعماق قلوبها، أن تستمر سعادة من ينجون من هذه الكارثة. وفي لحظة، انطفأت حياتها حين غزا التدفق البركاني الحار بيوتها، فأشعل كل شيء، ثم مضى من دون توقف، ومن دون اكتراث بما دمره.
وقع انفجار ثانوي في الجانب البعيد من البركان، ولعله كان إحدى الفوهات الأخرى التي استسلمت للضغط العميق في باطن الجبل. فأضاف إلى الدخان واللهب الصاعدين من الفوهة الرئيسية. ولم تكن نيران الجبل ستخمد قريبا. استمر الثوران إلى عمق الليل، وكان ضوء الحمم أوضح في الظلام. لم تظهر نجوم في تلك الليلة، إذ استولى الدخان على السماء كلها بعدما أرخى الليل سدوله على الأرض. ولم يودع العالم وداعا أخيرا سوى الغروب الأحمر، الراقد عميقا تحت السحب.
عادت سحالي القمة في نهاية المطاف إلى غابة الملاذ، بعدما رأت أن الثوران سيستمر بعض الوقت. كانت ستعود لتروي ما رأته لمن ينتظرون في الأسفل. وبقلوب مثقلة، هبطت من القمة الباردة المتوهجة. أما أنا فبقيت هناك، أراقب الحدث أياما، فيما كان البركان يقذف مزيدا من الرماد والدخان في الهواء، وتبسط نيرانه الخراب في الغابة، وتلتهم التدفقات البركانية الحارة كل ما يقع في مداها الطويل الرهيب.
27 - الطريق الطويل <--> 29 - عدو قديم
-أسئلة وأجوبة المشرف ونقاش-