أوفسير الفصل 24 — قوة من الضعف

اقرأ أوفسير الفصل 24 — قوة من الضعف باللغة العربية على مانجا تايم.

المسعى الأخير. ملأتني هذه العبارة حماساً، غير أن مسحة من الرهبة شابتها في الوقت نفسه. وبينما واصلت التفكير في طريقة أمنحهم بها أجنحة، تحولت المسحة، وسط ترددي، إلى لطخة، وسرعان ما أخذت تفسد العزيمة التي تمكنت أخيراً من بلوغها.

بدأت أفكك التحذير الذي تلقيته. كان يتشكل منذ بعض الوقت، ومع أنني فهمت بالفطرة الآن ما ينطوي عليه، لم أستطع إلا أن أتحير من الطريقة التي عرفت بها ذلك، ومن سبب مجيئه الآن وحده. جعلني أشعر بأن شيئاً ما هناك، شيئاً أعظم من مجموع ذاتي، يراقبني. فهل كان لي أنا أيضاً مشرف؟ لم يكن ذلك مستحيلاً بالتأكيد. لعل الكيان نفسه هو الذي منحني رؤى من ذكرياتي الخاصة. ولعله جاء من ذلك الجزء مني الذي يخفي الذكريات حتى أحتاج إليها.

لم تكن هناك وسيلة للتحقق من الحقيقة. لم أستطع إلا أن أتأمل احتمالات لا تنتهي.

ما كنت أعرفه هو أن هذا المسعى، هذا التغيير الهائل الذي سيتيح لهم الطيران، سيكون الأخير. لن أعود قادراً على إحداث تغييرات واسعة النطاق في تشريحهم. ذلك هو الشعور الذي استخلصته منه. أما ما سيحدث بعد اكتماله، فما زال في حيز المجهول.

خيم علي ضغط مفاجئ. ماذا لو لم أصب؟ ماذا لو استغرقت وقتاً طويلاً فلم يكتمل؟ كان الخوف من عواقب مجهولة مخيفاً حقاً. لم أجد عزيمتي أخيراً إلا لأصطدم بعقبة جديدة. وكلما فكرت في الأمر، ازددت عذاباً، وأخذت عزيمتي تتسرب ببطء. لم أرد أن أحكم عليهم بالبقاء في حالة غريبة نصف مكتملة، عاجزين عن الطيران. أردت أن أمنحهم القوة. أردتهم أن يقبضوا على السماء بأيديهم.

وبينما كنت أعاني اضطرابي الداخلي، أحسست من قلب عائلتي بشعور يبعث على السكينة. حاولوا تهدئتي حين كان شكي يستعر بلا كابح. تركته يغمرني ويمحو كل أفكاري. كنت أفرط في التفكير، وكان من المريح أن أستسلم لهدوء قلب عائلتي الخالي من التفكير. لم تكن المشكلة فيما قد يسوء، بل في الإفراط في التفكير. في النظر إلى أسوأ الاحتمالات كلها ومحاولة التوغل بعيداً في المستقبل. كان ينبغي أن أحتفظ بقدر من الحذر، لكن الخوف من مستقبل لا أستطيع رؤيته لن ينفعني في شيء.

كان علي أن أتخلى عن مخاوفي غير العقلانية، لئلا تطغى علي مرة أخرى.

شكرت سحالي كلها على مساعدتها لي في استعادة نفسي، وبعثت عبرها موجة من الامتنان. كم كنت سأضل من دونها، وليس معي سوى أفكاري الجامحة المستعرة. كانوا يبدون دائماً كأنهم ينقذونني من نفسي.

وقد عادت أفكاري تحت سيطرتي، فانطلقت في مهمتي. أما الأيدي التي بذلت جهداً شاقاً لأمنحهم إياها، فقد عقدت العزم على الإبقاء عليها. وهذا يعني أن علي أن أبحث عن طريقة أخرى أمنحهم بها أجنحة. واصلت الترقب، متلمساً حتى أصغر شيء يمكن أن يساعدني في بلوغ هدفي.

لم تكن بين الذين لم يولدوا بعد أضواء ساطعة تنقذني في ساعة حاجتي. لذلك اتجهت إلى الأضواء الخافتة، تلك الضعيفة منها. كان منها عدد كبير دائماً، وكنت قد تركتها وشأنها لعجزها عن البقاء بمفردها. لكن أفكاري، بعدما تحررت من ثقلها، اتسعت، وشعرت أن في وسعي تحويل ذلك الضعف إلى قوة. لا بد أنني أستطيع، ما دام هذا آخر تغيير هائل أجريه عليهم، أن أصب فيه كل قوتي. كانت عشرات الآلاف من الأضواء الصغيرة في أرحام أمهات كثيرة تتسابق إلى الولادة، فخضت بينها جميعاً، منتظراً تلك الشرارة.

وحين جاءت، لم تكن في الموضع الذي توقعته. كانت في كائن لم يولد بعد وقد بدأ نموه بالفعل، أو بالأحرى في كائنين لم يولدا بعد داخل بيضة واحدة. كان التوأم داخل البيضة نادراً، ونادراً جداً ما كان ينجح في الفقس. وكان كل هؤلاء تقريباً يموتون خلال الأسابيع الأولى من نموهم. أما هذا التوأم بالذات، فكان في طريقه إلى الموت. كان أحد التوأمين قد تشوه داخل البيضة بالفعل، وحين يموت، سيتسبب التعفن في داخلها في هلاك الآخر.

حادثة شائعة أكثر مما ينبغي.

جاءتني الشرارة آنذاك، لا من التوأمين اللذين عجزت عن إنقاذهما، بل من ذكرى أثاراها. لم تكن الذكرى نابعة من تجربة شخصية، بل من معرفة سابقة. كان يحدث أحياناً، لدى أبناء قومي، أن يموت أحد التوأمين أثناء نموه من دون أن يموت تماماً. كان التوأم الآخر يبقيه حياً، إذ يتغذى على مغذياته ويواصل نموه في داخله. توأم طفيلي. ولم تكن الفكرة مستمدة من التوأم الطفيلي نفسه، بل من صور متذكّرة للطفرات والتشوهات والعيوب الخلقية.

ومثل معظم الأضواء الضعيفة، كانت هذه الأشياء تجعل الجسد غريباً، هشاً، واهناً، وأحياناً يتعذر التعرف إليه. وكان بين السحالي أمثالها أيضاً. ففي بعض الأحيان كانت تلك الأضواء الضعيفة تخصب البيوض وتكون قوية بما يكفي لتفقس. كان معظمها يموت صغيراً. وكان بعضها الآخر يعيش بين ذوي العاهات، عاجزاً عن الاعتناء بنفسه. لكن بعضهم لم يسمح لاختلافات خلقته بأن تبطئه. ربما كانت أجسادهم قد وهنت، لكن قلوبهم كانت قوية.

وما داموا لا يستسلمون، كان في وسعهم أن يصنعوا لأنفسهم مستقبلاً. كان أمثال هؤلاء نادرين، ولذلك كانوا باعثين على الإلهام أكثر. كان بوسع ضوء صغير واهن أن يصير مناراً ساطعاً للأمل.

صرت أبحث عن تشوه، عن طفرة غريبة. كانوا يحتاجون إلى مجموعة أخرى من الأذرع لتنضج وتتحول إلى أجنحة. ستكون صغيرة وضعيفة في البداية، لكنها ستشتد، ومع مرور الوقت، كنت أعرف أنني سأستطيع تشكيلها لتحمل سحاليي إلى السماء. ذلك هو المستقبل الذي أستطيع أن أصنعه لهم.

21 - المسعى الأخير <--> 23 - أجنحة أولية

-سلسلة الأسئلة والأجوبة والنقاش-