كان طول هيتمويت متراً وثلاثة وثلاثين سنتيمتراً، وكان باغريكاً متوسط الحجم، وله فراء بنيّ اللون يندمج مع أفراد جنسه بطريقة عادية تماماً. وكانت عيناه واسعتين وبنيّتين، لا تدلان على ذكاء خارق ولا على غباء مدقع. وكانت أذناه، في مؤخرة رأسه والمرتفعتان قليلاً، لستمتا بالمتدليتين جداً ولا بالمتصلبتين جداً. ولم تكن ساقاه ولا ذراعاه مفتولتين بالعضلات ولا نحيلتين بإفراط.
وكان عادياً في أقواله وأفعاله كلها. وهذا ما جعل فكرة تجنيده تثير تسليته دائماً. ففي التدريب الأولي، لم يتفوق ولم يفشل. وكان واحداً من تلك الجماهير بلا وجوه التي تمر عبر التدريب العسكري الأساسي، بوظيفة باهتة حتى بنظر زملائه المجندين. ولم يكن تعيينه الأول شاقاً ولا فاخراً، بل كان يشبه الوظيفة المدنية تماماً بقواعد لباسها وأنظمة لياقتها الإجبارية. وكان باهتاً لدرجة أن قادته نسوه مرتين.
ففي إحدى المرات، استُبعد من جدول التدريب لمدة شهرين تقريبا. وحضر رغم ذلك، لكن أحداً لم يلاحظ شيئاً حقاً. وفي المرة الثانية، لم يكن قائده متأكداً ممّن تعود إليه أوامر تغيير محطة الخدمة، وتأكد رؤساؤه المباشرون أنها غلطة في الأوراق حتى سمعهم هيتمويت يتحدثون فأخبرهم بأنه المعني بالأمر. فردّ عليه رؤساؤه بالقول: في أي وحدة أنت؟ وحتى بالنسبة لرفاقه في السكن، كان شخصاً يُنسى بسهولة.
وأكثر من مرة، وأثناء وجوده بينهم، سُئل رفاقه: "ماذا حدث لذلك الجندي الذي كان رفيقكم في السكن؟"، فجاء الجرد: "لا علم لي. أظن أنهم نقلوه".
ولأنه كان متوسط القدرات والعقل، لم يشعر بالإهانة، بل تقبل ببساطة أنه ليس شخصاً مهمّاً بأي شكل. وهذا ما كان يناسبه تماماً. فقد رأى أن أولئك الذين لا أهمية لهم، وضعيفي المهارة والتدريب، ومنخفضي الذكاء، لا ينتصرون أبداً وغالباً ما يُطرحون جانباً. أما أولئك الذين يبرزون بمهاراتهم العالية، أو ذكائهم، أو أي شيء آخر، فكانوا يجدون أنفسهم يُزجون في مواقف خطيرة، مع توقعات غير واقعية.
وخطط هيتمويت، وقرر أن يبقى في جيش وفاق أوليبنات حتى يصل إلى منتصف مدة خدمته تقريباً ليتقاعد. ليس الحد الأدنى تماماً، فالمزايا، بحسب تفكيره، لا تبرر قضاء تلك المدة القصيرة. وبدا له الحد الأقصى كفيلاً بجعله عجوزاً يفتقر إلى القدرة على الاستمتاع بكل الامتيازات والمكافآت. أما وظيفته، في صيانة الأنظمة الروبوتية وخدمتها، فكانت مهمة لدرجة تجعله مطلوباً دائماً، لكنها لم تكن ملحة ولا حيوية للدرجة التي تجعلهم يستدعونه لأمور قد تكون بالغة الخطورة.
لم تكن لدى هيتمويت أي رغبة في أن يكون مهمّاً للغاية. فهذا شأن الأشخاص المهمين. ولم يحسد طياري دروع القوة، ولا طياري الآليات الحربية، ولا المشاة، ولا طواقم العربات المدرعة. ولم يحتقر أولئك الذين يكتفون بالأعمال الورقية أو المهام الصغرى التي تبقي الجيش حياً ويعمل. بل كان يقتصر على صيانة وإصلاح الخادم والأنظمة الروبوتية، وتناول وجباته، وأداء دورات المراسلات القياسية، والاعتناء بلياقته البدنية، وقضاء بعض الوقت مع زملائه الجنود، حتى وإن نسوا هويته في كثير من الأحيان.
وعندما صدرت أوامره بنقله من محطة على كوكب عادي تماماً وسط أكثر من ألف نظام في وفاق أوليبنات، لم يشعر بالقلق. وبحث عن محطة الخدمة الجديدة. سفينة عادية من فئة الحمولة المتوسطة بسجل باهت. خاضت معارك، لكن من دون أي تميز يذكر أو أي عمليات أسطول بارزة. وأظهر فحص سريع للسجلات المتاحة لشخص مثله ذي تصريح أمني متوسط أن السفينة تكبدت خسائر ضئيلة للغاية، حتى في أوقات الحرب.
أومأ هيتمويت برأسه. لم يكن هذا جديداً. مجرد تعيين عادي آخر سيسمح له بشطب خمس سنوات عادية من التقويم، مما سيتجاوز به منتصف مدة خدمته المخطط لها.
[والكون ضحك على ذلك]
وبالطبع، كانت شهاداته بحاجة إلى إعادة اعتماد من معتمدي اعتماد معتمدين معتمدين. فبعد كل شيء، تطلب الأمر منه ثلاث محاولات ليتمكن من تقديم الأوراق المناسبة، إذ نسي الموظف في المرة الأولى على الفور الغرض من الأوراق وأتلفها، وفي المرة الثانية رد النظام بأنه لا يوجد عسكري بهذا الاسم. وأما المرة الثالثة فوفرت له موعداً دراسياً فورياً تقريباً، إذ إن إحدى المدارس المغمورة التي تخرج متدربين بلا وجوه، قد شغر فيها للتو عدة مقاعد بسبب زيادة طفيفة في التمويل ضمن مشروع إنفاق صغير كاد يمر دون أنჩحظه أحد.
ورغم عدم إقامة أي حفلة أو احتفال بمناسبة رحيله، ولم يحصل على أي جائزة أو شهادة أو أي علامة تقدير أخرى، فإن حقيقة تذكر عمال الشحن الحضور لأخذ مقتنياته الشخصية لنقلها إلى محطة خدمته التالية كانت أمراً مُرضياً. كانت فترة دراسته هادئة. فلم يقصر في الأداء ولم يفرط فيه. وسجل العديد من زملائه في الصف أرقاماً قياسية في الاختبارات وما شابه، فمُنحوا الجوائز وأُثني على مهاراتهم وذكائهم وابتكارهم.
وبالنسبة لهيتمويت، كان أولئك الكائنات أحراراً في نيل مثل تلك الأمور.
وساد بعض الغموض حول كيف يمكنه خدمة ما يقرب من ثلاثة عشر عاماً، وفق "معيار أوليبنات"، في جيش وفاق أوليبنات دون حصد جائزة واحدة تتجاوز تلك التي تمنحها أنظمة الحاسوب تلقائياً لقاء مدة الخدمة أو الرتبة أو حضور دورات معينة أو تلبية معايير التأهيل الأساسية.
وبهزّة كتف، وجد هيتمويت أن الفضوليين يفقدون اهتمامهم بين نفسين متتاليين. وهذا ما كان يروق له تماماً. كانت الرحلة إلى النظام العادي الذي يضم محطة فضائية عسكرية قياسية نمطية خالية من الأحداث. فالمحطة الفضائية بدت كأي محطة فضائية أخرى، ففي النهاية اعتبر وفاق أوليبنات تفوقه في التنميط أعظم نقاط قوته. وبدَت السفينة كأي سفينة متوسطة الحمولة أخرى. فليست سفينة خط قتال مخصصة ولا سفينة دعم، بل كانت مزيجاً بين الاثنتين، مصممة لأداء مهام لا حصر لها، دون أن تؤدي أياً منها بشكل استثنائي.
وقد استقبلت القيادة معظم زملائه الجنود بحرارة. وغادر الجميع وبقي هيتمويت واقفاً في منطقة الاستقبال بالمحطة الفضائية لمدة تقارب الساعة قبل أن يهرع جندي مجهد ويلهث ليتأكد إن كان وجود ثلاثة وعشرين جندياً وافداً غلطة ورقية أم أن أحداً قد تُرك خلفهم. وسُئل هيتمويت إن كان يعرف أحداً وصل على متن المكوك الأخير وينتمي إلى الجيش. بينما كان واقفاً هناك بزيّه الرسمي، وهو الزي الوحيد المصرح به للسفر.
وفي إحدى يديه أوراقه وفي الأخرى حقيبة خدمته.
قال هيتمويت: "نعم".
وسأل الجندي وهو يلتفت ليتمسح المكان: "رائع! أين هم؟ أتعرف إلى أين ذهبوا؟".
قال هيتمويت: "نعم. أنا هو".
حدق فيه الجندي بنوع من الريبة. فناوله هيتمويت أوامره. نظر الجندي إليها، ورمش ببطء عدة مرات، ثم رفع نظره. وكان هيتمويت يمد بطاقته التعريفية الذكية بالفعل. وتنقل الجندي بنظره عدة مرات بين البطاقة الذكية والأوراق ووجه هيتمويت.
فقال الجندي: "أوه. يبدو أنك أنت حقاً".
كان هيتمويت معتاداً على هذه التجربة لذا اكتفى بالإيماء. فقاده الجندي إلى قاعة الإحاطة. وسأل الضابط الواقف في مقدمة الغرفة الجندي عما إذا كان قد عثر على الجندي المفقود.
فاستدار الجندي وأشار بيده بشكل مبهم نحو هيتمويت، قائلاً إنه "هناك في مكان ما".
وأبقى هيتمويت فمه مغلقاً، وجلس ليستمع إلى الإحاطة التي حاولوا فيها جعل سفينة فضاء مملة متعددة الوظائف والأدوار والأهداف تبدو مثيرة، وجعل محطة الخدمة تبدو أهم محطة خدمة منذ محطة عنقود جيسكيك الضيق. كانت السفينة مزودة بمقاتلات جوية فضائية متعددة الأدوار للدخول والخروج من الغلاف الجوي، ومدافع إنقاذ وكبسولات إنقاذ متعددة الاستخدامات، وأنظمة صواريخ متعددة الاستخدامات، وأسلحة قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى.
وكان على متنها مشاة بحرية مدربون تدريباً عالياً ويبرعون في أدوار شتى. وكانت قادرة على العمل بشكل مستقل وكجزء من قوة مهام أيضاً. وبدا كل من حوله متحمسين لوجودهم على متن سفينة كهذه، ومتحمسين أكثر لحصولها على تحديث للتو. وأثناء الإحاطة، اكتفى هيتمويت بالاستماع. فقد تعلم منذ زمن بعيد أن أي سؤال قد يتبادر إلى ذهنه، سيسبقه إليه شخص أذكى منه ويطرحه. ثم جاء دور توزيع غرف النوم، ومحطات الخدمة، والمعدات على متن السفينة.
ووجد هيتمويت نفسه محشوراً في غرفة نوم غريبة بالقرب من محطة تصنيع وإصلاح الروبوتات الرئيسية. وكانت مخصصة بوضوح لضابط، إلا أنها كانت قريبة جداً من نوع من الآلات الحيوية التي لم يكن هيتمويت يعرف عنها شيئاً، لذا كانت الغرفة تصدر طنيناً خافتاً طوال الوقت. ولم يزعج ذلك هيتمويت. فقد حصل على غرفة بمفرده، وكانت واسعة بما يكفي لكي لا يضطر المكتب وخزانة الملابس والسرير والطاولة والكرسي إلى الطي داخل الجدار بل كانت مثبتة في الأرض مباشرة.
حتى إنه حصل على رف لأقراص البيانات والأوراق! وحمام خاص، يضم محطة إنعاش صوتي ومراة حقيقية مضاءة. وما كان مضحكاً هو خلو الباب من أي لافتة، كما أن غرابة هندسة السفينة جعلت الباب شبه مخفي، وزر فتحه مختفياً بنصفه خلف أنبوب. مع ذلك، لم يعترض هيتمويت. بل واصل عمله بوتيرة ثابتة، دون أي مفاجآت، أو إخفاقات، أو نجاحات. وفي أكثر من مناسبة، سمع بعض زملائه من الميكانيكيين وأخصائيي صيانة وإصلاح الروبوتات يتساءلون عن كيفية إصلاح بعض تلك الروبوتات.
حتى إن أحدهم تساءل بينما كان هيتمويت يعمل على أحد الروبوتات بنفسه.
[والكون ابتسم بسخرية على ذلك]
وهدثت أيضاً حادثة أيقن فيها رئيس الطهاة ورئيس قسم الغلاف الجوي بوجود خطأ في النظام أو وجود متسلل، نظراً لنقص الكتلة. وبعد ثلاثة صفوف تفتيش كاملة للعد وعمليتي تمشيط لكامل السفينة، استسلما للأمر. كان ذلك أمراً تعلمه هيتمويت في مراهقته، ألا يحاول التحدث وإخبارهم بأن عددهم غير مضبوط بسببه. فكان طعنهم لقوله وارداً دائماً ويُقابل باستهزاء خفيف، ثم ينسى الجميع الأمر. ورربما استغل كائن أكثر حماسة أو طموحاً مكانته في وضع هيتمويت لارتكاب عمليات احتيال إجرامية، لكن هيتمويت كان سوي الطبع أساساً.
وكان يتجاوز باستمرار الفرص المتاحة لإثراء نفسه على حساب الآخرين أو بخرق القانون. وتجنب خطط الثراء السريع. وكان مكتفياً ببساطة. وبعد بضعة أشهر، كوّن خلالها صداقات على قدر ما تستطيعه شخصية ينسى الآخرون وجودها حتى أثناء تحدثه إليهم، أُسندت إلى السفينة مهمتها. مهمة استطلاع بعيدة المدى، تمتد عميقاً في الذراع المجرة، وتقترب أكثر من منتصف الذراع المجرة، بعيداً عن نواة المجرة.
وستنتقل السفينة، التي حملت اسم "نجم جوركاك"، وهو أحواض بناء السفوف الرئيسية في وفاق أوليبنات، من نظام نجمي إلى آخر.
وهناك، سيجرون مسحاً استكشافياً أولياً للنظام، ويستمدون الكتلة من العمالقة الغازية أو ينقون ما يحتاجونه من المذنبات والكويكبات، ثم يمضون قدماً. مهمة فردية! وكان الجميع في حالة حماسة. لكن هيتمويت كان يعلم أنها ستكون خالية من الأحداث، تماماً كحياته بأسرها.
[والكون قهقه على ذلك]
وبعد ستة عشر نظاماً نجمياً واثنين وثلاثين أسبوعاً، وجد هيتمويت نفسه يشرب الخمر مع العديد من مشاة البحرية وبعض العسكريين الآخرين. وكان الكحول متوسط الجودة، ومقطراً من جهاز تقطير مخفي خلف ظهور الضباط، لكنه أدى الغرض. وقد تحول الحماس إلى ملل، وجلس هيتمويت يستمع بينما يتذمر مشاة البحرية من أن شيئاً لن يحدث، ويتذمر زملاؤه العسكريون من عدم وقوع أي شيء. وبعد ساعات من الشرب والاستماع بتهذيب، شعر هيتمويت بالنشوة فاعتذر وانصرف متوجهاً إلى غرفته.
وتخلص من ملابسه بحذر، وطوى زيه الرسمي المخصص للاستراحة ووضعه في كيس الغسيل عند نهاية سريره، ودخل إلى محطة الإنعاش. وعندما خرج، وهو يفرك فراءه بمخالبه الضامرة، استلقى على السرير وخلد إلى النوم. واثقاً من أن اليوم التالي سيكون كأي يوم مضى. وعندما استيقظ، رمش بعينيه في حيرة. كان هناك شيء غير معتاد. أضيئت الأنوار بأمر لفظي بسيط. فنهض ونظر حوله في الغرفة. كل شيء كان في مكانه.
وبدت الأنوار خافتة بعض الشيء، لكن لم يكن هذا هو السبب. ولم يدرك كنه الأمر إلا بعد أن ارتدى ملابسه. فقد اختفى الطنين. وفضولاً منه، خرج إلى الممر. سفن الفضاء لا تكون صامتة تماماً قط. فهناك دائماً صوت مضخة، أو قرع معدات، أو ضجيج أصوات وحركة. والممرات دائماً نظيفة ومغسولة ومضاءة ببريق ساطع. لكن الأنوار كانت خافتة.
نادى هيتمويت: "مرحباً؟"
لا مجيب. فتجه نحو أقرب جهاز اتصال داخلي وضغط الزر. ليس الأحمر أو الأصفر. بل الأخضر للمكالمات العادية. وبعد محاولات عدة، انتقل للضغط على الأصفر. ثم الأحمر. لا مجيب. ولا حتى من الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي. كانت غرفته قريبة من جنود السفينة العاديين ومشاة البحرية مدربين تدريباً عالياً. فهز كتفيه وبدأ بمشاة البحرية أولاً. كانت قاعتهم فارغة. وغرفهم فارغة. معداتهم موجودة. ملابس تطوى بعناية.
أحذية لامعة جداً. قبعات معلقة. أسرّة مرتبة بدقة رياضية. وبقيت نداءاته بلا مجيب. سواء بالصوت أو عبر الاتصال الداخلي. وانتقل من مشاة البحرية إلى جنود السفينة. ووجد الأمر ذاته.
وعبس حاجباه، فشق طريقه نحو ما أطلق الجميع عليها "منطقة الضباط"
وتفقد تلك الغرف. كان كل شيء جاهزاً للتفتيش. وكل شيء مطوي، ومرتب، ومكدس، ومصفوف، ومعبأ. وما زالت السفينة صامتة. فتفقد مكان عمله. فوجد فارغاً. باستثناء الروبوتات وحدها. فهز كتفيه ونظر في جدول المناوبات. كان مبكراً عن موعد عمله بساعتين، لكنه لم ير أحداً آخر يعمل، فسجل دخوله وعمل، مفرغاً قائمة المهام ببطء. وتوجه مرتين إلى قاعة الطعام، فلم يجد أحداً هناك. وعملت الآلات الآلية وحصل على وجباته، رغم أن الآلات لم تقتطع نصف الوقت ثمنها من ميزانية حصصه الغذائية المنفصلة.
وبعد مرور بعض الوقت، قرر هيتمويت أنه ربما عليه تفقد أماكن أخرى. مركز السيطرة على الأضرار. فارغ. قاعات الجنود. فارغة. مواقع المدفعية. فارغة. قاعات الطيران. فارغة. كانت السفن هناك، المقاتلات الرشيقة والفتاكة، ومركبات الإنزال الخرقاء والمربعة. لكن لم يكن هناك أحد غيره. وهنا وهناك كانت الروبوتات تعمل، وتقوم بأعمال الصيانة. لكن السفينة بدت صامتة على نحو غريب. وأخيراً، شق طريقه نحو الجسر.
ورغم أنه لم يكن مخولاً بالتواجد على الجسر، فتحت الأبواب بعد المحاولة الثالثة، بعد أن حدد فحص أخطاء نظام الحاسوب المحدود أن الأمر قد يكون فحص صيانة وفتح الباب رغم عدم رؤية أي شخص هناك. كان الجسر فارغاً. ووحدات التحكم والعدادات نظيفة تماماً. والشاشات مظلمة، ووحدات التحكم صامتة وغير موصولة بالطاقة. والشاشات الأمامية وخزانات الهولوغرام غير موصولة بالطاقة أيضاً. وعلى وجهه ابتسامة طفيفة، جلس هيتمويت على عرش القبطان ونظر حوله.
وضاع الأثر لعدم وجود شهود، فنهض مجدداً، عاجزاً عن التفكير في أي عبارة براقة ليقولها. وبعد هنيهة، سار نحو مركز عمليات الحاسوب الرئيسي. وفتحت الأبواب بعد ضغطات معدودة على الزر ودخل إلى واحدة من أكثر المناطق أماناً على أي سفينة فضاء. كانت فارغة. ورفوف خوادم الحاسوب بدت جميعها مظلمة. والروبوتات إما متهالكة أو ساكنة. وبالنسبة لهيتمويت، فسّر ذلك سبب توقفه عن تلقي أي مهام وسبب بقاء الروبوتات، التي كانت تقوم في البداية بأعمال الصيانة والمهام الأخرى، جالسة الآن في قواعد شحنها.
فتجول نحو قاطع الدائرة الرئيسي وفتحه. كانت قواطع الدائرة الرئيسية في وضع الإيقاف. وكانت الأنوار مضاءة لتحذر من أن محطات الطاقة الأساسية متوقفة عن العمل بينما نُشِّطت أنظمة الاحتياط. وغادر هيتمويت الغرفة وتوجه إلى مكتب المنشورات. إذ تصر لوائح الوفاق على وجود كل دليل تقني بنسخة ورقية أيضاً تحسباً لأتعاب الحاسوب. ونظر حوله فعثر على أدلة الصيانة الخاصة بنواة حاسوب السفينة.
ومر بغرفة الأدوات، التي فتح بابها بصمت، وأخذ الأدوات المدرجة في الدليل. واستغرق الأمر منه أقل من ساعة من قراءة الدليل أثناء عمله ليتمكن من إعادة تشغيل أنظمة حاسوب السفينة في وضع الطوارئ.
فقال هيتمويت: "حاسوب".
فأجاب نظام الحاسوب: "جاهز".
وكانت نبرة صوته رتيبة وآلية، إذ تعطلت جميع طبقات الشخصية بسبب وضع الطوارئ.
فسأل: "أين الجميع؟"
وساد الصمت للحظة. ثم تلقى الإجابة.
"فرد الطاقم الوحيد الموجود في حجرة مبيت نواة الحاسوب الرئيسية".
[والكون استغرق في ضحك هستيري]