ساحر أموات
رواية مقتبسة من رويال رود بقلم: هالستي الفصل 98
تطلب البحث عن علاج أن يقضي مورتيمر وقتاً في المختبر أقل ممّا توقع. لم يكن الأمر يخلو من الطول، لكنه لم يتطلب طويلاً من الوقوف بالمعطف الأبيض وتأمل محتوى الأنبوب. في المقابل، تضمن قدراً أكبر بكثير من التجارب البشرية ممّا توقعه. ليس على شخص حقيقي بالطبع. فهذا كان ليكون وصفة كارثة. بل وجد نفسه في مساحة مألوفة، مساحة قضى فيها الكثير من الوقت. الواقع الافتراضي.
كما كان مورتيمر يعلم حقاً، كان الجسد البشري شديد التعقيد. لذا، صعُبت المحاكاة التامة لآلية عمله. بيد أن المحاكاة شبه التامة كانت أسهل نسبياً. وواحدة من هذه هي التي كان يعمل بها. أمامه كانت توجد محاكاة لشخص يعاني من ذات الحالة التي تعاني منها سولارا. ورغم أن مورتيمر لم يكن يهتم كثيراً بالقدرة على علاج المرض عموماً، فقد استحال عليه إجراء تجارب على شبيه لسولارا. حتى لو أمكن تغيير المظهر، لظل مورتيمر على علم بالأمر.
فضلاً عن ذلك، لم يكن مرجحاً أن يختلف العلاج الحقيقي كثيراً من شخص لآخر. ستكون نسخة واحدة قادرة على إصلاح كل أولئك الذين لا ينتهي بهم المطاف بمعقدات خاصة.
حتى لو كان العلاج صحيحاً بطبيعة الحال، فسيستغرق وقتاً ليصبح مفيداً. إحدى ميزات الواقع الافتراضي كانت إمكانية تسريع الوقت. لم يكن العقل البشري ليتحمل أكثر من أربعة أضعاف السرعة العادية، لكن لم يكن عليه ذلك. فبعد كل شيء، لم يحتاج الطبيب لاختبار الوقت بأسره، بل لملاحظة ما يحدث بعد انقضاء فترات محددة منه.
جرى ضبط النظام بحيث يتوقف الوقت عن التقدم عند حدوث أي تغيرات جوهرية في حالة "المريض".
كنقطة انطلاق، أعطى مورتيمر العقاقير المستخدمة في علاج أي حالة متشابهة حتى لو بصفة مبهمة. وكما كان متوقعاً، ظهرت آثار إيجابية قليلة، وردود فعل سلبية عديدة. وإلا، لكان المرض قد عولج على الأرجح بالفعل. جرّب مورتيمر توليفات متنوعة من هذه أيضاً.
كان بإمكانه نظرياً إجراء تجارب على "أشخاص"
متعددين في الوقت ذاته، لكن طاقة معالجة النظام كانت ستتجزأ بالطبع، لذا لم يكن ذلك مفيداً لأغراضه إذ لم يمنحه سرعة أكبر. وإن أراد مقارنة ما يحدث جنباً إلى جنب، فدائماً ما توجد تسجيلات لكل ما وقع، وهي أسهل بكثير في التشغيل من إعادة الحساب أصلاً.
إجمالاً، كانت عملية شديدة الملل. لم تظهر أي فجوات مفاجئة من الإلهام يمكنه عبرها اختراع شيء يعمل فوراً. بيد أنه خرج ببعض الأفكار التي قد تقود في الاتجاه الصحيح لاحقاً. تذكر مورتيمر أيامه في رويال رود وهو يخلط السموم. كان إلحاق الأضرار بالناس أسهل بكثير، وبدرجات مضاعفة، من إصلاح أي شيء. لم يكن الأمر صعباً حتى في إحداث مشكلات محددة للغاية، فعند التعامل مع السموم لا يهتم المرء كثيراً بالآثار الجانبية.
فما الضرر بعد كل شيء إن تسببت سمومك القاتلة أيضاً في فقدان الإحساس بالجزء السفلي من الجسد؟
بعد مرور عام، حقق مورتيمر تقدماً ضئيلاً للغاية. بيد أن الضوء الضئيل لم يكن عدماً. إحدى التركيبات التي توصل إليها نجحت فعلاً في إعادة المريض إلى وعيه لفترة وجيزة، لبضع أسابيع. ومع ذلك، لم يكن ممكنة تسميتها علاجاً أبداً، إذ بالكاد كانوا قادرين على الحركة، وسرعان ما تدهورت حالتهم لتعود كما كانت، قبل أن تتمادى أكثر نحو الموت. كان مورتيمر منبهراً تماماً بأولئك الذين ابتكروا الأدوية قبل عصر الواقع الافتراضي.
فلو توجب إجراء التجارب على البشر لكانت عديمة الجملة أساساً، باستثناء حالات الأوبئة. كان سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً حقاً في تجربة الفئران، ولن تكون الاختبارات مثالية بالطبع.
في العام التالي، مرّ مورتيمر بأوقات أخرى متنوعة استعاد فيها المرضى وعيهم بنجاح، لكنهم واجهوا جميعاً مشكلات لاحقاً. مع الجرعات الأقل، لم تكن الآثار الجانبية سيئة بالدرجة نفسها، لكن الآثار الإيجابية كانت شبه منعدمة. مع ذلك، لم يكن مورتيمر ليئس. كانت لديه غاية، وكان سينفذها. بالإضافة إلى ذلك، وجب عليه الاعتراف بأن التجارب كانت ممتعة أحياناً وبدرجة طفيفة. حين لم تكن مملة أو باعثة على التوتر.
بعد بضعة أعوام، وما عاناه مورتيمر ليماثل عشرة أعوام إضافية، بات يمتلك شيئاً ما حقاً. لم يكن علاجاً، بالمعنى الدقيق. لكن مع الاستخدام المستمر، تمكن المريض من العمل بشكل طبيعي غالباً. على الأقل، صار بمقدورهم الوعي، والنهوض، والتجول. مع ذلك، ظلوا غير أصحاء. لكنه ظل جيداً بالقدر الكافي الذي دفع مورتيمر أخيراً لتجربته على مسح لسولارا. التأثيرات... حسناً، كانت متوقعة. لا اختلاف جوهرياً عن المريض العادي.
لحسن الحظ، تعنى تلك عدم وجود آثار جانبية غير متوقعة أيضاً.
هل كان جيداً بما يكفي؟ الإجابة كانت بنعم ولا في آن. كان جيداً بما يكفي للاستخدام. سيتمكن مورتيمر من رؤية سولارا تنهض وتتحرك مجدداً. بوسعها على الأقل البدء في عيش حياتها مجدداً. ومع ذلك، لم يكن جيداً بالقدر الكافي بعد. لم يكن علاجاً. لذا، لم يكن مورتيمر لينتهي عند النقطة التي بلغها. رغم ذلك، فخور بنفسه لإيجاده سيلة لمساعدة سولارا. حسناً، وجد أولئك الأشخاص الآخرين المصابين بالحالة نفسها أيضاً، لكن ذلك لم يكن مهمّاً لمورتيمر.
عند التفكير في الأمر، أدرك مورتيمر أن المرض الذي ما زال بلا اسم قد يحمل أسماء. وفقاً للتقليد، سيحمل إما اسم الطبيب الذي وجد العلاج، أو الأرجح، اسم أشهر مريض أصيب به. بصراحة، لم يعجبه وقع اسم مرض فايل، وطبعاً مرض بيريوينكل كان شديد السحالة. حسناً، نأمل أن يبتكر شخص ما اسماً أفضل.
لم يكن تخليق المركب في العالم الحقيقي بالأمر الهين، غير أنه لم يكن شديد الصعوبة أيضا. بدأ إنتاجه أخيرا بعد اجتياز إجراءات الموافقة. ثم جرى إعطاؤه لمن يحتاجون إليه، مع أن مورتيمر لم يكن معنيا سوى بسولارا بطبيعة الحال. كانت الجرعات الصغرى تعطى أولا للتأكد من عدم حدوث أي تفاعل غريب في العالم الحقيقي عجز المحاكاة عن توقعه. ثم تتلوها زيادة تدريجية في الجرعات إلى أن تستيقظ سولارا.
رغب مورتيمر في الجلوس إلى جانب سريرها بالمستشفى لأجل تلك اللحظة، لكنه لم يستطع للأسف. فما زالت أمامه أعمال أخرى لإنجازها. غير أنه كان جالسا هناك بقلبه بانتظار لحظة إفاقتها. فما زالت لديه أقوال يريد بثها إليها في نهاية المطاف.
//نهاية الفصل 98
ملاحظة المؤلف: لا أود إطالة أمد هذه السلسلة أكثر من اللازم، ولكني لا أريد قطعها بغتة أيضا. لذا ما زلت أعتمد على تقديري بأن أمامنا فصلا أو أكثر بقليل لنطويه.