جلس جون على مقعد عند حافة موقف للسيارات وحقن نفسه بمزيد من طاقته. أخفى المحقنة الطويلة لمُعزِّز القدرات تحت معطفه المنفوخ أكثر من اللازم. كان الطقس بارداً ومثلجاً لحسن الحظّ مما سمح له بارتداء سترة إخفاء المخدر دون إثارة الشكوك، وما إن غمرت المادة عروقه كلها حتى زلق المحقنة الفارغة في جيب داخلي.
أردف جون بصوت خفيض: "أعلم أن مدة تأثير المخدر عشوائية نوعاً ما، لكن ما أسوأ احتمال للمدة التي سأحظى فيها بالتحدث معها؟"
فكّر ميلي للحظة وهو بجانبه على المقعد.
فأجابت: "نصف ساعة على الأقل، حسب تقديرنا. بافتراض أن جين ستكون قادرة حقاً على قراءة هالتك".
كان المقعد وموقف السيارات تابعين لشركة نيكسجن. وكان سجن أمه على بُعد ثلاثين قدماً تحت المكان الذي كانا جالسين فيه، مغطى بعشرات الطبقات من التيتانيوم المعزز الكثافة. قبل أربعة أشهر، عندما كتب جون إلى أمه بهالته، حاول الكتابة من هنا بالذات في موقف السيارات وفشل قبل أن يلجأ أخيراً إلى التسلل داخل مقر شركة نيكسجن. من هذه المسافة البعيدة، لم تكن هالة جون قوية بالدرجة الكافية لكي تلتقطها رؤية هالة أمه.
أو هكذا كان الأمر في العادة، لكن ميلي افترضت أنه بعد أن يحقن نفسه بمُعزِّز القدرات ستصبح قوية كفاية. وقد قررا استغلال رحلتهما إلى نيو بوستون لاختبار هذه النظرية، وهو الآن يشعر بالقلق بشأن التحدث إلى أمه. لم يردَّ على ميلي بعد بل حدق في الفراغ بينما شعر بالطاقة الإضافية تزحف عبر جسده وتتشبع بها قنواته.
فسألت: "هل يزعجك شعور المخدر؟"
فأجاب جون: "ليس الأمر هكذا. أعني، نعم، لا أظن أنني سأعتاد أبداً على هذا الشعور الغريب الذي يراودني، بل هو أشبه بـ..."
شرع يدلك صدغه. كانت تجربته مع المخدر تشوهاً داخلياً، كأنه أصبح غريباً في جسده، ومختلفاً تماماً عن دفقة النشوة الخالصة التي حصلت عليها ميلي وأليسيا بطريقة ما من الحقن. لكنها لم تكن المشكلة الملحة أكثر.
فقال: "الأمر أشبه بهذا. ستشعر أمي بالمشاعر في هالتي. والآن بعد أن جئنا إلى هنا مجدداً، لا يمكنني أن أظل هادئاً حيال ما يفعلونه بها، ومن منظور ما لقد قتلنا شخصاً ما قبل أيام معدودة. سترى كيف أكون عندما تقرأني وستقلق. لا أريدها أن تظن أنني أشعر هكذا لمجرد أنني أتحدث إليها".
كان شعور التشوه يقترب من نهايته زاحفاً من منطقة فخذه وصولاً إلى ركبتيه. نظرت إليه ميلي بابتسامة ناعمة وحزينة.
"لا أظن أن الجزء الأخير سيحدث. ما قلته لها في المرة السابقة كان مؤثراً حقاً يا جون".
فقال: "أظن ذلك... أعني أنني قد أستفيد حقاً من أي حيلة تستخدمينها. أعني أنك تحكمتِ في مشاعرك لاجتياز اختبار كذب الكشف".
فأجابت ميلي: "حسنناً، ليس الأمر كأنني استطيع استحضار سعادة داخلية من العدم. لست أدري إن كنت سأفعل هذا لو استطعت".
"إذن كيف...؟"
فأجابت: "بالتركيز على شيء موجود بالفعل. باختصار، أحاول زيادة تأثير شيء أشعر تجاهه بإيجابية، أو العكس".
أومأ جون برأسه آخذاً بالنصيحة. كانت هناك أشياء يستطيع الشعور بالإيجابية حيالها، وتحديداً أنه يستطيع التحدث إلى أمه مجدداً أخيراً، فركز عليها بينما انتهت الطاقة الإضافية من الانتشار في داخله. لقد كان ممتناً. كانت لديه شتى الأمور التي يحرقها الشوق لسؤالها عنها، والآن سيحصل على إ
في الواقع، يا أمي، كتب وهمس لكي تستطيع ميلي سماعه. لقد كدت أنسى أن الوقت يداهمنا. أظن أنك ربما خمنت ذلك، لكن هوسي لا يظهر في رؤيتك الآن إلا بفضل عقار معزز. يجب أن أسالك شيئاً قبل أن يتلاشى. …أرى، كتبت رداً بعد توقف. إذن أنت متقدم بالقدر الكافي لاتخاذ تلك الخطوات. يجب أن تحترس من استخدام المعززات يا جون، ولكن تفضل. فكر في أن يسأل عما إذا كانت تتحدث فقط عن الآثار الجانبية اللاحقة، لكنه قرر المضي قدماً.
أولاً، لم أجب عن سؤالك، كتب. ولكن نعم، ميلي هنا. باحثة الشعر الأحمر التي ساعدت في المرة السابقة. لقد توصلت مؤخراً إلى هذه النظرية القائلة بأن تطور القدرات ناجم عن مشاعر أو أحاسيس محددة، لكنني متردد حيال ذلك بعض الشيء. هل ترين أنه من الممكن أن تكون على حق؟ توقف جون عن الكتابة لفترة، لكن لم يكن هناك رد، فتابع: بما أن قدرتك كمستخدِمة للقنوات هي الشكل المتطور للتلاعب بالهالة، ويمكنها رؤية المشاعر في هالة شخص ما، فقد ظننا أن لديك أفكاراً حول ما يسبب تطور القدرات.
ولكن لا بأس البتة إن لم تومي ببحث هذا من قبل يا أمي.
استمر «الصمت»
طويلاً لدرجة أن جون بدأ يخشى أن مفعول العقار المعزز قد زال مبكراً. ثم كتبت أمه رداً. ما الشعور الذي تعتقد ميلي أنه السبب؟ بلع جون ريقَه. كان لا يزال ينقل المحادثة شفوياً إلى ميلي، وفجأة أصبحت تحدق فيه بشغف. تعتقد أن الشعور المطلوب قد يختلف من شخص لآخر، أجاب.
ولكن عندما تطورت قدرتها، تقول إن الشعور كان: «لا يمكنني أن أكون أنا، إن لم تستطع قدرتي فعل هذا».
…إذن، وبعبارة أخرى، كتبت أمه رداً، راودت ميلي صدمة الشعور بأن هويتها الذاتية ستتعرض لتدمير جذري إذا ظلت قدرتها عاجزة عن أداء فعل معين، مما دفعها لتكون قادرة على فعل ذلك الفعل، وكان هذا التحول المفاجئ هو تطور القدرات. أهذا صحيح؟ في مكان ما وسط هذا الوصف، اتسعت عيناه ميلي، وبدأت تهز كتفيه بحماسة.
«بالضبط!»
كان وجهها على بعد شبر واحد تقريباً من وجهه.
«أخْبِرْ جاين أن الأمر هكذا تماماً!»
فعل. لم يكن هناك رد مرة أخرى لفترة من الوقت، وانكمشت ميلي قليلاً إلى الخلف، مدركة أنها فقدت السيطرة على نفسها. لكنه فهم السبب. كان يعني شيئاً بلا شك، أن أمه كانت على معرفة فورية بالشعور الذي اعتقدت ميلي أنه شديد الأهمية. من كنت؟ تساءل جون. من كنتِ لتلِمّي بكل هذا القدر؟ من كنتِ قبل أن يفعلوا بك هذا؟ أضحت أمه مجرد موضوع بحث الآن، كما ظلت طيلة ثلاثة عشر عاماً، لكنها كانت قبل ذلك بين حكام العالم.
بدأ الهواء يثقل فجأة، مشبعاً بكل الأشياء التي قد تقولها. ثم، على الرغم من حبسها تحت التراب والتيتانيوم وجبل مجازي من القاذورات البشرية، التلت نجمة أمه الكهرمان أعظم إجابة تفوق كل ذلك. أخبرْ ميلي أنها قامت بعمل مبهر للغاية، كتبت جاين. لست على علم بأي شخص آخر اقترب حتى من منتصف الطريق، وأود القول إنها بلغت الثلثين. والآن، ما لم ترغب في حرب تدمر الكوكب، فاحذر تماماً مما أوشك أن أشرحه لك— ***جميلة*** أطرقت دقات على باب أليسيا فقطعت تركيزها، مقاطعة تجربتها البصرية.
كانت تستخدم قدرتها على خصلات قليلة من شعر جون. حاولت إعادة التركيز على زاويته البصرية، على نقل الكتابة (شديدة الأهمية) من جاين دو، لكن صوت أبيها العالي المزعج اخترق الباب وجذبها إلى الواقع.
«أليسيا؟»
نادى، داقاً ثلاث مرات أخرُى.
«أيمكنك الخروج إلى هنا ثانية واحدة؟ أحتاج إلى مساعدتك في أمر ما.»
كانت مستلقية على سريرها، غير مهتمة سوى باعتدال برسائل جاين في البداية، لكنها شعرت بانغماس تام بنهاية الأمر. لقد أُسرت بما كانت تقرؤه. تعطلت قدرتها الآن —بالطبع، في أسوأ الأوقات إطلاقاً—. تأوهت في وسادتها. كان الأمر أشبه بمقاطعة أحده لها في أجمل مقطع بكتاب، إلا أنها لم تستطيع وضع علامة مرجعية والعودة إليه لاحقاً. أياً ما كان ما يراه جون في نيو بوستون، في موقف السيارات خارج مقر إنكسجين، فقد كانت تفوت جزءاً منه إلى الأبد.
نهضت أليسيا وفتحت الباب على أي حال.
«أنا مشغولة بالدراسة نوعاً ما»، كذبت.
«ما الأمر؟»
بدا وجه أبيها متردداً بشكل ينذر بالسوء. كان يلمس مؤخرة رأسه، حيث يلتقي الشعر الفضي بأعلى عنقه. أطلقت الغريزة إنذاراً بأنه يحتاجها لأمر شاق وممل.
«وجدت تسرباً آخر»، قال.
«أنبوب تجمد مرة أخرى على الأرجح. بضعة صناديق في القبو ابتلّت، وربما المحتويات التي بداخلها أيضاً. عليّ أن أطلب منك التعامل مع الأمر نيابة عني.»
فكرت أليسيا فوراً، لماذا لا تتعامل معه بنفسك؟
—متبوعة بـ، كم يستغرق «التعامل معه»
تحديداً؟ ثم اتجهت عيناها نحو هاتفه. كانت شاشة المكالمة ظاهرة، وتشير المؤقتة في المركز إلى أن المكالمة في دقيقتها الخامسة والتسعين.
«إنه العمل»، قال أبوها كمبرر، إلا أنه لم يكن مبرراً.
كان من المفترض أن يكون في إجازة.
«سأرى إن كان بمكاني مساعدتك بعد نصف ساعة أو نحو ذلك. أما الآن، فانظري فقط إن كان أي شيء ذي قيمة قد تشبع بالماء، وحاولي تهويته. لا نريد أي تعفن.»
«…سأحاول»، أجابت، محاولة في الغالب معرفة أسرع طريقة للعودة إلى مشاهدة جاين وجون.
في ظروف مختلفة، لربما قالت ما يدور بذهنها: إنه لا يكاد يوجد شيء واحد ذو قيمة في البيت، وليس في القبو قطعاً. لقد كان مخزناً للخردة القديمة. وبدلاً من ذلك، دست خصلات من شعر جون في جيبها وتوجهت نحو السلالم، نازلة بطاعة. في القبو، شعرت أليسيا سريعاً بكل صندوق من الورق المقوى، ملامسة القيعان براحتي يديها لترى أيهَا طريّ.
لبرهة، ذهب عقلها إلى إخفاق وظيفة «المساعد المنزلي».
في أعقاب تلك الدراما، بدأ أبوها يدرك استياءها من المكان الذي يعيشون فيه —ومن الوجهة التي تسير إليها حالياً، ما لم تحدث معجزة خارقة للعادة—. أياً ما أطلقت على المكان الذي يبعد خطوة ونصف الخطوة عن التوسط والبلادة.
لم يكن ملائماً لها أن يقال إن قول، «حاضر سيدتي»، و«فوراً»
لمعلم من الطراز السماوي يجب أن يكون ذروتها. بالطبع كان عليها أن تكذب وتحاول ألا تظهر ذلك. الصدق بشأن هذا النوع من الأمور سيغني عن إضاعة أيام في الجدال، لأن أباها هو هو.
«عائلتنا تلقت نرداً سيئاً»، قال لها طفلة، كوسيلة لتفسير أن افتقارها للمستقبل ليس خطأ أي ميزة فيها، بل الحظ السيئ الذي سحبته عند الولادة.
كوسيلة للتعبير عن أن أي توقعات أكبر من هذا النصيب الصغير الملعن لن تجلب لها سوى الألم. …على أي حال، فكرت أليسيا بحزم. خمسة صناديق وحدها امتصت المياه على الأقل. فور سحب هذه الخمسة إلى بقعة جافة من الأرضية، انتزعت خصلات شعر جون من جيبها. إن كانت هناك حقاً عملية ثابتة لجعل قدرتك تتطور، إذن… ألم تقل جاين أساساً إن نظرية ميلي صحيحة في الغالب؟ تأكيد هذا، بطبيعة الحال، سيكون بمتابعة المزيد من المحادثة.
أمكنها التبديل بين استخدام منظور جون وفرز أي أغراض «ثمينة»
من الصناديق المغمورة. حسناً، فكرت أليسيا. هذا ممتاز. كانت سريعة القراءة لدرجة أنها لم تكن بحاجة للمشاهدة طوال الوقت لاستيعاب ما كتبه جاين وجون. فعلت قدرتها. … وكما ألمحت مسبقاً، كانت جاين توضح، غالباً ما تشبع الهالة بمشاعر مالكها. تتراوح هذه المشاعر من عمو بسيطة كالڠضپ إلى إحساس أكثر تعقيداً وغير محدَّد المعالم، كالإحساس بالاعتراف مثلاً. حين تحدثنا قبل أربعة أشهر يا جون، كان الإحساس بالاعتراف هو ما رأيته في هالتك وجعلني أدرك أنني أكتب إلى ابني.
أعلم أنه قد يبدو غير منطقي، واصلت، أن تتلوث مادة مادية بشيء غير مادي كالمشاعر. هالتك ليست روحك؛ بل هي شيء يمكنك استخراجه وتخزينه ولمسه. ولرد على ذلك أقول إنه يبدو غير منطقي أيضاً أن يكون الشيء صلباً وغازياً وسائلاً في آن واحد. لكن الهالة المستخرجة تمتلك الثلاثة، على أرجح ظني أنك لاحظت، لذا فإن امتلاكها جانباً غير مادي ليس بالقفزة الكبيرة. توقف جون لثوانٍ معدودات، ثم كتب رداً.
فهل شعور «لم أعد أستطيع أن أكون أنا»
الذي تتحدث عنه ميلي يشبع هالتها؟ سأل. أهذا ما يحدث حقاً؟ أنا ممتن حقاً لنظريات الهالة يا أمي، لكن الوقت يداهمنا. عليّ إرساء الأساس أولاً، كتبت جاين رداً. سأصل إلى التطور قريباً. أولاً، دعني أشير إلى أن كل مشاعر مؤقتة بطبيعتها، وبالتالي تشبع هالتك لفترة مؤقتة فقط.
أقول «كل تقريباً»
لأنه توجد استثناء. هناك شعور واحد تختبره بشكل دائم وثابت. لو اضطررت للتخمين يا جون، فماذا تعتقد أنه يكون؟ … بينما فكر جون في إجابته، أخذت أليسيا استراحة في العالم الحقيقي، منقبة عبر الصناديق المغمورة بالمياه. اضطررت لإجهاد بصرها قليلاً لرؤية القبو الخافت.
خرجت بأطباق متكسرة، وبعض الروايات الورقية التي قرأتها من قبل، وعلبة حبوب «نمو القدرات»
التي اشتراها أبوها عندما كان ثملاً. بعد خمس وعشرين ثانية ربما، عادت. … ربما الطموح؟ خمن جون. الإحساس بالرغبة في تحقيق شيء ما؟ كتبت جاين، هذا تخمين جيد. لكنني رأيت أن الجميع سيمرون بلحظات يكونون فيها مجرد كائنات موجودة، دون السعي وراء أي شيء بعينه. أظن أن هذا منطقي، كتب جون رداً. تقول ميلي إنها تعتقد أنه شعور التصور الذاتي. شعور التصور الذاتي… هذا اسم معقول، كتبت جاين.
في ذهني، هو شعور: «هكذا يبدو الأمر عندما أكون أنا».
الوعي بكونك من تكون، والإحساس بأن «هكذا أنا».
توجد طرق عديدة لوصفه، رغم أنها غير مثالية تماماً طفيفة —أياً كان المصطلح الذي تستخدمه، فهذا الشعور حاضر دائماً في كل شخص، سواء أكان مستيقظاً أم نائماً. شعور الوجود وإدراك من تكون.
هذا الإحساس، واصلت، هو في الواقع الآلية المركزية التي «تُعَلِّم»
هالتك لتكون لك وحدك. إنه السبب وراء حاجة الهالة المقتطعة للجلوس في بيئة معززة لأسابيع قبل أن تتم صياغتها لتصبح معززاً للقدرات.
يستغرق شعور «هكذا يبدو الأمر عندما أكون أنا»
وقتاً طويلاً ليتبدد تماماً، لأن الهالة كانت مشبعة به باستمرار. أظن أنني فهمت، كتب جون رداً بعد حين. وهذا الشعور الثابت بكونك من تكون يرتبط بما جعل ميلي تتطور، أليس كذلك؟ … كانت جاين تكتب رداً مطولاً، لذا استغلت أليسيا الوقت لتعود إلى القبو، حيث بقي صندوق واحد مغمور. بداخله مجموعة من الصور البورتريه المؤطرة، مرتبة بواسطة فواصل رفيعة داخل الصندوق، منسقة بدقة أكبر بكثير من باقي التخزين.
لم تعرف أليسيا معظم الأشخاص في تلك الصور. مع ذلك، افترضت أنهم أفراد مختلفون من العائلة… أو أنهم كانوا كذلك، عندما كانوا أحياء. التقطت واحدة من إطارها الخشبي المبلل. لبرهة، التقت عيناها بعيني الرجل ذي الشعر الفضي في المنتصف، ثم ابتعدت سريعاً. … هذا صحيح، كتبت جاين رداً. حتى خارج نطاق التطور، تفعل التدفقات العضوية للمشاعر أشياء ممتعة للقدرات. تدفق مفرط من العنف أو الڠضپ على سبيل المثال، أو خوف مفاجئ من إصابة بليغة —كل شخص متعلم إلى حد ما يعرف أن هذه الأمور تسرع النمو.
الآلية وراءها هي نوع من تأثير «الزعزعة»، حيث يقدم الإدخال المفاجئ لمشاعر قوية متغيرة، مما يسهل على مستخدم القدرة اكتشاف حركات هالة أفضل.
والذي لا يعدو في الواقع كونه نفس الشيء المتمثل في نمو المستوى، لاحظ جون. أخذت أفهم. إذن —أهذا التطور نفس الشيء على نطاق أوسع؟ ليس تماماً، كتبت. وهنا حيث يكمن قصور فهمي حتى. هناك شيء مختلف بشكل غريب في شعور التصور الذاتي، مقارنة بكل المشاعر الأخرى… التغيرات القليلة النادرة فيه تواجه مقاومة شديدة. تبذل الهالة كل ما في وسعها، متحركة ومنقلبة بكل طريقة ممكنة، طرق لن تتحرك بها أبداً في أي ظرف آخر، لمقاومة التغير في شعورك تجاه هويتك.
عادة ما تفشل. عادة، تقاوم حتى يستقر شعور الهوية الذاتية الجديد. ولكن على وجه الخصوص، في الموقف النادر للغاية حيث يمكن منع التغير في شعورك بهويتك الذاتية بواسطة حركات هالة جديدة— —تستمر حركات الهالة الجديدة بالبقاء، أنهى جون. وهذا هو تطور القدرات.
«لا يمكنني أن أكون أنا بعد الآن، إن لم تستطع قدرتي فعل هذا».
… بالعودة إلى القبو، استخرجت أليسيا صور العائلة المتبقية من الصندوق المغمور، لشعورها بالذنب تجاه اعتبارها خردة. لحظة يعتمد فيها استمراري في الشعور بهويتي الذاتية على تحسن سمات قدرتي، فكرت. أهذه طريقة لحدوث ذلك؟ ربما كانت الإجابة لا؛ فالضعف كان جزءاً كبيراً من هويتها. لكن كانت هناك ربما أشياء قليلة لتجربتها… بينما حاولت ابتكار خطة، جففت بالمنشفة الصور المؤطرة من كل جانب.
عندما تلطخت المنشفة بالسواد، أدركت وجود ملاحظات مكتوبة بقلم تحديد على ظهور الإطارات الخشبي. مات في قتال، قرأت أليسيا على أحد الصور، ثم أخرى، ثم ثالثة. ماذا يعني هذا؟ فنتانيل، قرأت على أخرى. جرعة أكسي مفرطة، قرأت، في السجن، انتحار. أوه. …أوه.
قلبت أليسيا صور أبيها على ظهرها، غير متوقعة ملاحظة «سبب الوفاة»
لشخص لا يزال على قيد الحياة، لكنها وجدت واحدة على أي حال. من الشيخوخة! قرأت بخط حازم، وعلامة التساؤل كبيرة. … الآن بعد أن عرفنا كيف تعمل، كان جون يكتب، لدى ميلي سؤال لك يا أمي. حول كيف تشهد بعض العائلات حدوث تطورات في القدرات بتكرار كبير. هي لا تفهم لماذا، حتى حين يُفترض أن الأمر حالة بين المليون، يتطور شخص ما في عشيرتها كل بضعة أجيال. لا يبدو أن الوراثة ستجعل اختبار شعور معين مرجحاً إلى هذا الحد.
لكن لا يشترط أن يكون وراثياً، كتبت جاين رداً. تذكر ما قلته لك سابقاً، حول اقتراب أشخاص آخرين من منتصف الطريق؟ نصف الطريق لا يزال كافياً لإحداث فارق كبير داخل العشيرة. لكن كيف يبدو ذلك حقاً؟ سألت. ميلي تريد تفاصيل. لفترة من الوقت لم يكن هناك شيء، فيما بدا وكأنه توقف للتفكير. فقط فكر في الأمر هكذا، كتبت في النهاية. بعد أن يتطور عضو في العشيرة بالصدفة، يصبح عادة القائد بلا منازع.
ستكون لديه فكرة ما حول الظروف التي أدت إلى تطوره. سيحاول الكثير منهم إرساء ثقافة عشيرتهم وممارساتهم وتقاليدهم لتصبح أكثر ترجيحاً لتكرار تلك الظروف. وبناء على مدى فهمهم لما سبب تطور قدرتهم، ومدى فاعليتهم في إرساء ثقافة عشيرتهم، يمكنهم تعزيز الاحتمالية المستقبلية آلاف المرات. تابعت جاين: قدرة ميلي هي أيدي الشياطين، أليس كذلك؟ أأفترض أن اسمها الأخير هو شتراوس؟ لا أعلم كيف عرفت ذلك، لكن نعم.
لقد درست العشيرة من قبل، كتبت. لقد قاموا بعمل فعال بشكل مذهل. يضعون توقعات عالية للغاية على كل طفل، لترسيخ فكرة تطور قدراتهم في أحلامهم.
لديهم قول مأثور في العشيرة، «امدد أعلى نحو السماء»، والذي يمجد نوع امتداد المخالب الذي لا يصبح ممكناً إلا بعد تطور مخالب الشياطين إلى أيدي الشياطين.
…أمي، هذا سيء للغاية، كتب جون. أنا أدرك. أنا فقط أقول، بالنظر إلى كل هذا، فليست مفاجأة أنهم غالباً ما ينجبون أطفالاً يشعرون بأن هويتهم الذاتية ستتعرض للتدمير الجذري إن لم يتمكنوا من التطور. والآن أنت تفهم لماذا هذه المعلومات بالغة الحساسية، أليس كذلك؟ العشائر مستعدة بالفعل للتمادي إلى هذا الحد. لو وقعت الطريقة الدقيقة في أيدي أي منهم— تقول ميلي إن عليك الثقة بها يا أمي.
لا نخطط لإخبار أي شخص. … أشارت أصوات صرير على السلالم لأليسيا إلى أن الوقت قد حان للتوقف. أغمضت عينيها مؤقتاً لإخفاء توهجهما الأرجواني، وأوقفت قدرتها، واستدارت.
«آسف لعدم تمكني من النزول إلى هنا مبكراً»، كان أبوها يقول.
رفع هاتفه كصباح كشاف، مووجهاً إياه نحو الأرض.
«أهذه كل الصناديق هنا تماماً؟»
أومأت أليسيا تأكيداً.
«كانت الصناديق الخمسة الوحيدة التي بدت رطبة بشكل ملحوظ»، أجابت.
«أشياء مكسورة وعديمة الفائدة في الغالب.»
«هذا رائع»، تنفس الصعداء.
«لحسن الحظّ.»
«نعم، أمم. لكن كان هناك واحد…»
ترددت. بدا أبوها يمنحها نظرة متوقعة وهي تتلاشى في الكلام، كأنه يحثها على المتابعة، رغم أن المكان كان مظلماً للغاية بحيث يتعذر التيقن من ذلك بوضوح. انحنت أليسيا وأشارت إلى الصور التي كانت تجففها.
«ابتلت هذه قليلاً»، أشارت.
«الإطارات الخشبية أعني، بما أن الصور سليمة. وأمم، الملاحظات التي في الخلف لم تزل مبللة بالغسل أيضاً.»
حين لم يلاحظ شيئاً لفترة، أضافت، «أظن أنك استخدمت حبراً مقاومًا للماء.»
في النهاية، وبعد صوت بضعة أنفاس عميقة، مرر أبوها يده خلال شعره.
«قرأتِها كلها؟»
«فعلت»، قالت.
«وأنا… أظن أنني أريد فقط معرفة ما هي. خلف كل منها توجد طريقة موت الشخص في الصورة، أنا أفهم ذلك. وهؤلاء الأشخاص هم عائلة، جدتي وجدي وعمي الأكبر وما إلى ذلك؟»
«من جهتي»، أكد أبو أليسيا.
«أمي، أبي، أعمامي وعماتاتي.»
بسبب الفنتانيل، في قتال، بالانتحار.
«ولكن لماذا؟»
وقف هناك في الظلام لثانية، ثم انحنت أخيراً نحو الأرض وبدأ يربت على إطارات الصور، بحجة فحصها بحثاً عن الرطوبة. لكن لمسه بدا رقيقاً بعض الشيء بالنسبة لذلك، وهو ما بدا أنه أدركه ربما. التقط صورته الخاصة.
«عندما كنت في الحادية والعشرين»، قال، ناقراً على ظهر إطار الصورة، «قررت إضافة صورتي إلى المعرض مبكراً. سبب الوفاة: الشيخوخة. كان هذا هو الوعد الذي قطعته، وحتى الآن لقد نجح. «…أعلم أنك لا تعتقدين ذلك يا أليسيا. لا تعتقدين أنني نجحت، ولا تعتقدين أنك ستنجحين أيضاً. ليس حقاً، ليس بالطريقة نفسها التي أعتقد بها هذه الأشياء. أستطيع ملاحظة ذلك. «…لكن الحقيقة هي أننا نجحنا. بالمعنى الواقعي الوحيد المتاح لنا أبداً. أنت تذهبين إلى مدرسة أجوين الخاصة. وظيفتي وظيفة أمك تدفعان ثمن هذا البيت. ونظراً لأنك تذهبين إلى مدرسة أجوين، لأنك قابلت الأشخاص الذين قابلتِهم، فأنت تحكمين على نفسك خطأ. انظري فقط إلى حيث أتينا يا أليسيا. نحن نحقق نجاحاً باهراً بالفعل.»
كان صوته غريباً؛ لم تستطع الجزم عما إذا كان سعيداً أم حزيناً. نظرت إلى الصور مرة أخرى، وجوه هؤلاء الأشخاص الذين لم تقابلهم أبداً، وأدركت أنه حتى لو عرفت سر التطور فلن تتطور قدرتها أبداً. كان أبوها ضعيفاً. وكانت هي ضعيفة. توقعات العائلة كانت ضعيفة، وكانت تمتلك عقلية الضعفاء، هكذا ترعرعت. لم يكن أي جزء من هويتها الذاتية، الطريقة التي تشعر بها تجاه نفسها، يقول إنها أعظم من هذا.
أرادت أن تكون أقوى، نعم، لكن هذا كان كل شيء - لم ترغب في أن تكون قوية للحفاظ على من تكون. أرادت تدمير نفسها لإفساح المجال لشخص أفضل.
«نحن لسنا على ما يرام»، احتجت أليسيا.
«لسنا كذلك.»
«بلى نحن كذلك»، قال، وكرهت نفسها لمدى إقناع كلامه.