الفصل 66: الكمال المشوّه مضى نحو ستة أعوام وزوريان يعيش هذا الشهر المتكرر بلا نهاية. بدا الأمر أطول في الواقع. وقعت أمور كثيرة وتبدلت نظرته إلى العالم جذرياً لدرجة أنه رأى من الإنصاف لو أن هذا كله استغرق عقداً أو يزيد. جعله ذلك يتساءل عن شكل زاك الأصلي مقارنة بالفتى الذي عرفه — بدا تشابههما غامضاً للوهلة الأولى ولا شك في أنها كانت مجرد تشابهات سطحية. استحال أن يبقى زاك على حاله طوال عقود ولم يعرف زوريان الفتى حقاً قبل حلقة الزمن ليعجز عن تمييز الفوارق. مع ذلك أمضى زوريان ما يزيد قليلاً على نصف عقد في حلقة الزمن وطوال تلك المدة لم يجلس حقاً مع أمه قط ليتبادلا أطراف الحديث. قد يشعر بعض الناس بخزي شديد حيال هذا لكن زوريان ليس منهم. بل رأى أن إحدى المزايا الرائعة حقاً لحلقة الزمن هي قدرته شبه التامة على قطع تفاعلاته مع والديه. والآن وللمرة الأولى منذ سنوات كان على وشك بدء حديث مع أمه... وسيكون عن دايمن. لم يظن قط أنه سيرغب في جعل والديه يتحدثان أكثر عن أخيه الأكبر لكن الحياة تبدو عجيبة هكذا أحياناً. قالت أمه: "في الواقع يذكرني هذا بشيء. سنذهب أبوك وأنا إلى كوث لزيارة دايمن". أوه رائع. كان ينتظر منها ذكر رحلتهما إلى كوث. لحسن الحظ لم يكن هذا أمراً عليه جرّ الحديث إليه — فرغم اختيارها للكلمات بدا الموضوع جلياً في مقدمة ذهنها. كانت تجد سيلة لطرحه في كل إعادة بدئية على حدة. علّق زوريان بخفة: "هذا مفاجئ بعض الشيء. ما الذي أثار هذا؟" إن تفاجأت أمه بإظهاره اهتماماً حقيقياً بالشؤون العائلية لم تظهر ذلك. قالت بنبرة وعظية: "من اللائق تماماً أن نزيار دايمن من حين لآخر. لقد مرّ عام تقريباً منذ آخر لقاء بيننا. الروابط العائلية مهمة". قال زوريان بنبرة متعالية: "أحقاً. ألم يكن أجدى أن يزوركم دايمن عوضاً عن ذلك؟ يبدو أن هذا سيكون أسهل بكثير من سفركم طوال الطريق إلى كوث". قالت وهي تصمت قليلاً: "حسناً. ربما أنت مصيب في هذا. لكنك تعرف مدى إصرار دايمن. إنه متحمس حقاً لكل ما يبحث عنه. يستحيل أن يأخذ استراحة الآن ولا حتى لزيارة عائلته". قال زوريان: "أفهم". عرف جزءه المرير القديم أنهما لم يكونا ليُبديا هذا القدر من التفهم لو حاول هو فعل المثل. كلا لو أنه تجاهل عائلته لنحو عام مفوتاً كل العشاءات العائلية وما شابه لما انتهى توبيخه قط. لكن هذا لم يكن مجدياً الآن لذا دفع تلك الأفكار بعيداً وركّز على أمر آخر. "بما أنه لن يأتي إليكم فستأتون إليه. عادل بما يكفي. رغم أنه إذا كان هذا لقاء عائلياً فكيف لا تجعلون بقيتنا نقوم بالرحلة معكم؟ إنه ليس لقاء عائلياً بحق إذا غاب نصفه وأكثر". سألت بفضول: "ومن قال إننا لا نجعلُك تأتي معنا؟" توقف زوريان لحظة. اللعنة... لم تكن قد ذكرت ذلك الجزء بعد أليس كذلك؟ لا بأس فهذا سهل الإقالة نسبياً... سالها زوريان حاجبًا حاجبيه: "ماذا أستمنعني من الذهاب إلى الأكاديمية في اللحظة الأخيرة؟ أم فورتوف؟ أم تجر كيريل إلى بلد غريب تماماً حيث يكفها أيام معدودة لتلتقط عشرة أمراض غريبة مختلفة؟" بدأت قائلة: "في الواقع من الجيد أنك ذكرتني بكيريل—" ليقاطعها شبه فوراً. قال: "سأفعلها". طرفت عيناها دهشة وجمِدت صامتة لحظة. سألت: "أعذرني؟" "أردتِ سؤالي عما إذا كنت سآخذ كيريل معي إلى سيروريا أليس كذلك؟" خمن زوريان. "أظن أن هذا سبب إثارتك للموضوع أساساً. سأفعلها. سآخذها معي إلى سيروريا". صرخت كيريل: "يييس!"، وقد اختبأت بمكر بعيداً عن الأنظار لتتنصت على حديثهما. أدار زوريان عينيه تجاه صياحها وشعرت حتى الأم بالحاجة إلى توجيه نظرة استياء صوب كيريل. ليس وأن العفريتة الصغيرة رأت ذلك — كانت ما تزال مختبئة وتتظاهر بأنها لا تتجسس عليهما. علّقت الأم محولة انتباهها إليه مجدداً: "كان هذا سهلاً بشكل مدهش. أعلم أن كيريل كانت مزعجة بعض الشيء مؤخراً. يسعدني أنك تستطيع تجاوز ذلك". قال زوريان: "نعم حسناً، والآن بعد أن أزحنا هذا عن طريقنا يمكننا العودة لمناقشة أسبابك الحقيقية للاندفاع نحو كوث بهذه السرعة". ألقَت الأم نظرة تقييمية عليه. سألت: "لمَ تهتم بهذا القدر الكبير؟ لا أقول إنني أشتكي من اهتمامك بالشؤون العائلية. بل أرى أنه أمر إيجابي. ومع ذلك لا يمكنك إنكار أن هذا لا يشبهك تماماً". ردّ زوريان فوراً: "ولا يمكنك إنكار أن هذه الرحلة غير معتادة تماماً. أنتِ تتركين كيريل بين يدي لشهرين على الأقل وربما أكثر وهو أمر لا يرجح أن يعجبك أبداً..." قاطعتْه: "أنا واثقة أنك ستتدبر الأمر جيداً". "... وتتركين شركتك دون إدارة مناسبة في منتصف الصيف وهو أمر أجزم بأنه يصيب أبي بالجنون تماماً تقريباً"، أنهى زوريان كلامه متجاهلاً تعليقها. لم يكن الأمر أن عملهما لا ينجو دونهما لبضعة أشهر. فالشركة التي بناها والداه تجاوزت منذ زمن مرحلة الحاجة لتواجد شخصي في كل تفصيل دقيق أو صفقة تجارية — وطالما لم تنشب أزمة كان بإمكانهما بسهولة ترك الأمر برمته لمرؤوسيهما لشهرين. لكن ماذا لو ظهرت أزمة؟ استحال ألا يفكر والداه في هذا وألا يقلقا بشأنه. وخاصة الأب الذي بدا معتقداً أن غالبية عماله إما كسارى أو غير أكفاء. هذا إن كان زوريان قد فسر تذمر أبيه العشوائي بدقة على مر السنين. اعترفت الأم: "أبّاك متردد حقاً بعض الشيء في ترك شركته لأهوائها طوال هذه المدة. لكنه..." ترددت وبدا عليها جلياً تفكيرها فيما إذا كانت ستصارحه بالحقيقة أم لا. وليس للمرة الأولى تساءل زوريان عما إذا كان عليه استخدام قواه العقلية وقراءة أفكارهما. لم يرغب بذلك حقاً. فرغم أنهما لا يتوافقان جيداً إلا أن ثمة أمراً لا أخلاقياً للغاية في اقتحام أفكار أمه هكذا. سأل ببطء: "إنه ماذا؟" لاحظت عبوساً غير سعيد على وجهها فبادرت بالقول: "أنت الحاحي للغاية اليوم". قال زوريان وعجز عن إخفاء ومضة امتعاض في صوته: "تستمرين في انتقادي لعدم تفكيري بالعائلة وسمعتنا. ومع ذلك حين تقعين بوضوح في نوع من الطوارئ العائلية تتركينني في الظلام حيالها. أظن أن لي الحق في أن أكون فظاً بعض الشيء". قالت وهي تفرك جبهتها بإحباط: "ليست طوارئ عائلية. ليست كما تظن على أي حال. إنها فقط..." تنهدت عميقاً وثقيلاً كأنها تحمل وزناً عظيماً على كتفيها. "أيمكنك إلقاء بعض تعاويذ الخصوصية تلك التي تمنع الصوت من مغادرة المكان؟ هذا ليس أمراً أود أن تسمعه كيريل". أومأ زوريان وأقام سريعاً حاجزاً من طبقتين — أحدهما لحجب الصوت عن مغادرة الغرفة والآخر لمنع أي شخص من وطء أطرافها دون بذل جهد بدني معتبر. فقط في حال قررت كيريل أن تصبح أجرأ من المعتاد. قال زوريان لأمه: "تم الأمر. والآن ما قصة هذا؟" أقرت أخيراً: "دايمن يتزوج". حدق زوريان بها لثانية محاولاً استيعاب الأمر. ماذا؟ كانت تلك هي السر الكبير؟ حسناً، استطاع إذن إفساح المجال لفهم لم قد يرى والداه في هذا خبراً ضخماً. غير أنه توقع منهما أن يكونا... حسناً، أسرّ بحال بشأنه. من واقع سلوك الأم لظنّ المرء أن أحدهم قد مات لا أنه تم الإعلان عن زفاف. اعترف زوريان بعد ثوانٍ: "لا أفهم. لمَ يُعد هذا أمراً سيئاً إلى هذا الحد؟ إن كنت أتذكر جيداً فقد ألمحتّ إليه بوضوح بأنه لم يعد صغيراً جداً وأنه ينبغي له التفكير في الاستقرار. هل هناك عطب ما في العخطبة؟" تنهدت الأم: "الفتاة جيدة. إنها من عائلة سحرة نافذة تحرّك الأمور في ولايتها. إنها باختصار نبيلة محلية". سأل زوريان: "إذن فهو يتزوج من النبلاء؟ غريب كنت أتوقع أن تكوني في قمة السعادة حيال ذلك". ألقَت الأم عليه نظرة خاوية من المرح تماماً. سأل زوريان بحيرة: "لا؟ لا يعجبك حقيقة أنه يتزوج من النبلاء؟" لم يفهم بصدق لمَ استاءت الأم إلى هذه الدرجة. بدا هذا كأنه شيء ستطير فرحاً به. أوضحت الأم: "ليس أمراً جيداً كونها نبيلة محلية. فهذا لا يزيد الأمور إلا سوءاً. يكفي أنه يريد الزواج من أجنبية بعيدة في الوقت الذي توجد فيه الكثير من الفتيات المحليات الطيبات تماماً اللائي يمكنه السعي نحوهن. بنات عائلات نافذة يسعدهن إرساء روابط معنا مقابل ضم ساحر عبقري بمستواه إلى صفوفهن. لكن بغض النظر عن هذا. كنت لأتغاضى عن الأمر لو كانت مجرد فتاة عشوائية التقطها في كوث وأحضرها للمنزل. لكن هذه الفتاة... إنها أميرة عملياً. يستحيل بتاتاً أن توافق على الانتقال إلى هنا في ألتازيا مع دايمن. بل سيبقى هو في كوث رفقتها". قال زوريان: "آه..." مفاداً فهمه أخيراً لماهية المشكلة. لو تزوج دايمن تلك الفتاة وبقي نهائياً في كوث فلن يجني والداه شيئاً من وراء ذلك. ورغم كونه سيتزوج من نبلاء فسيكونون نبلاء أجانب بعيدين جداً. لن يمنح هذا والديه سوى مفاخرة طفيفة دون أية منافع عملية كتلك التي يجلبها التزاوج مع عائلة نافذة في إلدمار (أو على الأقل في بلد على القارة ذاتها). وفوق ذلك لو مكث دايمن في كوث فلن يرى والداه ابنهما المفضل (وعائلته الجديدة) سوى مرة في العمر. والمسافة بين كوث وإلدمار ليس ممكناً عبورها عرضاً هكذا. قال زوريان: "إذن. أخمّن أنك حاولت بالفعل ثنيه عن هذا عبر رسائلك؟" قالت الأم: "نعم. كتبنا إليه مطولاً عن سبب كون هذه الفكرة سيئة. بغض النظر عن مدى روعة الفتاة التي يراها، بإمكانه فعل ما هو أفضل بكثير هنا في إلدمار". خمن زوريان وليس بمعزل عن بعض الشماتة بمأزقهما: "لكن دايمن لم يستمع إليك؟" قالت وهي تهز رأسها بحزن: "قال إنه يحبها. لن يتزحزح قيد أنملة عن المسألة. بل لن يؤجل الزواج ناهيك عن إلغائه. يصر باستمرار على أنها مثالية وأنه لا يستطيع تفويت الفرصة. الأمر مفاجئ للغاية! لماذا لا يصغي إليّ!؟" طقطق زوريان بلسانه. لم يعلم سبب دهشتها البالغة. فالححب يجعل الناس غير معقولين دائماً ودايمن حظي بدلال والديه طالما تذكر زوريان. فلمَ يتخلى عن حب حياته المزعوم لمجرد أن والديه لا يوافقان؟ مع ذلك — وعجز زوريان عن تصديق تفكيره بهذا — فقد وافق دايمن فعلاً هنا. بأي حق يتدخل والداهما بينه وبين خطيبته الجديدة؟ إنه قراره في نهاية المطاف. رغم التسليم بأن من حق والديه أيضاً ترك كل شيء وقطع الطريق بأسره إلى كوث لمحاولة إقناعه بعكس ذلك شخصياً. خمن زوريان: "أفترض أنك ترين الذهاب إلى هناك ومحاولة إقناعه وجهاً لوجه أجدى من الرسائل". قالت الأم: "لا يمكنك أبداً أن تكون مقنعاً في رسالة بقدر ما تكون عند التواجد جسدياً أمام أحدهم. لكنني لا أعلم إن كان هذا سيكفي هذا كل ما في الأمر. لا زال علينا المحاولة. أعلم أنه صغيراً ومغرم لكنه يرتكب خطأً فادحاً وعليه إدراك ذلك". أصدر زوريانهمهمة: "ممم. حسناً. لن أتدخل في هذا وأنا واثقة أنك لا تتوقع مني ذلك. شكراً لتوضيح الأمور على الأقل". حذرتْه: "لا تنشر هذا حولك. أقول لك هذا لعلّي أعلم قدرتك على حفظ السر. لا تزال هناك فرصة لتقويم هذا". وافق زوريان بسلاسة: "حسناً. سؤال سريع إذن. أتعلمين ما كان دايمن يعكف عليه في كوث وأين هو الآن؟" "كلا لقد كان متحفظاً جداً حيال ذلك. خشي أن يعترض أحدهم رسائله ويسلبه جائزته مبكراً. عالم صائدي الكازنز منافس للغاية حسب ما أسمع. اتفقنا على أن يأتي ويلتقينا في ياسوكا فور وصولنا هناك". أومأ زوريان. تقريباً ما توقعه بالفعل. بدا منطقياً وصول والديه إلى ياسوكا إذ أن المدينة هي ميناء الدخول الرئيسي للسفن الوافدة إلى منطقة كوث من الشمال، وبدا منطقياً ذهاب دايمن للقائهما هناك. للأسف جاء هذا اللقاء متأخراً عن أهداف زوريان لذا احتاج لبعض الأدلة التي يتعقب من خلالها أخاه الأكبر. مثل.. كأن نذكر هوية خطيبته هذه. سأل زوريان: "أتعرفين اسم هذه الفتاة التي يرغب في الزواج منها؟ أو ربما اسم عائلتها النوبية ومن أي بلد هي؟ أنا فضولي". قالت الأم: "اسمها أوريسا سيكي تاراماتولا من عائلة تاراماتولا. إنهم من ولاية هاراماو أينما كانت تلك. يُقال إنهم متميزون للغاية لأن سحر عائلتهم مبني على... النحل السحرية التي يربونها". سأل زوريان بفضول: "نحل؟" أوضحت الأم: "نعم. يربون عدة أنواع من النحل السحري ويستخدمون سحر عائلتهم السري للتحكم فيها وتوجيهها. يقال إنها متعددة الاستخدامات للغاية. تنتج نوعاً ما من العسل فائق القيمة وتكون فتاكة في المعارك وبارعة جداً في تعقب الأشياء. هذا الأخير هو ما دفع دايمن للاتصال بهم. استأجر أفضل متعقبيهم لمهمته وانضمّت ابنة زعيم العائلة إلى المجموعة. قاد أمر لآخر وحسناً... ها نحن ذا نملك هذه المشكلة بأيدينا. نأمل أن تكون عائلتها غير متحمسة لهذا القدر الذي نحن عليه لنظفر بمساعدتهم في الأمر". ها. بدا وكأن دايمن على وشك أن يتعلم أخيرًا كم يمكن لوالديه أن يكونا مزعجين حقاً عندما لا يوافقان على خيارات أطفالهما. وعلى أي حال كانت هذه المعلومات تكفي على الأرجح لتعقب دايمن — إذ بدت عائلة تاراماتولا سهلة التحديد بلا مبالاة ومن المحتمل أنهم علموا مكان دايمن. ورغم ذلك ربما لن يضر التحقق إن استطاع انتزاع أي شيء آخر من أمه — فلربما أفلت دايمن بشيء هام عبر رسائله. فتح فمه ليسأل سؤالاً آخر ليقاطعه طرق على الباب. أوه صحيح. إلسا هنا لتتحدث إليه. أشارت الأم له بفتح الباب وامتثل لها زوريان. فمواصلة الحديث ستضطر للانتظار حتى ينتهي من ممثلة الأكاديمية. - فاصل - كان منزل زفيم يستضيف حالياً مجموعة غير معتادة للغاية. تجمع كل من زوريان وزاك وزفيم وألانيك وكايل وتيفين في غرفة المعيشة لدى زفيم يقلبون مختلف الوثائق التي جمعها زاك وزوريان طوال عمليات إعادة البدء. كل من علم بحلقة الزمن كان هناك. كان زوريان ليترك كايل وتيفين خارج هذا الاجتماع عادة — كايل لأنه أمره بإبقاء الأسرار عنه في عمليات إعادة البدء اللاحقة وتيفين لأنها لم تصدق تماماً بحلقة الزمن على أية حال — غير أن زفيم وألانيك أصرّا على ضرورة تورطهما في الأمور هذه المرة. لم يكن هذا شيئاً يعتاده زفيم وألانيك لكن زوريان بات يتوقع هذا النوع من الطلبات المفاجئة منهما مؤخراً. ومنذ أن شرعا في ترك الرسائل وملاحظات البحوث لأنفسهم المستقبليين عبر زوريان مالت أفعالهما للتفاوت كثيراً من إعادة بدء لأخرى. لم يجد زوريان سبباً لرفض الطلب لذا انضمّ كايل وتيفين إليهما هذه المرة. بخلاف البقية لم يكلف زوريان نفسه عناء قراءة أي من الوثائق. لم تكن هناك حاجة. فهو في نهاية المطاف من أخذ مختلف الملاحظات والسجلات وحولها إلى تقارير موجزة نسبياً يقرؤونها حالياً. حسناً هو ومحاكاه على أي حال — لقد مال لتفويض هذا النوع من العمل لنسخه في هذه الأيام. كان عليه فقط تذكر قراءة عملهم المنجز لمرة واحدة على الأقل وإلا حاولوا دس الأشياء كشكل من أشكال الاحتجاج الصامت على تكليفهم بمهام مللّ. لكن حقاً لمن اقتناهم إن لم يكن ليفوض إليهم الأمور المملة المستهلكة للوقت؟ قلّب زاك المعلومات التي جمعوها عن البنية في إعادة البدء السابقة وقال: "حسناً هذا خبر سار بشأن بوابة إيباسان. كنت جازماً تماماً أن كواتاش-إيشل قد حشر بشراً ما في مكان ما هناك لصنع البوابة. أعني حتى بوابات باكورا تتطلب نوعاً من الأرواح لتعمل بالشكل الذي تبدو عليه". عقب زوريان: "تفتح بوابات باكورا بوابات خاصة بها وحدها رغم ذلك. أما بوابات إيباسان فلا. إنها فقط تبقي بوابة أنشأها شخص آخر مفتوحة إلى الأبد". تحدث ألانيك: "نعم من الصعب معرفة ما سيفعله روح هناك سوى توفير مصدر طاقة ربما. ليس وكأن حشر أي روح عشوائية هناك سيسمح لها بفتح ممرات أبعاد من تلقاء نفسها. أظن أنك لو أضفت روح ساحر متطوع هناك كما فعل سودومير مع زوجته—" أظهر كايل وجهاً مقبضاً للغاية عند تذكّر ذلك. لم تكن نظرته لـ"فعلة حب" سودومير إيجابية وصرّح بذلك مباشرة سابقاً. ولم يساعد الأمر أن سودومير تعقب عملياً كل أصدقاء كايل وكان ليفعل المتمثل بالفتاة لو لم ترصده الأكاديمية آنذاك. وأنهى ألانيك كلامه: "—حينها ربما يمكنك تحسين كفاءة الهيكل أو ما شابه. وإلا فلن يكون هناك طائل كبير من وراء ذلك". قال زاك: "لا تفهمني خطأ لست أشتكي. أعني إذا كانت بوابة إيباسان مجرد إطار تثبيت تعويذة مصنوع من مواد غريبة وصيغة تعويذة فهذا يعني أنه يمكننا نسخ تصميمهم بسهولة تامة أليس كذلك؟ زوريان؟" علق زوريان: "لست متأكداً من أن شيئاً بهذه الدقة والتقدم يستحق أن يُوصف بأنه 'مجرد' أي شيء. أما عن إعادة إنشائه... حسناً لو كنت وحدك ومن تعملان على هذا لأقرت أن الأمر سيستغرق منا سنوات لمعرفة كيفية إعادة إنتاجه. ولكن بما أننا سنستخدم نهج 'جيش الخبراء' الذي استخدامه في إعادة البدء السابقة... فسيستغرق على الأقل عاماً لكن ربما لا يتجاوز العام". تذمر زاك ويبدو عليه الإحباط جلياً: "لا زال عاماً؟ لماذا؟" أوضح زوريان مطقاً بلسانه بعدم رضا: "الوقت القصير الذي نتمكن فيه من الوصول إلى البوابة يعيقنا بحق. قد نمتلك جيشاً من الخبراء لكنهم لا يملكون سوى بضع ساعات قبل نهاية إعادة البدء لفحص البوابة. هناك حدود لما يمكنهم فعله في وقت قصير كهذا". سألت تيفين: "لماذا لا نهاجم القاعدة قبل نهاية إعادة البدء؟ هل كواتاش-إيشل هذا لا يُقهر إلى هذه الدرجة حقاً؟" أجاب زاك وزوريان بتوافق: "نعم". تذمرت: "حسناً حسناً لا داعي للتكتل ضدي. ألا يوجد وقت يغيب فيه عن سيروريا أو ما شابه؟" كان زوريان على وشك شرح سبب عدم نجاح ذلك حين تذكر شيئاً. مد يده نحو كومة أوراق مجاورة وشرع يقلب سريعاً زمنيًّا للغزو صنعه وزاك بجهد مضنٍ. بالطبع استحيل وجود جدول زمني قاطع نهائياً — فالأمور تتغير غالباً بناءً على ما فعله زاك وزوريان في أي إعادة بدء معينة. ومع ذلك بدت أشياء معينة مقاومة جداً للتغيير وكانت تحدث حتمياً في موعدها إن لم يحاولوا تعطيلها خصيصاً. تذكر يقيناً شيئاً يتعلق بـ... آه! قال زوريان بانتصار مشيراً إلى إحدى الفقرات: "هنا. مع بداية الأسبوع الثالث من إعادة البدء يميل كواتاش-إيشل للعودة إلى أولكوان إيباسا والمكوث هناك لثلاثة أيام كاملة. طالما لم نُفسد الغزو بسوء شديد حتى ذلك الحين فمن المرجح أن يفعل ذلك في إعادة البدء هذه أيضاً. وحينها إن تمكنا من الاستيلاء على قاعدة إيباسان مع بداية هذه الفترة تماماً سنملك ثلاثة أيام كاملة لدراسة البوابة دون مقاطعة". أشار زاك: "هذا 'إذاً' كبيرة. أنت تتحدث عن مهاجمة القاعدة أثناء اكتمال طاقمها ودفاعاتها. صدقني هذا يختلف تماماً عن القضاء على تلك الحفنة من غير الأكفاء الذين يحومون حول القاعدة أثناء الغزو نفسه. وأنت تتحدث عن فعل ذلك دون منحهم الوقت الكافي لإطلاق إنذار واستدعاء كواتاش-إيشل مجدداً. أو جلب تعزيزات من قصر سودومير إن شئت الدقة". قال زوريان متفحصاً: "نعم. جنود ألانيك وحدهم لن يفوا بالغرض هذه المرة. سنحتاج لاستئجار مرتزقة أرانيين إن كان لهذا أن ينجح أبداً. أنا واثق تماماً من قدرتي على إيجاد شبكة ستهتم بالأمر إن قدمنا أجراً كافياً". سأل ألانيك: "وسودومير؟" قال زوريان: "أه ذلك الأمر سهل. إنه ما زال عمدة كنيازوف ديفري. نصنع اضطراباً كبيراً في البلدة وننتظر ظهوره كما لا بد فاعل. ثم نقتل حراسه ونختطفه في وضح النهار". ساد صمت قصير بينما ألقى الجميع عليه نظرات غريبة. قال زوريان مدافعاً: "ماذا؟ هل تملكون فكرة أفضل؟" عقّبت تيفين: "أصبحت شخصاً مخيفاً يا زوريان". سأل ألانيك: "لماذا الاختطاف؟ لمَ لا تغتاله فحسب؟" قال زوريان: "ألمح بغموض إلى أنه صعب القتل للغاية حين تحدثت إليه. لا أعرف السحر الذي استخدمه لهذا لكن من المحتمل أن مجرد قتله لن يجدي. لذا قدرت أن الأفضل أماناً هو تنويمه وإبقاؤه على تلك الحالة طالما دعت الحاجة". قال ألانيك: "حسناً أنا أوافق على مسار العمل هذا على الأقل. سيمنحني هذا فرصة لاستجواب سودومير فور أسره إن لم يكن لشيء آخر. ألاحظ أننا لم نفعل ذلك أبداً بشكل صحيح في أي من إعادات البدء الماضية". هز زوريان كتفيه: "نعم لم تكن أولوية البتة وخطط الرجل بدت مجنونة تماماً على أي حال". قال كايل: "سواء أكانت مجنونة أم لا فمن الواضح أنه امتلك وفرة من المواهب السحرية. لا ينبغي أن تحصروا أنفسكم في سؤاله عن جرائمه وروابطه بأولكوان إيباسا فقط. بل يجب استجوابه عن كل ما يعلمه حول فن التحنيط والسحر الآخر أيضاً". ليس مستغرباً أن يجعله هذا الهدف الجديد لنظرات الجميع الغريبة تماماً كما حدث مع زوريان قبل قليل. حاول كايل التحدث بنبرة هادئة: "انظروا. أنا أكره هذا المسخ أكثر من أي شخص في هذه الغرفة على الأرجح. والرجح أن جزءاً من معرفته يأتي من الأشخاص الذين عرفتهم. أشخاص قتلهم وعلى الأرجح استجوب أرواحهم لأجل الأسرار. سحرية وغيرها. ولكن هذا بحد ذاته هو سبب وجوب فعلكم المثل به! إنه..." كافح لحظة لإيجاد الكلمة المناسبة. عرض ألانيك بهدوء: "عدل". صحح كايل: "ملائم. من الملائم أن يلقى مصيراً مشابهاً. مناسب". استغرق الأمر ساعتين أخريين لوضع مخطط أساسي لخطة الهجوم على قاعدة إيباسان. المفاجأة الأكبر لزوريان تمثلت في رغبة تيفين بالمشاركة في القتال. أرادت تحديداً الانضمام إلى الجنود وسحرة المعارك الذين سيحشدهم ألانيك للعملية. وافق ألانيك مبدئياً رغم إخباره لها بأنه سيرميها خارج مجموعة القتال فور ثبوت عجزها عن تتبع سلسلة القيادة. أخبرت الارتعاشة الطفيفة التي أصابتها عند سماع ذلك زوريان بأنها واجهت مشكلات حقيقية في ذلك سابقاً... لكنها وافقت على شرطه على أي حال. في النهاية انفض الاجتماع وذهب كل في طريقه... عدا زوريان الذي بقي خلفه لحديث زفيم عن أمر ما. استهل زفيم قائلاً: "حسناً. نحن بمفردنا يا سيد كازينسكي. ما الذي أردت التحدث معي بشأنه ولم ترغب في أن يسمعه البقية؟" أخرج زوريان دفتر ملاحظات من جيب سترته وقال: "أولاً نظرة إلى هذا". كان دفتر الملاحظات بطبيعة الحال قائمة الأشخاص المطلوب استجوابهم للحصول على أسرار والتي أعطاها إياه زفيم في إحدى إعادات البدء السابقة. تلك التي تسببت له بالكثير من الشكوك الذاتية والقلق. بدأ زفيم بحذر يقلبها وتعمق عبوسه أكثر فأكثر بمرور الوقت. انتظر زوريان بصبر حتى ينتهي دون نطق حرف. ألقى زفيم نظرة متسائلة على زوريان وقال: "أفترض أنني من منحك هذا". أومأ زوريان. "أرى ذلك. إذن... هل أفترض وجودك هنا لكونك تجاوزت القائمة بأكملها وتحتاج الآن لأسماء إضافية؟" قال زوريان بحزم أكبر قليلاً مما قصد: "كلا. لم أفعل شيئاً كهذا. أنا... تمكنت من جعل شخصين هناك يعلماني طوعاً بما عرفا رغم تأكيداتك بأنهم لن يفعلوا ذلك تحت أي ظرف. حاولت إقناع البقية بفعل المثل لكن حين رفضوا... انتقلت لأمور أخرى. لم أغزو عقل أي شخص في تلك القائمة. حسناً بغض النظر عن مسح سطحي عرضي..." حدق زفيم في زوريان أولاً ثم في دفتر الملاحظات بين يديه صامتاً لفترة. وفي النهاية أعاد الدفتر لزوريان صامتاً. قرر زفيم: "سماع هذا... يريحني". طرف زوريان دهشة من التصريح. تابع زفيم: "لا أعلم إن كان نفسي القديمة سيوافقني. غالباً لا إن كان قد منحك تلك القائمة. وبإمكاني حتماً رؤية المنطق في منحك إياها رغم عدم إعجابي بالأمر. ومع ذلك لا أفهم غاية هذا الحديث. إن كنت لا تحتاج لأسماء جديدة فلمَ أريتني هذا الكتاب؟" قال زوريان: "قررت ألا ألاحق هؤلاء الناس". ويا لها من راحة لصدره تلك أيضاً. "ليس بالطريقة التي... ليس بالطريقة التي حثّني تكرارك القديم على اتباعها". هز رأسه بخفة متذمراً: "مم. لست متأكدًا إن كان علي مدح أخلاقك أم توبيخك لكونك ألين من أن تفعل ما يجب فعله. رغم ذلك الأسلوب الذي صيغت به يوحى لي بأنك لا تزال تحمل نوعاً من التصاميم للقائمة. أخمّن أن هنا يأتي دوري أليس كذلك؟" أخبره بفظاظة: "انظر الفكرة هي هذه — أريدك أن تتحدث إلى هؤلاء الناس وتحاول الحصول على أسرارهم بنفسك". وتوقف للحظة. "ثم تشارك هذه الأسرار معي بالطبع". نظر إليه زفيم كأنه أحمق لحظة ثم أطلق ضحكة قصيرة من التسلية. أخبره زفيم: "يا سيد كازينسكي، لو استطعت جعل هؤلاء الناس يشاركونني أسرارهم هكذا ألا تظن أنني كنت لأفعل ذلك مسبقاً؟" أشار زوريان: "ليس مع كلهم. بعضهم مدرج بوضوح لأنك ظننت أنني قد أهتم بما يقدمونه لكنك غالباً لا تكترث بتخصصاتهم. أشك حتى في أنك حاولت المقايضة من أجل ما يقدمونه". أقر زفيم: "هذا صحيح تماماً". سأل زوريان: "أما البقية... فكم عرضت عليهم حقاً مقابل حصيلة حياتهم؟" قال زفيم عابساً: "أنا عادل دائماً في تعاملاتي يا سيد كازينسكي". ابتسم زوريان: "نعم لكن ماذا لو قدمت عرضاً شائناً؟ الأسرار المجمعة لعشرات السحرة. أموال تفوق ما رأوه طوال حياتهم. مواد نادرة لا يمكن الحصول عليها في السوق المفتوحة. فرصة لاستئجار مجموعة من أساطرة السحرة لمهمة ما. من هذا القبيل". رفع زفيم حاجبه نحوه. "إن استطعت تقديم كل ذلك فلمَ تحتاج إليّ؟" قال زوريان مشيراً مباشرة نحو وجهه: "أترى؟ رد الفعل هناك. عدم التصديق والتسلية. أنت تعلم أنني مسافر عبر الزمن ومع ذلك لا يمكنك أخذي بجدية حين أقول ما أعرضه. كيف تظن أن الآخرين سيتفاعلون؟ تلك المزاعم حين تصدر مني أو من زاك تبدو شائنة حقاً للناس. وليست بطريقة جيدة. نحن مجرد مراهقين بلا إنجازات معروفة. لا نعتمد سوى على الشهرة المستعارة من عائلاتنا وهذا لا يوصلك إلا لمدى محدود. أما أنت فساحر كبير فائق الاحترام. وهم يعرفونك. أنت صديق ومعارف لبعضهم. لن يبدو الأمر بهذه السخافة إن عرضت هذه الأشياء". أشار زفيم: "سيظل الأمر يبدو سخيفاً بعض الشيء. سيظن الناس أنني جُننت. حسناً أكثر مما هم عليه بالفعل على أي حال". أخبره زوريان: "لا تقلق ستتم استعادة سمعتك في نهاية كل إعادة بدء". رد زفيم مبالغاً في البرود: "يا له من أمر مريح حقاً". صمتا معاً فترة بينما أخذ زفيم يدرس الفكرة. أقر زفيم مطولاً: "في الأمر بعض الجدارة. بعض هؤلاء الناس... لا أعتقد أن هناك ما أستطيع تقديمه ليشاركوني نتائجهم. معظمهم مع ذلك يملكون سعراً على الأرجح لو كان المرء مستعداً للارتفاع بما يكفي وبدا العرض ذا مصداقية. وعلى هذا النحو أمتأكد حقاً من قدرتك على تلبية ما تعرضه؟ خذ المال كمثال — لست متأكدًا من إدراكك لحجم الأموال التي تتبادل بين سحرة المستوى العالي في صفقات كهذه. ما يبدو مبلغاً شائناً لك قد يبدو مصروف جيب بالنسبة لهم". لم يحاول زوريان الشرح. بل مد يده ببساطة إلى جيبه وأسلم زفيم شيكاً بنكياً صنعه لتلك المناسبة. ألقى زفيم نظرة عليه ليرفع حاجبيه فوراً للمبلغ المدون على الورقة. قال زفيم بعد وقفة قصيرة: "هذه الكثير من الأصفار". قال زوريان بابتسامة واسعة الأسنان: "كلا يا سيد تشاو. هذا مجرد مصروف جيب". - فاصل - كان الأسبوع القادم مزدحماً نسبياً مع حدوث الكثير من الأمور. جرى تنظيم غزو لقاعدة إيباسان تحت سيروريا، وإقناع حكماء الباب الصامت بأن السفر عبر الزمن حقيقي وبأن عليهم منحهم الوصول إلى بوابة باكورا وخبراء المرتبطين بها مجدداً، مع تخطيط بعض التغييرات لجولتهم في مختلف الغرف السوداء بألتازيا ومضي مؤامرة إقناع مختلف الخبراء بالتخلي عن أسرارهم المحروسة بحراسة مشددة ببطء للأمام. لحسن الحظ لم يعد زوريان يعمل وحيداً على كل هذه الأمور كما كان في السابق لذا بدا هذا النوع من عبء العمل سهلاً بما يكفي للحفاظ عليه. مع ذلك ظل كل هذا غير ذي بال إلى حد كبير بالنسبة للمحاكاة رقم اثنين الذي انحصر عمله في الذهاب للمدرسة ثم الاختفاء في نهاية اليوم. والغريب أن الرقم اثنين لم يمانع مهمته. علم أن سلفيه لم يكونا متحمسين جداً لمهمتهما لكنه وجدها شخصياً مناسبة تماماً لذوقه. وربما يعود ذلك لأن الأصلي أنشأه فور انتهائه من جلسة تفاوض أخرى مع حكماء الباب الصامت فشعر أن هذه المهمة المريحة هي تماماً ما يحتاجه. ومع ذلك ظل إيلاء اهتمام حقيقي للدروس أمراً مستبعداً لذا التقط بضعة كتب متقدمة للقراءات أثناء المحاضرات والاستراحات. وفي إحدى الاستراحات وجد نيولو تراقب من فوق كتفه بفضول. سأل: "ماذا؟" لقد كان متفاجئاً حقاً — فلم يكن هذا كإعادة البدء السابقة حيث انتهى المطاف بالمحاكاة السابقة بصداقتها سراً خلال حياتهم القصيرة. كان واثقاً من ذلك. فلمَ تهتم به وبخيارات قراءاته تحديداً؟ سألت بفضول: "لماذا تقرأ قواميس اللغات الزلوتيقية؟" أوه. صحيح. بالطبع ستهتم بذلك. فهي من زلوتيك نفسها بعد أثر كل شيء. لقد اكتشف قدراً لا بأس به عن نيولو في إعادة البدء السابقة جزئياً لأن نيولو نفسها شعرت بالحاجة لتخبره عن نفسها وجزئياً لأنه احتاج لإعادة بناء ما فعله محاكاه عبر استجواب الناس بذكاء وقراءة أفكارهم. كانت نيولوما-مانو إيلجاتير (نيولو اختصاراً) ابنة بيت اعتيادي لكنه فائق الثراء من كونتيما — إحدى الدول الخلف الأكبر لإيكوسيان على الساحل الزلوتيقي. وكانت بشرتها الأدكن والبرونزية تلمح إلى ذلك لكن هذا النوع من السحنة شائع أيضاً في جنوب ألتازيا وأرخبيل شييفان وبالتالي لم يكن دليلاً قاطعاً. وكانت العلامات الزرقاء الشبيهة بالوشم على وجنتيها وجبهتها السمة المميزة لبيتها ولم يعلم أحد إن كانت مجرد تجميلية أو تحمل نوعاً من سحر عائلة إيلجاتير السري. كان سفر نيولو طوال الطريق من زلوتيك إلى إلدمار لدراسة السحر أمراً غير معتاد للغاية ناهيك عن القول. فلم تكن زلوتيك خالية من الأكاديميات العمرية المرموقة خاصتها. فقد كانت في يوم ما معقل إمبراطورية إيكوسيان بعد كل شيء ورغم تسبب الكارثة بضرر بالغ للمنطقة ظل ذلك يحسب لشيء ما. ومع ذلك قرر والد نيولو إرسالها طوال الطريق إلى إلدمار لأجل تعليمها السحر. ورسمياً يعود السبب إلى كون أكاديمية سيروريا الأكاديمية السحرية الأهم عالمياً ورغبته بالأفضل لابنته وحدها لكن الشשו تقول إنها تورطت في نوع من الفضيحة بالوطن وأراد إبعادها عن أعين الناس فترة. وكان إرسالها إلى أكاديمية سحرية بعيدة لكن مرموقة حلاً جيداً في سجله. كانت تلك مجرد شائعة رغم ذلك وحتّى لو كانت نيولو هنا في منفى غير رسمي فلم يكن بالإمكان جزم ذلك أبداً من سلوكها. بدت سعيدة للغاية بوجودها في سيروريا ولم تبدِ أدنى مؤشر على المرارة تجاه عائلتها أو وطنها. ومن الممكن أن الشائعات كانت مجرد هراء في هذه الحالة وأنها أرادت حقاً الذهاب لبلد أجنبي لأجل تعليمها ولم يُطق أبوها رفض طلبها. حسناً لا بأس. ليس شأنه على أي حال. وأما عن قراءته للقواميس الزلوتيقية فها هو... يحاول في الواقع جعل نفسه نافذاً بعض الشيء بمساعدة المحاكاة رقم واحد الذي كان يشق طريقه بخطى ثابتة نحو كوث في هذه اللحظة. لقد ظل على اتصال عقلي مع زميله المحاكاة فترة الآن ورغم أن القواميس التي يقرؤها كانت عتيقة نوعاً ما إلا أنها أفضل من لا شيء. بالطبع لم يستطيع إخبار نيولو بذلك حقاً. أخبرها عوضاً عن ذلك: "كنت أفكر في زيارة زلوتيك فور تخرجي من الأكاديمية". شهقت مذهولة: "حقاً!؟ أوه هذا رائع! صدقني إنه مكان جميل. يجب أن تزور موطني حين تفعل — يمكنني منحك جولة في المدينة وإخبارك بأين تذهب إن رغبت في رؤية شيء ممتع". ممم. بدت تلك فكرة مثيرة للاهتمام. ألم يقل زاك إنه كان من السهل إقناع نيولو بأن السفر عبر الزمن حقيقي؟ ربما ينبغي عليهم تجنيدها كمرشدة حين يبحثون عن قطعة المفتاح المفقودة في زلوتيك على الأرجح. ربما لن تستطيع مساعدتهم كثيراً لكنها تستطيع على الأقل ضمان عدم ارتكابهم أخطاء اجتماعية كبرى والتصرف كمترجمة لهم أثناء استجماع أمورهم. وربما تقيف كلمة طيبة عنهم لبيتها ليتمكنوا من استغلال اتصالاتهم في جميع أنحاء المنطقة. قال زوريان: "سأضع ذلك في الاعتبار. قولي أترين أن بإمكانك مساعدتي في ترجمة بعض الأشياء؟ لدي قائمة العبارات هذه التي حصلت عليها من صديقي الذي زار زلوتيك لكنني أجد صعوبة في إيجادها في الكتب..." - فاصل - فور وصول محاكاة زوريان إلى كوث مجدداً أثبت تعقب دايمن فعلياً سهولته التامة. سلماً باعترافه حدث هذا فقط لأنه نجح في انتزاع هوية خطيبته من الأم. واتضح أن دايمن لم يكن منفعلاً كما تخيلته الأم — فعوضاً عن السعي بلا هواية وراء أي هدف جاء به إلى كوث كان يأخذ استراحة لبعض الوقت ليقضي وقتًا مع فتاته في عقار عائلة تاراماتولا. حسناً بالنظر لفعله ذلك لأسابيع يبدو أن "بعض الوقت" تقليل من شأن الأمر. على أي حال. كل ما توجب على زوريان فعله هو التحدث إلى عضو رفيع المستوى في البيت وسؤاله عن مكان دايمن وانتزاع المعلومة مباشرة من عقله حين ادعى جهله التام بالأمر ثم شق طريقه نحو المكان مصطحباً زاك. وهكذا وجد الاثنان نفسيهما ينتظران أمام مدخل عقار تاراماتولا مصصرين بعناد على رغبتهما في الحديث إلى دايمن ومتجاهلين الحراس الذين أبدوا عناداً مماثلاً بالادعاء بعدم رؤيتهم لهذا الرجل قط في حياتهم. بصدق كان زوريان مذهولاً نوعاً ما لعدم محاولتهم التخلص منهما بعنف حتى الآن. لقد علم أن البيوت في إلدمار تميل قليلاً لسرعة الزناد عند مواجهة زوار لا يلتقطون التلميح. ورغم قيامهم بذلك كان زاك وزوريان قادرين تماماً وراغبين في إسقاطهم ثم الاستمرار بفعل المثل لأي تعزيزات يرسلها البيت في طريقهما. ربما استطاعوا استشعار ذلك بطريقة ما؟ في النهاية وصلت امرأة متوسطة العمر بدت صارمة في ملابس بيضاء وبرتقالية لترى ما سبب الإزعاج. ذكرت أن اسمها أولانا لكنها لم تذكر شيئاً عن منصبها في البيت أو نوع السلطة التي تملكها. سألت حاجبة حاجبيها: "تقول إنك أخ دايمن الأصغر؟" تكلمت أولانا بإيكوسيان سليمة نحويّاً بحق خلافا لمعظم الناس الذين وجدوهم في كوث رغم ثخانة لهجتها. قال زوريان مناولاً إياها لوحة ملفوفة سرقها بلا خجل من غرفة دايمن في سيرين: "نعم زوريان كازينسكي. يمكنك إظهار هذه له كدليل". صوّرت اللوحة ثلاث طالبات من دفعة دايمن في الأكاديمية بملابس كاشفة وبوضعية إيحائية. وُزع أن دايمن حصل على تلك اللوحة كهدية من الفتيات المعنيات وأبقاه دائماً معروضاً بشكل بارز في غرفته متجاهلاً اعتراض الأم على كونها "فاضحة". فتحت المرأة اللوحة ببطء ودراماتيكية وتفحصت المحتويات بثبات بحاجب مرفوع قبل أن تلقي عليه نظرة تفيض ببعض المرح. قالت: "أرى. إن لم يكن لشيء آخر فأنت تبدو مالكاً لذات حس الفكاهة لديه. سأحرص على إظهار هذه له. وأنا واثقة أن ثمة قصة مشوقة خلفها". قال زوريان بابتسامة مشمسة: "أوه قطعاً. أنا متأكد من أنه سيسعد بإخبارك بكل شيء عنها". بعد نحو خمس عشرة دقائق عادت أولانا ومعها دايمن يجر خطاه خلفها. مر وقت طويل منذ آخر رؤية لزوريان لأخيه لكنه لم يتغير كثيراً في هذه الأثناء. ظل الرجل الطويل الوسيم نفسه ذو البنية العضلية الرياضية والمشية الواثقة. لعرفه زوريان في أي مكان تقريباً. رغم ذلك تغير زوريان كثيراً منذ لقائهما الأخير. فقد غدا بارعاً بما يكفي في السحر ليلاحظ أن دايمن ألقى بتكتم تعويذة استبصار عليه ليؤكد أكونه زوريان حقاً وليس دخيلاً متنكراً. وأصبح بارعاً بما يكفي بقواه العقلية ليدرك فوراً متى كان في حضور فرد نفساني آخر. أغمض عينيه لحظة. دايمن نفساني. بالطبع. الشيء الوحيد الذي تميز به زوريان إلى حد ما ويجب أن يمتلكه دايمن أيضاً. لكن لقول الحقيقة توقع ذلك إلى حد ما. فمن شأن ذلك تفسير مصدر ذلك الحس الاجتماعي المذهل وقدرته الإقناعية — فحتى كطفل كان دايمن قادراً على خوض مواقف اجتماعية يعجز الرجال الراشدون عنها. لكن ما مدى براعة دايمن في التحكم بهديته؟ شعر زوريان برغبة في إرسال سبر تخاطري نحوه للتحقق لكنه كبح نفسه. ربما لاحقاً. لا يزال الوضع متوتراً بعض الشيء الآن ولا داعي لزيادة الشبهات. أيضاً لو كان دايمن منفتحاً ويملك قدراً من التحكم به فكان جديراً به ملاحظة كون زوريان مثله تماماً. فلماذا لم يقل شيئاً له ولأبويه؟ نعم، احتاج بالتأكيد لمواجهته حيال هذا في نقطة ما. هتف دايمن: "زوريان؟ أأنت هو حقاً؟" رد زوريان: "ومن عساني أكون؟ أعلم أننا لم نلتقِ منذ فترة لكن أأنساك شكلك أخيك الصغير بالفعل؟" ضحك دايمن بارتباك. "كلا بالطبع لا. الأمر فقط أن هذا غير متوقع للغاية. ألا يفترض بك أن تكون في المدرسة أو ما شابه؟" اعترف زوريان: "كان يفترض بي. لكنني قررت القيام برحلة إلى كوث عوضاً عن ذلك. ثم تذكرت أنك هنا بالفعل وظننت أنه من اللائق تماماً المرور وإلقاء التحية". قال دايمن: "أحقاً". وألقى عليه نظرة قياس. "أخبرني بصدق — هل أنت هنا نيابة عن والدينا؟" هز زوريان رأسه: "كلا". سأل: "إذن لن تحاول الوقوف بيني وبين أوريسا؟" قال زوريان: "كلا لمَ أفعل؟ أنا مسرور لأجلك. رغم أنك وحدك في التعامل مع أمي وأبي". زمجر دايمن: "أيها اللقيط الصغير. إذن لماذا بحق الجحيم اخترت ذلك بالذات كدليل على هويتك هه؟" علقت أولانا بثبات: "كانت لوحة جميلة. لا بد أنك كنت مشهوراً للغاية في أيام دراستك يا سيد كازينسكي". تجاهل دايمن تعليقها مفضلاً التركيز على زوريان. وأخبر زوريان: "يبدو بالتأكيد أنك تحاول توريطي هنا هذا ما أعنيه". قال زوريان بابتسامة عليلة: "كل ما أعرفه عن كيفية معاملة أخ بالشكل الصحيح تعلمته منك يا أخي العزيز". سألت أولانا: "أه حقاً؟ يبدو أنك تمتلك بعض القصص الرائعة". قال زوريان: "نعم هناك بعضها اللطيف. مفضلتي الشخصية حين ظن أنه من المضحك حبس أخيه الأصغر خارج المنزل باستمرار لساعات طوال". أشار دايمن: "في الواقع أردت المنزل لنفسي فقط ولم ترغب في الخروج واللعب بالخارج كطفل عادي. علاوة على ذلك دفعت ثمناً لذلك بالفعل". قال زوريان: "نعم لهذا قلت إنها مفضلتي الشخصية". سأل زاك مسبباً تركيز دايمن وأولانا الحقيقي عليه لأول مرة منذ بدء الحديث: "ما الذي حدث تحديدا؟" لقد كان هادئاً بشكل غير معهود حتى هذه اللحظة مكتفياً بمراقبة التفاعل من على الهامش ودون تفوه بحرف. أوضح دايمن بانزعاج: "تعلم زوريان كيفية فتح الأقفال فقط ليتمكن من دخول المنزل مجدداً هذا ما حدث. أعني أي طفل يفعل ذلك؟ ثم يراه شرطي أحمق لم يكن يعلم أنه يحاول كسر باب منزله الخاص ليعتقله بتهمة السطوع. يا رجل كانت أمي مستشطّبة غضباً عندما اكتشفت ذلك. على كللينا حقاً، وخصوصاً أنا بما أنني الأكبر وكان يفترض بي مراقبته عوضاً عن طرده خارج المنزل لأجل أداء أموري الخاصة". علقت أولانا: "مفهوم تماماً". قال دايمن بنبرة صرف: "نعم نعم كنت طفلاً مزعجاً بعض الشيء. من لم يكن كذلك؟ على أي حال ادخلا إلى الداخل أنت الاثنين. ويجب أن أقول إنه لأمر مثير للإعجاب تماماً قدرتكما على السفر طوال الطريق إلى هنا من إلدمار..." أضافت أولانا من جانبه: "ومتهور جداً أيضاً". قال دايمن: "حسناً نعم لكنني آخر شخص يمكنه وعظ الناس حيال ذلك. يا رجل مقارنة ببعض الأشياء التي فعلتها حين كنت بسنهما فهذه لا شيء!" رفعت أولانا حاجبها نحوه. تعثر دايمن قائلة: "أه"، قبل أن يلتف عائداً لزاك وزوريان. "وما اللعنة التي تنتظرانها أنتما الاثنان؟ دعوة مكتوبة؟ ادخلا للداخل حالاً قبل أن أحفر لنفسي حفرة أعمق! أقسم أن هذا ليس يومي قط..." مع ذلك استدار دايمن نحو مبنى العقار الفعلي وخطا نحوه واثقاً من إتباعهما إياه. وبكتف مبالاة وبابتسامة لعمل أنجز جيداً تبعه زوريان.
أم التعلّم الفصل 66 — الكمال المشوه
اقرأ أم التعلّم الفصل 66 — الكمال المشوه باللغة العربية على مانجا تايم.