ما إن غادر زفيم المنزل حتى حذو حذوه. لم يكن يملك وجهة محددة، بل أراد فحسب مغادرة المنزل لبعض الوقت. وبحسب ما تبين له، كانت تلك الطريقة الوحيدة ليظفر ببعض الوقت لنفسه. استشعر باقي سكان المنزل حدوث أمر بينه وبين زفيم أثار حفيظته بشدة، فجعلوا يلحون عليه في طلب الإجابات. أدرك حسن طويتهم، لكن اللعنة على إزعاجهم. بدت أسئلتهم مزعجة بوجه خاص لتعذر الإجابة عن أي منها. ليس من دون الإفصاح عن الطبيعة الحقيقية لحلقة الوقت وأمور أخرى أخفاها عنهم. ربما لم يحق له التبرم. فبالنظر إلى فداحة الأسرار التي يكتمها، كان فضولهم مبرراً تماماً. بيد أنه لم يكن في مزاج طيب في تلك اللحظة، وعسر التحلي بالتفهم والمنطقة. لذا كان الابتعاد عن الجميع هو الصواب ريثما تسنح له فرصة لتهدئة روعه. لم يحاول زاك تباعه، وله عليه المنة. وسجل زورية في ذهنه أن يشكره لاحقاً على مراعاته. طفق يجوب شوارع سيوريا بلا هدف لوهلة، يتفحص واجهات المتاجر ويراقب المارة حوله. لكنه لم يلبث أن سئم ذلك، فعزم على زيارة بعض الأماكن المهمة من ماضيه. تفقد شقته القديمة التابعة للأكاديمية والتي قطنها خلال عمليات الإعادة الأولى (ليتضح أنها مأهولة من شخص آخر الآن)، وأمضى بعض الوقت فوق سطح المبنى، متأملاً المدينة وحدها بينما تداعب الريح وجهه. ثم هبط إلى السراديب الواقعة تحت سيوريا، وعبر الممرات المقفرة للمستوطنة العنكبوتية المخبأة في جوفها. وأخيراً، سار نحو الحفرة وأمضى وقتاً يحدق في أعماقها السحيقة، متسائلاً في عبث عما إذا كان سجن البدائي قد وضع هنا بسبب الحفرة أم أن الحفرة كانت وليدة وضع السجن في هذا المكان. وما إن ابتعد عن محيط بئر المانا الهائل، حتى تصادف بلقاء زمرة صغيرة من الجرذان ذات الرؤوس المخفية في ظلال مبنى مجاور. ومع كفه عن محاولة إفساد الغزو وتواتر الأحداث المتلاحقة في فترة وجيزة، كاد ينسى أمرها. وتأكد تماماً من أن سحره العقلي قد تجاوز منذ أمد قدرة السرب على إيذائه، فلم تعودا تثيران الرعب في نفسه كما سلف. أمم... بدافع مفاجئ، بسط مسباره التخاطري نحو أحد الجرذان، محاولة بدء حديث مع العقل الجمعي للسرب. ربما باستطاعته رشوته او ابتزازه ليغير ولاءه؟ أو ليجمع له المعلومات على الأقل كما يفعل للغزاة — فلن تكون المرة الأولى التي يعمل فيها جاسوسلً لعدة أطراف... كان الاتصال بالجمع أمراً يسيرأ. بل بالغ اليسر. فبسبب الآلية التي يعمل بها عقل السرب، تعذر عليه استخدام الدروع العقلية بالطرقة التي يوظفها هو. وعوضاً عن ذلك، اعتمد على فائض عقول الجرذان الفردية والقوة النفسية الهائلة لكيانه المجمع عند مواجهة سحرة العقل المعادين. وعلى الجانب الآخر، أثبت الحديث مع العقل الجمعي صعوبة بالغة كما خشى. إذ تعامل السرب مع كل محاولة اتصال منه كاعتداء، فيرد عليه كلما أنشأ رابطاً تخاطرياً، قاطعاً الصلة بالجرذان الفردية عن الكل الأكبر حال إدراكهم أن هجومهم المرتاد لا يجدي نفعاً. وفي النهاية، حين أبى زورية الكف عن محاولات اتصاله ومضى يصعد تدريجياً من ضراوة مسابيره التخاطرية، اكتفى عقل السرب بالتخلي تماماً عن الزمرة التي حاصرها وفصلها جمعاء عن العقل الجمعي عوضاً عن الاستمرار في التعامل معه. لم يشعر بخيبة أمل سوى الشيء اليسير، فمضى زوريان في طريقه غير آبه حتى بقتل الجرذان ذات الرؤوس المذعورة والمنعزلة فجأة. فأي جدوى من ذلك حقاً؟ ومع ذلك، بقيت فكرة تجنيد الجرذان ذات الرؤوس لتعمل لصالحهم راسخة في ذهنه. غير أن عليه معرفة ما يفعله لحمل السرب على الاستماع إليه؟ أيكتفي بمضايقته كما فعل للتو حتى يضيق السرب ذرعاً به فيشرع في الرد حقاً؟ لو كان مكانهم، لكسر الصمت بعد برهة ليأمر ذلك الأحمق بالتوقف. تحسباً لنجاح الأمر فحسب. ومع ذلك، ربما كان يسبغ تفكيراً بشرياً مفرطاً على كائن مركب من جرذان. وإذا أراد مخاطبة عقل السرب، فقد يتطلب الأمر أسر أحد الجرذان وربطه بإحكام أكبر بالعقل الجمعي. بحيث يستحيل عليهم قطع الاتصال والتخلي عنه. جلس على مقعد مجاور وأخرج مفكرة، وشرع في رسم تخطيط لتعويذة «تثبت» الجرذ المزوّد برأس إضافي إلى جمعه. قفص معدني بثلاث حمايات متداخلة من شأنه أن... لا، انتظر، لن ينجح ذلك. ربما يجدر به إيجاد اتصاله الخاص عوضاً عن محاولة تقوية الاتصال القائم... وإن وضع علامة صغيرة على خمسة أو ستة جرذان، فسيخلق ذلك صدى يعمل على... وبعد برهة، اضطر آسفاً إلى إرجاء تخطيطه، فقد حل الظلام وحان أوان العودة إلى المنزل. على أي حال، سيستغرق إتمام التصميم أياما بضعة. وشعر بتحسن كبير الآن، لذا انتفى أي داع للبقاء بعيداً عن منزل إمايا لفترة أطول. استوقف العجب زوريان لكون تصميم سبل التواصل مع الجرذان ذات الرؤوس قد بعث في نفسه الرضا. فما الذي أعجبه إلى هذا الحد؟ وبعد تفكير وجيز، أدرك مرد ذلك إلى كونها مشكلة يدرك حقاً سبل حلها. لم يكن متأكداً أيهما أفضل الحلول بين أفكاره، بيد أن الأمر لم يكن كمعضلات حلقة الوقت التي بدت مستعصية تماماً. فقد جهل سبل تعقب المفاتيح الخمسة، وحتى لو دراها، فلن تدله تلقائياً على كيفية دخول العالم الحقيقي برفقة زاك. ولم يكن يدري كيف يتعقب طفلاً تعجز داره النوبيلة عن إيجاده. ولم يقتصر الأمر على افتقاره للمهارات اللازمة لإنجاز تلك المآثر، بل إنه لم يعلم أي المهارات التي يتطلبها الأمر من الأساس. وعليه، أفكان نهج زفيم الذي ينادي به ضرورياً أصلاً؟ فقد طالع المفكرة التي نثره إياها زفيم أثناء طوافه. وكان بعض من أوصى بهم زفيم خبراء في التنجيم وسحر العقل، وهو ما قد يعينه محتملاً على جمع المعلومات. غير أن جلهم انصب اهتمامهم على السحر عموماً. وما واجهه تمثل في معضلة معلومات بالدرجة الأولى. أفيسهم كون المرء ساحراً أبراً في حل ذلك؟ ربما. فما احتمالات الظفر بالمفاتيح متى عُثر عليها، من دون بذل غاية الجهد والمهارة السحرية؟ ضئيلة للغاية، نظراً لحظه العاثر. ولا ريب في أن السبيل للخروج من العالم الزائف، أياً ما كان، سيطالب بمهارات تفوق بكثير ما يملكه حالياً. وهذا كله من دون التطرق لمسألة الرداء الأحمر وحتمية التعامل معه بطريقة ما حين (إذا) ما خرجا من حلقة الوقت. كان الظلام دامساً حين عاد أخيراً، وما إن ولج المنزل حتى وجد إمايا مستيقظة تنتظره. صراحة، عجز عن فهم تلك المرأة. قال زوريان متبرماً: "أتعلمين أنه لم يكن عليك انتظارئ؟ فمعي مفتاحي الخاص". وحتى لو نسيه، لكان فتح الباب بالسحر أمراً في غاية البساطة. بل لاستطاع إغلاقه مجدداً بالطريقة ذاتها بعد دخوله. هزت رأسها بلا مبالاة وقالت: "أعلم. ولكني أردت انتظارك على أي حال. أتحس تحسناً الآن؟" أقر زوريان قائلاً: "أجل". لم ينجز شيئاً يُذكر، لكنه شعر بهدوء أكبر على أية حال. سألت إمايا بلغة العارف: "أين ذهبت؟ أتكون تتجول فحسب؟" أجاب زوريان بكتفين مرتجفين: "نوعاً ما. اشتريت لكيريلي مشبك شعر، وتسلقت قمة مبنى، وزرت مقبرة، وأمعنت النظر في حفرة وحاولت مخاطبة الجرذان". سألت باهتمام: "اشتريت لأختك هدية؟ ما المناسبة؟" رمقها زوريان بنظرة غريبة. من بين كل ما قاله، أذلك ما آثرت التركيز عليه؟ أجاب: "كان زهيداً وبدا لي الأمر مناسباً". جلس مقابل صاحبته، ولم يشعر برغبة في النوم بعد. لم يكن متعباً. "لماذا انتظرتني؟ ألست مجرد مستأجر بالنسبة لكِ؟" ردت إمايا ونبرة المرح تكتنف صوتها: "لست متأكدة. فقد سمعت عن هؤلاء «المستأجرين». يُفترض بهم أنهم كائنات مرعبة تعود للبيوت سكارى ومتأخرة، وتخرب الجدران والأثاث ولا تدفع الإيجار في موعده أبداً". عقب زوريان ببرود: "افتراء". تنهدت بخفة وقالت: "جدياً، أظنني محقة في الاهتمام أكثر من اللازم. أعتقد أن الذنب ذنب كانا وكيريلي. تجعلانني أفكر بالأطفال طالما تمنيت إنجابهم". رمقها زوريان بنظرة تفاجؤ طفيف. ليس لأن رغبتها في الإنجاب أمر مستحيل التصديق، بل لأنه طوال عمليات الإعادة التي عهدها فيها، نادراً ما تحدثت عن نفسها على هذا النحو. كاد يسألها عن سبب بقائها عزباء إن كانت ترغب في الأطفال، لولا تذكُّره لتحذير إيلسا من مناقشة أمر الزواج أو الأزواج معها. قالت: "لا ترمقني هكذا. الرغبة في الأطفال أمر طبيعي، أتعلم؟ أعلم أن الشباب أمثالك لا يودون التفكير في ذلك، لكن الأمر سيتغير مع تقدمك في العمر". هز زوريان رأسه قائلاً: "لم أطق بكلمة. مع أنني... أعتذر سلفاً عن وقاحتي، ولكن إن كنت ترغبين في الأطفال إلى هذا الحد، فلم لا تنجبينهم وحسب؟ بالطبع، سينظر إليك بعضهم نظرة دونية لكونك أماً عزباء، ولكن..." قاطعته إمايا وقد استرعى ضحكة مدوية: "آه، هذا طريف حقاً. أظن أن إيلسا أخبرتك بألا تأتي على ذكر زوجي فقفزت إلى الاستنتاجات، أليس كذلك؟ ولكن لا، العزوبية ليست المشكلة. بل حقيقة أنني عقيم". أوه. أردفت إمايا: "هجرني زوجي حين اكتشفنا ذلك. أراد أطفالاً هو الآخر، وعجزت عن إنجابهم. ها قد عرفت بالأمر برمته إذن. ليس سراً كبيراً، وقد تجاوزت الأمر في معظمه، لذا لا تهتم بتجنب ذكره. لست بالهشاشة التي تحسبها إيلسا". وبدت كأنما تزن الأمور لههية. ثم أضافت: "رغم أنك لست مجبراً على ذكره عفو الخاطر. فهو موضوع كئيب". أومأ زوريان: "أتفهم". ولمَ سيعيد فتحه بلا سبب على أي حال؟ "سؤال واحد فقط. كونك عقيماً... أهذه مشكلة عجز مادي عن تحمل تكاليف العلاج، أم أنه مرض غير قابل للشفاء حرفياً؟" أجابت إمايا: "الثاني، على ما أظن. فمستشفو المشافي العادية لا يعلمون يقيناً بأي علاج يجدي نفعاً. وإن وُجد، فسيحتاج تتبعه وشرائه لميزانية دولة صغيرة". أحفظ زوريان تلك المعلومة في زاوية نائية من عقله وانتقل إلى مواضيع أخرى. فمشكلة إمايا، على مأساويتها، لم تحتل مراتب متقدمة في قائمة اهتماماته. ومع ذلك، لن يضره البحث عن أي علاجات معجزة حين يجري تحرياته حول المفاتيح وما شابه. وكان على يقين تام بأن كاييل سيقدر أمراً كهذا أيضاً، كما أن العقاقير القوية قد لا تكون بلا فائدة له ولزاك. أمضى النصف ساعة التالية محادثاً إمايا، جلها تركز على كيريلي وما فعلته طوال تلك الأيام في غيابه. وشعر بارتياح عارم لإدراكه أنها كانت حسنة السلوك بشكل يثير الدهشة — فقد غاب بصورة أكبر في عملية الإعادة هذه مقارنة بسواها، وخشى أن تسيء التصرف جراء ذلك. والمسألة الوحيدة تمثلت في إتلافها لبضعة أطباق قبل أيام معدودة وإحجامها عن إخباره بالأمر قط. ومثل هذا إزعاجاً — فلو أخبرته فوراً، لكان بوسعه إصلاحها بالسحر غالباً. وكما جرت الامور، أُلقيت القطع في القمامة وفات أوانها، ما يقتضي منه تعويض إمايا مادياً عن الأطباق. ليس عجزاً عن تحمل تكلفتها، لكن مع ذلك. سوف يلقن تلك الطفلة المشاكسة درساً لا ينسى غداً. - فاصل - شهد اليوم التالي جلوس زوريان في غرفته، محاطاً بجبل حقيقي من الكتب. بعضها عادي، مستعار من المكتبة أو مشتراة من المتاجر. وأخرى جُلبت من مخزن الكتب القابع في خزانة العناكب، أو سُرقت من المجموعات الخاصة لعبدة الأوثان المتعاونين مع الغزاة. كان يبحث عن أي شيء، أي شيء على الإطلاق، قد يتيحه له النمو بوتيرة أسرع من دون اللجوء إلى فكرة زفيم للترقي. ولسوء الحظ، لم يظفر سوى بالقليل حتى الآن. وكما هو متوقع في الواقع — فلو وُجِد سبيل جلي لجمع المهارات والقوى السحرية بصورة أسرع من المعتاد، لكان شائع الاستخدام بالفعل. وسرّه حقاً انفتاح الباب ودخول زاك، إذ منحه ذلك مبررا لأخذ استراحة من مهمته التي فرضها على نفسه. وبدا مستمتعاً نوعاً ما برؤية زاك يقلب صفحات كتاب يخصه. فما أندر أن يعقد زاك العزم على قراءة كتاب، ناهيك عن كونه بسماكة ما يمسكه حالياً. سأله زوريان باهتمام: "أهناك ما يثير الاهتمام؟" أجاب زاك: "ليس حقاً، لا. إنه كتاب طبي. أعطاني إياه كاييل. فهو يلاحقني منذ بضعة أيام، مردداً بأن حلقة الوقت مثالية تماماً للأبحاث الطبية، ومتوسلاً إليّ استثمار المزيد من وقتي في ممارسة سحري الطبي. ويبدو أن أحدهم أخبره ببراعتي في السحر الطبي". رمقه بنظرة حادة وهو ينطق بالعبارة الأخيرة. ولم تترك تلك النظرة أثراً على زوريان. إذ انتفى أي مبرر لكتمان الأمر عن كاييل، كما تيقن من قدرة زاك على صد كاييل بسهولة تامة لو حاول جاداً. وعوضاً عن ذلك، آثر تغيير الموضوع والولوج إلى غاية الزيارة المحتملة. فسأله زوريان: "ما رأيك في فكرة زفيم؟" تجهم زاك بوضوح، رامياً كتابه فوق رزمة كتب مجاورة قبل الرد. قال: "تثير ضيقي. ضيقي الشديد. فتلك هي الشاكلة التي عاملني بها الرداء الأحمر، أليس كذلك؟ بيد أن هذا لا يعني إحجامك عن فعلها. قد أكون متحيزاً هنا، غير أنني أدرك منطق زفيم. وإن شعرت بلزوم الإقدام على هذا، فلن أحاول صدك". سأله زوريان: "أأقدمت يوماً على فعل مماثل حين كنت تجمع قوتك بدءاً؟" هز زاك رأسه مجيباً: "ليس على هذا النحو. لم أستحسن سحر العقل، حتى آنذاك. لكني هاجمت بشراً وتفحصت مكتباتهم الخاصة ومجموعات تعاويذهم. ومع ذلك، امتلكت عادة مبرراً جاهزاً لمهاجمتهم. أيمكنك فعل المثل؟ أن تقصر أفعالك على من تملك مبرراً لمهاجمتهم؟" رد زوريان: "هذا ما أفعله نوعاً ما الآن. ربما لا بالضراوة الممكنة، لكن مرده فحسب افتقاري للوقت للتفرغ له كلياً. ومغزى زفيم يكمن في أن هذا لن يكفي. وبأن عليّ سلب ما أحتاجه، بغض النظر عن مدى مشروعية الهدف". همهم زاك مفكراً، وملّي في الأمر لثوان. فانتظر زوريان بصبر، مترقباً رده. قال زاك أخيراً: "أتعلم، جل سحري لا ينبع من سطو على أسرار الآخرين. بل راكمت غالبيته بالاكتفاء بالدفع والتوسل ومضايقة مختلف الخبراء لتعليمي. وممنوح أن بعضه بات ممكناً لكوني آخر آل نوفيدا. فقبيل سقوطها، دأبت داري على تمويل السحرة الموهوبين من ذوي الخلفيات الفقيرة وهم لا يزالون في مستهل مسيراتهم، وما زال عدد غير قليل من أمثال أولئك يعيشون شاعرين بالدين نحو نوفيدا. وكوني آخر نسلهم يلامس أوتار القلوب في بعض الحالات، وكذا حقيقة أن وصيي فكك الدار عملياً وسلبني إرثهم. فضلاً عن تطلع بعضهم للشهرة الناجمة عن تعليم آخر آل نوفيدا، أو أملهم بالربح عبر التقرب مني، مراهنين على استعادتي لمجد الدار وسداد دَينهم لاحقاً. وبين مالي وإرث عائلتي وشهرتي، لا يبدو الأمر عسيراً عادة لحمل الناس على تعليمي. أفلا يمكننا استغلال ذلك لدفع بعضهم نحو التعاون طوعاً؟" أردف زوريان بعد هنيهة قصيرة: "تلك فكرة مثيرة للاهتمام. لست متأكداً من مدى فعاليتها حقاً، لكنها تستحق التجربة. في الواقع، تذكرني بحقيقة امتلاكي لبعض الشهرة غير المباشرة بفضل أخي الأكبر. قد يكون صائباً تحري إمكانية نيل شيء بذلك. لم تفلح معي طوال الماضي، لكني لم أكن آنذاك عبقري سحر كدايمن قطعاً. أمّا الآن، فيمكنني إظهار بعض الكفاءة السحرية التي حزتها في حلقة الوقت لأنتحل بكفاءة شخصية الدايمن المبعوث". رمقه زاك بنظرة مفاجئة. تأوه زوريان بضيق: "أجل، أعلم. يؤلم الاعتماد على دايمن هكذا، لكن الأوقات العصيبة تقتدي تدابير يائسة". اكتفى زاك بهز رأسه مستمتعاً، بلا تلفظ بحرف. تساءل زاك بعد برهة: "وماذا عن الغرف السوداء؟ ألا يمكننا نيل وقت إضافي باستغلالها؟" وافق زوريان: "في الواقع، أجل. تفحصتها وأعتقد يقيناً بإمكاننا خداع المشغلين تحت سيوريا للسماح لنا باستغلال الغرفة مرة لكل عملية إعادة". عبس زاك: "مرة فحسب؟" أوضح زوريان: "الغرف السوداء تستهلك قدراً هائلاً من المانا. وبوسع المنشأة تحت سيوريا تفعيل غرفها السوداء مرتين شهرياً، لكن التفعيل الأول يحل في موعد غير مناسب تماماً لغاياتنا. إذ يحدث تماماً في مستهل إعادة البدء. ويستحيل استغلاله حينها، ما لم نشن هجوماً شاملآً على المنشأة باعتباره أول أمر نقوم به فور إعادة البدء. وحتى إن نجح، فسيؤدي حتماً لإغلاق المنشأة وتأجيل التفعيل الثاني المخطط، ما يفقدنا أي فائدة مرجوة". تمتم زاك ساخطاً: "تباً. لكن هذا يعلي مع ذلك مضاعفتنا لوقتنا أساساً، أليس كذلك؟ فالتفعيل الفردي يمنحنا شهراً كاملاً لقاء كلفة يوم". رد زوريان: "بشكل أو بآخر، هذا صحيح. لكنه شهر تعذر علينا فيه بلوغ أي خبراء أو كتب لم نفكر في جلبها مسبقاً. يفيدنا يقيناً، وينبغي استغلاله أقصى استغلال، بيد أنه لا يضاهي البتة فائدة عملية إعادة حقيقية أخرى". اقترح زاك: "أيمكننا إيجاد غرف سوداء إضافية في أماكن أخرى والاستيلاء عليها أيضاً؟" أومأ زوريان موافقاً: "لا ضير في البحث عنها. وعلى أية حال، لن نستطيع استخدام القاعة تحت سيوريا في عملية الإعادة الحالية. فقد فاتنا موعد التفعيل للأسف. ولكن بدءاً من الإعادة المقبلة، علينا التخطيط لاستغلالها كل مرة لتعظيم وقت التدريب". عقب زاك: "أجل. رغم أنني لا أفكك من التفكير بأنها ستكون أشهراً مملة للغاية نقضيها هنا..." أقر زوريان: "غالباً. ولا سيما لزاك، لعدم بداوه ممن يطيقون الحبس في غرفة صغيرة لأبيعات طويلة". "سنرى مجرى الأمور في الإعادة التالية ونعدل الخطة بناءً عليه. وإن لم تجد نفعاً، فسنلغي الفكرة". هدر زاك: "أعلم ما يدور بخلدك. لست متسرعاً إلى هذا الحد. ولن أفرط بفرصة ذهبية كهذه لمجرد شعوري ببعض الضجر". وعقب نقاش وجيز حول ما ينبغي جلبه للغرف السوداء لتمضية الوقت (أصر زاك على أن الإجابة الأمثل هي «الصديقات»، قبل أن يتنازل آسفاً عن الفكرة مع شروع زوريان في تعداد إشكاليات ذلك الطرح)، غرقا في صمت قصير. تفسح زاك في أرجاء الغرفة، متأملاً الكتب التي أحاط زوريان نفسه بها ومقلباً بعضها عرضاً. سأل زاك: "أثمة جديد إذن؟ أظفرت بشيء ذي بال في حصن الكتب الصغير الذي شيدته؟" أقر زوريان: "ليس حقاً. تبدو طقوس التعزيز مثيرة للاهتمام، إن أمكننا الظفر بالملائمة منها. ولأسف الشديد، يتكتم السحرة بشدة بشأنها. وتتطلب طقوس التعزيز الغالبة عدداً كبيراً من الضحايا التجريبيين الموتى قبل تصفية أدائها لتبلغ حد الاستخدام، لذا يوجس السحرة خيفة من الاعتراف باستخدامها أو علمهم بكيفية إجرائها. وأظن أن أحياناً بارزاً في طائفة تنين العالم يبرز فيها للغاية، لذا قد نجد ضالتنا إن تتبعنا ذلك الشخص". سأل زاك: "ألا تتطلب طقوس التعزيز ربط جزء دائم من مخزون مانا لديك لصيانتها؟ يبدو صفقة سيئة بالنسبة لك. بلا إهانة، لكنك لا تملك مخزون مانا ضخماً لحرقه". رد زوريان: "لذا خصصت وجوب إيجاد الملائمة. ثم إن احداً لم يقل بتعين استخدامي لها. أنت بارع الآن، لكن التحسن لا يضر قط ومخزونك أكبر من أن يكتفي بتعزيز أو اثنين". فكر زاك في الأمر ههية، قبل أن يهز رأسه. مردفاً: "أوجس خيفة من العبث بسحري هكذا. لا أعترض على الفكرة، لكنها تتطلب تعزيزاً مذهلاً بحق لأحظى باهتمامي". هز زوريان كتفيه: "عدل تام". وحقاً، قد تكون طقوس التعزيز بالغة الخطورة وربما خلفت آثاراً ممتدة عبر دورات الإعادة، لذا بدا تردد زاك معقولاً للغاية. "آه! غاب عن ذهني سؤالك طوال الوقت لنسياني له. أيمكنك تعليمي كيفية إلقاء تعويذة الشبيه؟" أجاب زاك: "أهـ، لا. عثرت على التعويذة مرة، لكني عجزت عن إلقائها. نصت اللفيفة على وجوب «وعي الساحر بروحه»، وهو ما عجزت عن تبينه حينها. وأفترض أن هذا ما يعلمني إياه آلانيك الآن، غير أنني لم أدركه آنذاك فأقلعت عن تعلمه". همهم زوريان متفحصاً: "حسن، أستطيع استشعار روحي، لذا يفترض تمكني من فعله. أليست هذه اللفيفة في مكان يسهل بلوغه، على الأقل؟" قال زاك: "لا أذكر حتى أين وجدتها". وبدا شارد الذهب لههية، قبل أن يهز رأسه بحزن. "معذرة، لكن مرّ وقت طويل. أظنها كانت في حرم ذلك الليتش في تارامان، أو ربما في خزانة طائفة عبادة الشياطين تلك في تيтра، أو في ذلك القبو السري الذي عثرت عليه تحت ماربولكانو، أو في مئات الأماكن الأخرى". هتف زوريان: "تباً. حسن، حاول التذكر. أعجز عن إيجاد وصف مفصل للتعويذة، لكن بحسب آليتها قد تحسن مساعينا بشكل كبير". أومأ زاك: "سأفعل". وقبل تفوهه بحرف آخر، اقتحمت كيريلي الغرفة. متخذة وضعية استعراضية بلا سبب حقيقي، لتعلن وفود زائر آخر لهما. فأمس البارحة كان زفيم، ولياتي دور آلانيك لمحادثته. - فاصل - عقب جولة ترحيب قصيرة، أدخل زوريان آلانيك لغرفته حيث انتظرهم زاك، ليستعيد موضعه على الفراش محاطاً بكتبه. قلب آلانيك صفحات بعضها، معبساً إزاء الأعمال المشبوهة التي سرقها من عبدة الأوثان بلا تفوه بحرف. وحين بدى آلانيك عازفاً عن البدء بالحديث قريباً، قال زوريان: "زارني زفيم البارحة". عقب آلانيك: "أعلم". وخلا صوته من أي مشاعر، وعجز زوريان عن استشعار أي شيء من عقله. فحذره: "آمل ألا يكون هذا سعياً للضغط علي لأخذ بنصيحته". رمقه بنظرة جادة واردف بجدية: "معاذ السماوات. لم أوافق على قراره أصلاً، فلمَ أضغط عليك لمجاراة؟" سأله زاك مذهولاً: "ألا تستحسن الأمر؟" رد آلانيك: "أنا كاهن. لمَ قد أستحسن مهاجمة بشر أبرياء لنيل قوة سحرية؟" عبس زوريان: "اغفر لي قولي هذا، لكنك لم تكن منارة أخلاق لامعة في دورات الإعادة السابقة التي عهدتك فيها". هز آلانيك كتفيه: "تجاه أعدائي ربما. بيد أن تلك ليست بالأساليب الواجب استخدامها مع الحلفاء ومن لم يقترفوا خطيئة". عاش الغرفة صمت لثوان بينما استوعب الجميع المقولة. وحين انقضت تلك اللحظات، بدا أن آلانيك انكمش وأغمض عينيه باعتراف بالهزيمة. مستسئلاً: "ومع ذلك، وجب القول إن ما أخبرتني به مرعب ومحبط في آن. فمن دون تدخلك، يلقى كل من لوكاف وأنا حتفنا مطلع الشهر. وحتى إن أخفق غزو سيوريا، فسيحصد آلاف الأرواح، وتُستلب غالبيتها لتغذية جهاز سودومير النكرومانتسي. وقد يخلق ما بعد ذلك دوامة جديدة من حروب التشرذم، ولا أرغب حتى في تخيل ما يقترفه رداؤك الأحمر هذا إن طلق له الحبل على غاربه". عبس زاك: "ما غايتك؟ نعلم جيداً جسامة المخاطر". رمق زاك نظرة خالية من المرح وأردف: "أنا بصدد الوصول إليها". فاكتفى زاك بإدارة عينيه له. وعوضاً عن الجدال مجدداً مع زاك، التفت آلانيك صوب زوريان. "بحسب ما فهمت، فإن الشق الحاسم لخروجك من هذا العالم الزائف القابعين فيه هو إيجاد المفاتيح الخمسة، أليس كذلك؟ ومن المفترض أن تكون العلامة على روحك قادرة على استشعارها، لكنك تجهل الكيفية". أكد زوريان: "صحيح". تابع آلانيك: "إذن، يتحتم عليك تعلم سبل استشعار روحك بصورة أفضل. وإن حالفنا الحظ، سيتيح لك هذا فهم علامتك بشكل أفضل وفتح هذه القدرة الحاسمة". أشار زوريان: "لكني أفعل ذلك بالفعل. ألا تعلمني سلفاً كيفية استشعار روحي بصورة أفضل؟" رد آلانيك: "أعلمك بالأسلوب الأنسب الذي أعرفه. والشاكلة التي ألجأ إليها طبيعياً حين يقصدني يافع طلباً للعون في تعلم حماية نفسه ضد سحر الأرواح. بيد أنه ليس الأسرع. ولا بفراسخ بعيدة. فالطريقة التي ابتغيها قاتلة بالمطلق لو أُجريت بأبنى خطأ وتترك أثماً دائمأً على جسد المستخدم، وما كنت لأقترحها قط على أي كان في الظروف العادية. غير أن تلك ليست ظروفاً عادية، وإن صحت أقوالك حول حلقة الوقت فالسلبيات طفيفة. والخطر الوحيد الماثل لك يتمثل في بتر إعادتك مبكراً إن أخطأت". لم تكن سلبية هينة في رأي زوريان. ومع ذلك، أبدى استعداداً للمخاطرة بها مرة على الأقل لقياس مدى قابليتها. سأل زوريان: "كم تبلغ سرعة تلك الطريقة الجديدة؟" أصر آلانيك على غموض مزعج: "أسرع بكثير. فضلاً عن بلوغك مستوى وعي شخصي بالروح ما كنت لتدركه أبداً بالأسلوب الآمن الذي ألقنك إياه حالياً. فوحده باستغلال الطرق الأشد تطرفاً، كالتي أقترحها، سيتسنى لك إتقان مهارة استشعار روحك حقاً". أردف زوريان إثر هنيهة قصيرة: "حسناً، أنا مهتم يقيناً إذن". عقب زاك: "أجل، لا يبدو أن هناك خياراً يذكر، أليس كذلك؟ إن كان الأمر هكذا، فسنقصدها بالطبع". رمق آلانيك زاك بنظرة غريبة. هز رأسه مجيباً: "أخشى أن العرض موجه لزوريان وحده الآن. فبهيئتك الحالية، لن تنجو من الطقس قط. إذ تتطلب قدراً معيناً من الوعي الروحي القائم لاجتياز هذا التدريب بنجاح". احتج زاك: "ماذا؟ لا تعلم مسرع لي؟ هذا ليس عادلاً! موافق تماماً على المجاطرة بحياتي، أتعلم!" رد آلانيك: "كلا، زوريان هو المخاطر بحياته. أما أنت فسترميها بلا طائل. ولا تملك رفاهية الإسراف بحياتك هكذا. ولا أي منا". وعقب جدال ضخم (وصياخ متبادل)، تقبل زاك مرغماً إستحالة سماح آلانيك له بخوض التدريب المميت برفقة زوريان. وسيرافق زاك طاقم التدريب، بيد أنه سيواصل دروسه الحالية عوضاً عن مسار زوريان. ولسخرية الأقدار، ألفى زوريان نفسه متحمساً فعلاً لاحتمال ذلك التدريب القاتل. فصراحة، كان تدريب الوعي الروحي أضجر تدريب سحري حظي بتجربته السيئة، وسيقبل بترحيب الفرصة التي يتيحها آلانيك. وبات متفهماً لإحباط زاك تماماً. وكل ما تمناه ألا يخذل إيمان آلانيك قدراته. وعلى الأقل، تيقن من استحالة سماح زاك له بنسيان الأمر لو لقي حتفه جراء تمرين تدريبي تافه. - فاصل - بعد يومين، قاد آلانيك الاثنين إلى مكان جديد كلياً، حتى بالنسبة لزوريان. لم يكن داخل المعبد الذي يعيش فيه آلانيك، ولا أي بقعة أخرى قاده إليها خلال دورات الإعادة السابقة. بل كان حفرة حرفية في الأرض في الخلاء (أو في قلب غابة منعدمة الزوار على أية حال)، تفضي إلى سلم مظلم ومغبّر. ونُقشت حمايات كاضمة للضوء على جدران الدرج، مستحيلة الإضاءة السحرية والعادية على حد سواء. واضطروا لاستخدام المانا لاستشعار محيطهم، هابطين ببطء على درجات وعرة وغير مسوية بينما لعنوا باني المكان. غالباً آلانيك، إن دَلت ثقته في الحركة بداخله على شيء. وإن لم يبنِ المكان، فكان على إلمام تام به بلا شك. وعلى أية حال، وما إن بلغوا القاع أخيراً، حتى استقروا في غرفة فسيحة ومربعة الشكل تماماً. لم تكن مظلمة سحرياً، بيد أن آلانيك نهاهم عن إلقاء تعويذات مضيئة، مصرّاً على استخدام المشاعل عوضاً عن ذلك، لذا غدت مظلمة بشكل مزعج على أية حال. أوضح آلانيك: "إنها غرفة طقوس. والطقس الذي أزمع إجرائه كارثي إن شابه خطأ. وأي سحر لا صلة له بالطقس سيزيغه بطرق غير مرغوبة. والإضاءة السحرية قد تكون آمنة، لكن تفادي المخاطرة أولى". تذمر زاك: "هذا الإعداد برمته مشؤوم حتى الجحيم. ولولا كفالة زوريان لك، لهاجمتك الآن غالباً". ولم يعقب آلانيك، بل ركز على إشعال كافة مشاعل الغرفة بحركات سلسة ومجربة. ومع ملء الضوء الخافت للمشاعل المتفرقة أرجاء الغرفة، تجلى وضوح صيغة سحرية معقدة منقوشة على الأرضية، مرتبة في عدة دوائر متحدة المركز. سأل زوريان، ممعنا النظر في الصيغة السحرية لمحاولة استكشاف أفعالها: "أيمكنك شرح جوهر هذا الطقس الآن؟" الدائرة الخارجية كانت ببساطة حاجز مانا كلاسيكياً يسعى لعزل جوف الدائرة عن المانا المحيطة — إضافة شائعة لإعدادات الطقوس لتقليل تداخل القوى الخارجية على السحر المُجرى. أمّا الدائرة الداخلية، فبدت كنوع من المراسي، مانعة المحتويات من الذهاب نحو... أهـ، ماذا؟ استدار نحوه مجيباً: "غاية التمرين أن تموت لبرهة". أمعن زوريان النظر في الدائرة الداخلية مجدداً. أليس من المفترض أن ترسو روحه؟ تمنعها من المضي قدماً مجدداً... أردف آلانيك موضحاً: "بتدقيق أكثر، سأستل روحك من جسدك مع إبقائك على وعيك بذاتك. فبتحولك إلى روح خالصة بلا جسد يلهيك، تظفر بوعي لا يُباري لروحك وآلية عملها. جزئياً لعدم وجود جسد يلهيك عن التركيز على روحك، وجزئياً لأن استلال الروح من الجسد يجعل بنيتها وشذوذاتها أقل تشوشاً وأيسر للدراسة". همس زاك: "أرأيت، ماذا قلت لك؟ يحاول قتلك. ادفع الحساب". همس زوريان راداً: "لم نراهن على شيء أصلاً. وأنت محق من الناحية التقنية فحسب — فغاية التمرين عودتي للحياة في النهاية. أعتقد ذلك". هدر آلانيك محتدماً: "إن لم تأخذا الأمر بقمة الجدية، فسأوقف هذا فوراً!" حاكى زاك الصمت سريعاً وعدل زوريان ملامحه لتعكس تعبيراً صارماً ملائماً. حدق آلانيك بهما لثوان لضمان ندمهما الملائم ثم واصل حديثه. أردف آلانيك: "كلما طال مكوثك خارج الجسد، اتسع وقت صقل مهاراتك وانجلت روحك لك أكثر. بيد أن المكوث خارجه يوهن الرابط الموثق لروحك بجسدك. إنها موازنة دقيقة، وثمن التهور والتقدير الخاطئ هو الموت". توقف آلانيك ههية. قائلاً أخيراً: "ما زال الوقت متاحاً لتتراجع". ماذا، أجدياً؟ كأنه سيتراجع الآن. هز زوريان رأسه: "أنا مستعد للمخاطرة. وماذا يقتضي علي فعله؟" أرشده: "امضِ للجلوس في مركز مخطط الطقوس. قبيل الشروع، يجب إعداد الترتيبات. بإلقاء تعاويذ عدة عليك. إحداها توثق روحك بجسدك، من دون سحبك للداخل إلا بإرادتك. والأخرى تصنع نوعاً من الدماغ السحرية لتفكر روحك بها، متيحة لك الحفاظ على وعيك كروح بلا جسد. وإن شابت أي منها شائبة، فستموت حتماً..." وطوال الدقائق الخمس عشرة التالية، واصل آلانيك شرح آليات الطقوس لزوريان، بل وامتحنه مراراً لضمان تركيزه. وبدا الأمر مجهداً بعض الشيء، لكنه افترض جدوى فرط الحذر تجاه أمر فائق الخطورة كهذا. شعر آلانيك بقدرته على التعامل مع الطقوس، لكنه شدد على انعدام اليقين حيال أمور مماثلة. فإجراء كذا قط لم يكن آمناً قط. بيد أن أمراً واحداً بدا مثيراً للاهتمام. فلم يستطع زوريان غض الطرف عن مدى اعتماد الإعداد الجلي على امتلاك قائد الطقس لرؤية الأرواح وقدرته على إلقاء سحر الأرواح على المتدرب. ولم يكن هذا ما يقيمه خبير في حماية الأرواح — بل كان نكرومانتسيا صرفة. مؤشر إضافي لاحتمال امتلاك آلانيك لبعض الماضي المظلم... أردف آلانيك: "آه، وأمر أخير قبيل البدء. كما قد تعلم، أجساد الكائنات الحية لم تُصمم للعمل بلا روح. وغياب روحك عن جسدك يحدث به أهوالاً. فالضرر الناجم عن جموح قوة الحياة للشخص في أرجاء جسده خبيث وعسير التعافي منه. ودمر كثر صحتهم دائماً عبر إساءة استخدام أسلوب صقل الوعي الروحي هذا. وبسبب إعادة حلقة الوقت لجسدك، يفترض حصانتك ضد هذا الضرر طويل الأمد. ومع ذلك، لن يقي هذا شيئاً من التداعيات الفورية لفصل روحك عن الجسد لفترة. وحتى إن جرى كل شيء بانضباط تام، فستستيقظ معتلاً بشدة وتتألم بعنف". أومأ زوريان: "أتفهم". تابع آلانيك: "أخبرتك هذا لئلا تفزع وتؤذي نفسك. والأفضل ألا تحاول الكلام أو الحركة فور الاستيقاظ. بل احتمل الألم والعلة برهة وانتظر استعادة جسدك لتوازنه". أومأ زوريان، مرتعباً سلفاً من التجربة. "أجاهز؟" كلا. "نعم"، قال، بنبرة أشد يقيناً مما شعره حقيقة. انعدم التحذير. وبحركة مباغتة، طبق آلانيك يده على قمة رأس زوريان وجذبها. لم يعهد زوريان ألماً كهذا سوى مرة واحدة، حين حاول كواتاش-إيشل دمج روحه بذاك الزاك. حاول الصراخ ليفاجأ بانعدام تحكمه بجسده البتة. واستحال بصره مظلماً عند الأطراف، وأحس بخدر جمود بجسده، واختفت كافة أصوات الغرفة تدريجياً. وانكمش وعيه سريعاً لنقطة واحدة، حتى لم يبقَ شيء. - فاصل - ثم وُجد شيء ما. تضرّمت روحه في وعيه، ساطعة وجلية على نحو غير مسبوق. ذعر في البداية، مصارعاً فهم ما ألمّ به ومخترقاً بوهن لا إرادي طلباً لأي مرتكز بأطراف منعدمة بلا طائل. وبعد ههية، تذكر ما يدور وراءه وما نصت عليه توجيهات آلانيك — فأول أمر استوجب فعله هو إيجاد الرابط الموثق لروحه بجسده. ويجب ألا يغيبه عن بصره أبداً، خشية المكوث هكذا طويلاً من دون دراية. كان وحيداً — وحدة استصعَب وصفها بالكلمات. استطاع استشعار روحه، لكن كل ما جاوز الحد الخارجي لروحك كان فراغاً خالياً وصامتاً وبلا ملامح. وبدا مرعباً كلياً، واجتاحه حنث عارم للعودة لجسده فوراً. لكنه لم يفعل. تدريجياً، هدأ وشرع في العمل. جهل مدة بقائه كروح واعية، متتبعاً بنية روحه وطريقة تفاعلها مع العلامة المنسوجة فيها. وعسر تلمس انقضاء الزمن بهيئته الحالية. ولم يعنِ الأمر الكثير إن كانت لحظات فقط، لأن تلك الزيارة وحدها أمدته بالكثير من الأمور... فكل شيء بدا أسطع وأكثر جلاء بهيئته، وبات بمقدوره رؤية- الرابط! إنه يوهن! وبعد تخبط مذعور لههية، بادر زوريان بتفعيل الرابط ليهرع هو وروحه نحو الالتئام بجسده. - فاصل - عقب خوض تدريب الوعي الروحي الجديد لآلانيك بضع مرات، استطاع زوريان الجزم بيقين بأن العودة للحياة أسوأ من الموت. فاستلال آلانيك لروحه من جسده أوجع بشدة، لكن لوقت يسير. أمّا الألم والشعور المعتل للعودة للحياة فامتدا لساعات، متلاشيين ببطء شديد. مع ذلك، وجب منح آلانيك حقه — فقد كان فعالاً. فعالاً للغاية. وعقب الحصة الرابعة، نجح زوريان أخيراً في تحديد جزء العلامة المسؤول عن رصد المفاتيح. وتبين أن سبب صعوبة حل لغزها هو عدم عملها عبر مسافات غير محدودة — بل ترصد العلامة متى كانت قريبة نسبياً. وعنى هذا، لأسف، عجزهم عن مجرد تتبع المسار المرسوم بعلامتهم لتعقبها. بيد أنهم سيدركون الآن على الأقل اقترابهم من أحدها. لم تكن أي من المفاتيح تحوم حول سيوريا. تفحص الأمر للقطع فقط، إذ سيشعر بحماقة بالغة إن اتضح وجود مفتاح تحت أنفه وعجز عن تحريه. وبصرف النظر عما سبق، حدد أيضاً وظيفة علامة تكشف له يقيناً ما تبقى لديهم من دورات إعادة حتى الانهيار. وعلموا بالأمر سلفاً، بفضل الحارس، لكن حبذا توافر وسيلة للتحقق من تلك المعلومة متى شاء. وفي أخبار أخرى، غار زاك نوعاً ما من تنامي الوعي الروحي لزوريان وما يقابله من تحكم بالعلامة. وعكف باجتهاد مضاعف على تدريبه الأساسي من دون إحباطه عن اقتفاء أثر زوريان فور إعلان آلانيك جاهزيته، بالرغم من وصف زوريان المفصل لمدى بشاعة الإجراء. وأحجم زوريان عن الإشارة إلى استهلال زاك لتدريبه الأساسي في الوعي الروحي حديثاً، وأن الأمر يتطلب دورات إعادة متعددة لبلوغ المستوى المنشود لآلانيك. وعلى أية حال، اقتربت الإعادة من نهايتها، فاستوجب إعداد التعديلات. وأحضر له كاييل دفاتره البحثية مجدداً لتمريرها للإعادة المقبلة، وحدّث زوريان ملاحظاته الخاصة كذلك، إضافة لنتائج نظام تدريب كيريلي وتايِفن للإعادة. وهذه المرة، انضمت إضافات جديدة لمجموعته — إذ أحضر له كل من زفيم وآلانيك دفاترهما الخاصة لتمريرها للإعادة التالية. حسناً، أتى زفيم بأكثر من واحدة في الواقع... أخبره زفيم: "يجب الاعتراف بتفوقك علي ببراعتك في هذا الصدد. وما فكرت قط في جلب دفاتر كاملة بتخزينها في عقلي. وأثق بعدم وجود غضاضة في منحي نفس الصفقة التي منحتها لصديقك، أليس كذلك؟" أجاب زوريان: "لا بأس". وبما أنه لم يعد يحمل حزمة ذكريات الرئيسة، فملك مساحة فارغة وفيرة لدفاتر إضافية. ونظر إلى آلانيك الواقف بجوار معلمه. "وما شأنك؟ أمتأكد من رغبتك في نقل هذه الدفيرة الصغيرة فحسب؟" هز آلانيك رأسه: "هذا كل ما أحتاجه. فعلى عكس زفيم وكاييل، لا أنوي استغلال حلقة الوقت لإجراء نوع من الأبحاث. بل أحتاج الحقائق والأسماء حصراً، لأهدر وقتاً أقل منك المرة المقبلة التي تخبرني فيها عن حلقة الوقت". تأمل زوريان: "أظن أنه لا يجب منحك إياها إن لم ننوِ إخبارك بشأن حلقة الوقت في تلك الإعادة إذن". أقر آلانيك: "بداهة. ولكن إن أردت خوض ذات التدريب الذي أتمبته للتو، فيتعين إخباري بالأمر وإلا فلن أوافق عليه قط". أجاب زوريان: "خمنت هذا سلفاً. حسن، إن كان هذا كل شيء، فهذا أوانه. وأرجح أنها المرة الأخيرة التي نتحدث فيها قبل إعادة تعيين الزمن". تبادل زفيم وآلانيك نظرة قلقة. قال آلانيك: "في الواقع، ثمة أمر آخر. نخطط أنا وزفيم لقيادة فرقة قتالية إلى الحفرة أثناء الغزو لتعطيل ما يُسمى «الاستدعاء»". أجاب زوريان بحيرة من غاية الأمر: "حسن، لن أمنعكم". رمقه آلانيك بنظرة توحي بحماقته: "أعلم. وأريدك مرافقتنا. وإن تمكنا من شق طريقنا نحو موقع الطقوس، فسنتعرف على السحرة المسؤولين عن الاستدعاء ويمكنك استجوابهم في دورات الإعادة المقبلة. وثمة احتمال كبير لوجود قادة طائفة تنين العالم المحليين هناك أيضاً. ومجمل القول، تلكم معلومة تهمك يقيناً". أكد زوريان: "أنا مهتم. ونعم، ما تقوله منطقي. أرجح أنني لم أفكر تبعات ما تخططون له. وربما اعتدت الإخفاق ضد الغزاة عند قتالهم مباشرة لدرجة استبعادي اللافوري لاحتمال نجاحكم. وتعلمون حتمية قتال كواتاش-إيشل لبلوغ موقع الطقوس، أليس كذلك؟" رد زفيم: "نعلم. قد يكون عجوزاً وجباراً، لكنه يظل ساحراً واحداً". عقب زوريان: "حسن، ساحر واحد يقود جيشاً كاملاً من المسوخ والتباع. ولكن حسسن، سنمنحه فرصة". أردف آلانيك: "جيد. أتظن أن زاك سيأتي أيضاً؟" رد زوريان: "أتمزح؟ لن يسامحنا أبداً لو استبعدناه من معركة جيدة كهذه. أخبرني بمكان اللقاء وسنكون هناك". - فاصل - حين أخبره آلانيك بإتيانه وزفيم على رأس فرقة قتالية، افترض زوريان قصدهم لنحو عشرين ساحراً كقوة قتالية أساسية ومثلهم مرتين من رماة البنادق للدعم. وعوضاً عن ذلك، حين أتى وزاك إلى نقطة اللقاء، ألفيا ما يقارب مائة رجل، جميعهم سحرة. وبعضهم حمل بنادق فعلاً، لكن آلانيك أوضح أنهم سحرة يحملون نيراناً لا جنوداً عاديين. وبدا جلياً أخذ زفيم وآلانيك لتحذيراتهم بشأن الغزاة وكواتاش-إيشل مأخذ الجد، وهو مؤشر طيب. وعلى أية حال، آثر آلانيك (القائد العام للفرقة، مع رضاء زفيم باتباع خطاه) عدم استنزاف طاقاتهم بالقتال عبر المدينة لبلوغ الحفرة. وعوضاً عن ذلك، توارت الفرقة بأسرها قرب وجهتها مرتقبة بدء الغزو. أوضح آلانيك حين سأله أحد السحرة عن سبب عدم مهاجمة المستدعين فوراً: "غاية العملية هي الإمساك بقادة الهجوم متلبسين. ويجب ترقب بدء الهجوم واحتدام الأمر، وإلا فقد يقررون عدم المكوث قرب موقع الطقوس". وبدا جلياً تخاطب زفيم وآلانيك مع مدافعي المدينة وإجرائهما للإعدادات، فما إن اندلع القتال حتى تحول لشرس حколо الحفرة فوراً. وركز المدافعون ج جل جهودهم على قتال الغزاة هناك، وتفاعل الغزاة بتركيز قواتهم حول الحفرة بصورة أكبر. أعلن آلانيك مراقباً المجزرة ببرود: "سننتظر تخفيف مدافعي المدينة لوحشة الغزاة قليلاً قبل التحرك". وراقب زوريان الأمر كذلك، ماسحاً الحشد بحثاً عن أي أثر لكواتاش-إيشل. واعتاد الليتش العجوز الانتقال الآني مراراً عند القتال الجدي، ما جعل تعقبه شاقاً، حتى من هذه المسافة. أقر زوريان لزاك بهدوء: "كلما غاب عن بصري، توقعت ظهوره المفاجئ خلفي وقذفي في ظهري". أجابه زاك بهدوء ممثل: "أجل، أعد شعورك. قاتلت ليشتات آخرين وانتصرت، لكني عجزت عن قهر هذا اللعين قط. وله عادة افتعال أمور كهذه حين تتوقعها أقل". وعفوياً، شرع زوريان في فعل ما اعتاد مؤخراً لتهدئة روعه — تفحص آلية رصد المفاتيح في علامته. ولم يتلق ردا صالحاً قط، بالطبع، بيد أنه ذكره بنجاحه في أمر ما مؤخراً، وساعد ذلك مزاجه عادة. إلا أنه أحس بشيء ما الآن بالفعل. ومتحمساً، ركز على رسالة العلامة و- هتف زوريان متصلباً فجأة: "تباً". سأله زاك بقلق: "ماذا؟" أجاب زوريان بمرارة مشيراً لنقطة إلى يسارهم: "وجدت كواتاش-إيشل". وقف الليتش بجوار مبنى، مراقباً بلا حراك جلاء المعركة من دون تكلف بالتدخل. لاحظه زاك سريعاً بعد معرفة مكان النظر: "أهـ. وما اللعين يفعله واقفاً على الهامش هكذا؟" رد زوريان: "لا أعلم. ولا أهتم حقاً في الوقت الحالي بصراحة. لقد وجدت أحد المفاتيح". "أه؟" قال زاك، متصاعد المزاج. سأل زوريان: "أتعلم ذلك التاج الذي يرتديه كواتاش-إيشل دائماً؟" حدق فيه زاك ببلاهة لههية قبل أن يلتوي وجهه تكشيرة. تذمر زاك: "أرجو ألا تمزح". لكن زوريان لم يمزح للأسف. فبحسب علامته، ارتدى كواتاش-إيشل تاج الأباطرة الإيكوسيين، أحد المفاتيح الخمسة اللازم تجميعها لمغادرة حلقة الوقت. تنهد زوريان: "تزداد عملية الإعادة هذه تحسناً تلو الأخرى".
أم التعلّم الفصل 59 — خطوة واحدة إلى الأمام
اقرأ أم التعلّم الفصل 59 — خطوة واحدة إلى الأمام باللغة العربية على مانجا تايم.