الفصل 57: غير مرغوب فيه حدق زوريان مطولاً في ورقتين أمام عينه. متفحصاً كل سطر فيهما بتركيز ودقة لمقارنة نقاط التشابه والاختلاف بين الوثيقتين. جلس زاك بجانبه. يراقب عمله بعبوس متجهم ودون أن ينبس بكلمة. رغم الصمت المطبق والجو الجاد. كانت الورقتان مجرد قائمتين بسيطتين للأسماء. زملاء دراسة، أساتذة، موظفون رسميون. دون كل منهما أي شخص يرى أنه يستحق الذكر مهما كان بعيد الأهمية على ورقته الخاصة ودون أي تشاور بينهما. أمل زوريان في أن تكشف مقارنة القائمتين عن ثغرات واضحة أخرى في ذاكرة زاك. أو في ذاكرته هو أيضاً إن صح القول. فمن المستبعد تماماً أن يتجاهل زوريان احتمال تعرض عقده هو الآخر للتلاعب. سأله زاك: "أكل هذا ضروري حقاً؟ ربما نسيت الرجل فحسب؟" رفع زوريان بصره عن الورقتين ورمق زاك بنظرة مشككة. احتج زاك: "مهلاً، أنا أقول ما يخطر ببالي فحسب! أعني، لقد أمضيت وقتاً طويلاً عالقاً في حلقة الوقت هذه، وقد طُرد هو قبل أن تبدأ الحلقة برمتها. كان يتوجب علي البحث عنه خصيصاً، وأي سبب يدفعني لفعل ذلك؟ يبدو أننا لم نكن نطيق بعضنا حتى، إن فهمتك جيداً." سخر زوريان: "أرجوك." لم يكن لدى زوريان أدنى شك في أن عجز زاك العجيب عن تذكر أي شيء يخص فايرس بورانوفا كان أمراً مصطنعاً. "أتفهم تماماً أن تمحو ذلك الأحمق تماماً من عقلك. بحق الجحيم، لقد فعلت المثل بنفسي تقريباً. لكن أن تنسى تماماً أنه وُجد من الأصل وكل ما يتعلق به؟" لكن هذا تحديداً ما حدث إن كان لزاماً عليه تصديق زاك. لم يستنتج زوريان سوى أن أحدهم قد مسح ذاكرة زاك تماماً من كل ما يمت بصلة لوريث آل بورانوفا. لم يكن متأكداً تماماً من سبب رفض زاك الاستسلام لهذه النتيجة رغم شكوكة الخاصة... عاد زوريان إلى مهمته في مطابقة الأسماء لبعض الوقت قبل أن يتعثر صدفة في اسم على قائمة زاك لم يكن مألوفاً له. لم يكن ذلك مفاجئاً للغاية فقائمة زاك كانت أطول بكثير من قائمة زوريان نظراً لأن الفتى الآخر كان أكثر اجتماعية منه بكثير. فسأله قائلاً: "من يكون هذا المدعو إيلينيم كام؟" أجاب زاك: "كان طالباً في إحدى المجموعات الأخرى خلال سنتينا الأوليين في الأكاديمية. اعتدنا قضاء بعض الوقت معاً. لم تكن ودوداً للغاية في ذلك الوقت، وربما هذا سبب عدم تذكرك له. لا أظن أنك خالطت المجموعات الأخرى قط، أليس كذلك؟" اعترف زوريان: "لا. كنت مشغولاً للغاية في ذلك الوقت بالك بالكاد أتفاعل مع زملائي في الصف، فما بالك بمن لا أملك سبباً لمخاطبتهم. مع ذلك، ألقيت نظرة سريعة على المجموعات الأخرى حين كنت أتقصى أحوال زملائنا بحثاً عن مرشحين محتملين للرداء الأحمر. لا أذكر أنني رأيت أي إيلينيم كام قط." أشار زاك: "حسناً، لقد قلت إنه كان طالباً. لقد رسب في امتحان التأهيل وترك الأكاديمية." حسناً، هذا يفسر الأمر برمته. لقد تجاهل تماماً أولئك الذين أخفقوا في التقدم إلى السنة الثالثة معتقداً أنهم لا فائدة ترجى منهم. هكذا فاته أمر فايرس أيضاً في الواقع. لاحظ زوريان: "سيتعين علينا صنع قائمة بأمثال هؤلاء لنرى إن كانت تخبئ لنا مفاجآت أخرى." وبإلقائه نظرة خاطفة على الأسماء أسفل إيلينيم لاحظ عدداً لا بأس به من الأسماء ينتمي لمجموعات طلابية أخرى. "مع ذلك، لا أستطيع إلا أن ألاحظ أنك تعرف عدداً لا بأس به من الطلاب خارج صفنا..." قاطعه زاك: "أعرف إلى أين ترمي. ستشير إلى كيف يمكنني سرد نصف زملائنا في الدفعة حسب الطلب بينما أعجز عن تذكر شاب كان في صفنا." حثه زوريان: "وماذا بعد؟ ما ردك على ذلك؟" قال زاك بنبرة مستسلمة: "أنت محق. هناك أمر غير طبيعي البتة في نسياني لهذا المدعو فايرس بهذه الطريقة. أسعدت الآن؟" أومأ زوريان: "نعم. أخبرني الآن من تكون هذه الفتاة أنيكسا برافوسكي..." على مدار الساعة والنصف التاليتين، مر الاثنان ببطء على قائمتي الأسماء بحثاً عن أي غرائب. النبأ السار هو أن زاك لم يمتلك أي ثغرات صارخة أخرى في ذكرياته حسبما استطاع زوريان تبينه. بدا فايرس وحده صفحة بيضاء بالكامل. سأل زاك بحذر: "إذن... أترجيح أن يكون فايرس هو صاحب الرداء الأحمر؟" قال زوريان وهو يخلع نظارته ليتفحصها بحثاً عن أي أوساخ: "هذا هو السؤال أليس كذلك؟" كانت تلك في الغالب وسيلة لإهاعة بعض الوقت ريثما يفكر فيما سيقوله. قال زاك ببطء شديد وكأنما يخاطب أبله: "نعم هو كذلك. فلم لا تحاول الإجابة عنه إذن؟" يا للضجر. كم هو عجول. أجاب زوريان: "هذا محتمل. لكني لا أعرف. يشغل بالي بعض الأمور حيال هذا." سأل زاك بفضول: "مثل ماذا؟" قال زوريان: "مثل حقيقة أن فايرس فيما يبدو قد محا نفسه وحده من ذاكرتك. هذا بالغ... السذاجة. كنت أتوقع المزيد من صاحب الرداء الأحمر. أعني، لو كنت مكانك لكنت محوت ذكرياتك عن أربعة أو خمسة طلاب عشوائيين آخرين لطمس الأثر قليلاً." رمقه زاك بنظرة خالية من المرح. فقال: "تعلم يا زوريان، أتساءل أحياناً عما إذا كنت أنت صاحب الرداء الأحمر حقاً." أشار زوريان دون أن يكترث البتة لكلمات زاك: "لقد رأيتنا كلينا في الغرفة نفسها مع ذلك." قال زاك وهو يعقد يديه فوق صدره: "أعرف مسبقاً أن صاحب الرداء الأحمر يستطيع صنع نسخ وهمية، لذا فهذا لا يثبت شيئاً." سجل زوريان ملاحظة ذهنية بأن يطلب من زاك تعليمه كيفية إلقاء تعويذة النسخ الوهمي، نظراً لاستبعاد ألا يكون زاك قد تعلم التعويذة طوال العقود التي قضاها في حلقة الوقت، ورغبة زوريان الملحة في تعلمها. غير أنهما واجها مسائل ملحة أكثر في هذه اللحظة، فتنحى بالفكرة جانباً على مضض في الوقت الحالي. أعاد زوريان الحوار نحو موضوع فايرس قائلاً: "الأمر الثاني الذي يقلقني هو صعوبة تصديق أن شخصاً مثل فايرس قد يكون صاحب الرداء الأحمر المتحفظ والصبور نسبياً. أعني، لقد فقد أعصابه في جلسة تأديبية لرحمة الملوك! إنه أكثر اندفاعاً منك حتى!" احتج زاك: "مهلاً..." اعترف زوريان: "ثم مرة أخرى، لا يشبه أي منا الشخص الذي اعتاد أن يكونه قبل حلقة الوقت، أليس كذلك؟" هز زاك رأسه رافضاً: "هناك الكثير من أوجه التشابه. لكني أعتقد حقاً أن كونه قصير الحلة قبل حلقة الوقت لا يثبت شيئاً. لقد كنت بغيضاً بعض الشيء في التعامل قبل حلقة الوقت أيضاً، وانظر إليك الآن..." ربما كان هذا جزاء تعليق زوريان المبكر حول اندفاع زاك. افترض أنه يستحق ذلك بطريقة ما... أشار زوريان: "كانت لي أسباب لتصرفاتي على تلك النحوة." سأل زاك: "ومن قال إن فايرس لم تكن لديه أسباب؟ أثق تماماً أنه وجد تصرفه مبرراً تماماً أيضاً." أقر زوريان بأن هذا صحيح. بل لعل طبيعة حلقة الوقت أزالت معظم مشكلات فايرس وسمحت له بالهدوء تماماً مثلما فعلت مع زوريان نفسه. قال زوريان بعد صمت قصير: "أظن أنك محق." هز رأسه ليصفّي أفكاره قليلاً. "أعتقد في النهاية أنه لا يهم حقاً إن كان فايرس هو صاحب الرداء الأحمر أم لا. حقيقة عدم امتلاكك أي ذكرى عنه تعني أنه شخص لم يرغب صاحب الرداء الأحمر في أن تتفاعل معه، مما يجعله مهم تلقائياً. يتوجب علينا التحقق من أمره." أومأ زوريان: "أوه، لا جدال في ذلك. رغم أن هذا يجعلني أتساءل... إن كان فايرس هو صاحب الرداء الأحمر حقاً، فما الذي سنجده عندما نتعقبه؟" قال زوريان: "بناءً على الطريقة التي استخدمها صاحب الرداء الأحمر لمغادرة حلقة الوقت، نتوقع إما أن يكون نظيره في هذا العالم جثة خالية من الروح مثل العناكب أو شخصاً غافلاً لا يختلف عن بقية المحيطين بنا." سأل زاك بحيرة: "لمَ جثة خالية من الروح؟" شرح زوريان: "حسناً، كنت أفكر في الطرق التي استطاع بها صاحب الرداء الأحمر خداع الحارس ليسمح له بمغادرة واقع حلقة الوقت، وأدركت أنه ربما طلب ببساطة دفع روحه إلى جسده في العالم الحقيقي. قد يكون الأمر يسيراً للغاية بالنسبة لمارس مثله كي يطرد روحه القديمة من الجسد ويمضي كالمعتاد من هناك." سأل زاك: "أووافقه الحارس على فعل ذلك؟ أيمكنه فعل ذلك أصلاً؟ لقد زعم أنه سيتعين عليه مبدل الأرواح إن كان الجسد في العالم الحقيقي يمتلك واحدة بالفعل." تأفف زوريان: "لا يمكنني منحك إجابة عن أي من ذلك بالطبع. لست على دراية كافية بالسحر الأسود ولا بقدرات الحارس لأجزم بمدى إمكانية ذلك. إنها مجرد فكرة كنت أنظر فيها فحسب." ظلا يطرحان شتى الاحتمالات أحدهما على الآخر لبعض الوقت. كانت مجرد تكهنات جامحة لذا أقلعا عن النقاش بوصفه عديماً للجدوى عما قريب. سيتعين عليهما انتظار العثور على فايرس قبل التمكن من التفكير في المسألة بالشكل الملائم. حل صمت قصير بينهما غرق كل منهما في أفكاره الخاصة. سأل زوريان بعد برهة: "أمتأكد من أنك لا تريد مني إلقاء نظرة على عقلك؟" سأل زاك بعدم استيعاب وقد أُخرج من تأملاته بسؤال زوريان: "ماذا؟" وما هي إلا ثانية حين استوعب السؤال أخيراً حتى تشوه وجهه في عبوس منزعج. "لا. قطعا لا. أنا آسف، لكني تعرضت لخلط دماغي مسبقاً من ساحر عقول ولست راغباً في أن أكون تحت رحمة آخر. علاوة على ذلك، ما الجدوى؟ قد لا أكون خبيراً في سحر العقول مثلك، لكني أعلم علم اليقين استحالة استعادة الذكريات الممحاة سحرياً. سأدعك تعبث بفكري عبثاً." أقر زوريان بيسر: "حسناً، صحيح أن الذاكرة المحوّلة بالشكل السليم لا يمكن استعادتها. لكن لماذا نفترض أن صاحب الرداء الأحمر نفذ عملية مسح العقل بإتقان تام؟ لقد رأيت سحر عقله قيد العمل في إحدى المرات حين حاول استخدامه ضدي ولم يكن بارعاً فيه البتة. هناك احتمال كبير بأنه أغفل شيئاً ما." أخبره زاك: "تملك نظرة مشوهة للغاية عما يُعد بارعاً حين يتعلق الأمر بسحر العقول. ليس صاحب الرداء الأحمر هو السيئ، بل أنت من تجيد استخدامه بشكل مرعب. والجواب يبقى لا." سأل زوريان: "وماذا لو أخبرتك أنك لا تزال تحت تأثير السحر؟" رمقه زاك بنظرة مندهشة. وسأله بنبرة مرتفعة: "ما الذي تعنيه بحق الجحيم؟!" قال زوريان متنهداً: "من الصعب تصديق أنك لم تصادف قط أحداً يأتي على ذكر فايرس في إحدى عمليات إعادة البداية السابقة. إنه ليس مذكوراً بكثرة، لكن الناس يتحدثون عنه في مناسبات عدة. في مرحلة ما عبر العقود الماضية، كان يتوجب عليك حقاً ملاحظة وجود شاب يعرفه الجميع في صفنا بينما لا تحمل أنت أي ذكريات عنه." حاول زاك: "حسناً... لقد كنت قليل الحضور في الصف بعد مرحلة ما..." أخبره زوريان بفظاظة: "زاك، لقد كنت مراوغاً بشكل غريب حيال فايرس طوال هذا الوقت. بحق الجحيم، قبل قليل فقط طرحت مجدداً فكرة أنك ربما نسيت الرجل فحسب. وكأن الأمر لم يكن واضحاً بجلاء منذ ذلك الحين بأن الرجل قد حُذف عمداً من ذكرياتك. كنت أتوقع أن تشعر بالحماس لاكتشاف شيء بهذه الأهمية، لكنك بدوت حريصاً جداً على صرف الأمر برمته عوضاً عن ذلك." تذمر زاك: "يا زوريان، أنت تعقد الأمور مرة أخرى. تحدث بوضوح أرجوك." قال زوريان: "حسناً. أنت تخضع على الأرجح لنوع من الإكراه يمنعك من التركيز على موضوع فايرس. وربما نسيانه بعد فترة إن أُشير إليه أمامك قسراً يوماً ما. سيتعين علينا معرفة إن كنت ما زلت تتذكر هذه المحادثة غداً." حذره زاك: "لا تمزح حتى بشأن هذا الجزء الأخير يا زوريان." هتف زوريان ممزحاً: "هذا ما كنت لأفعله لو كنت مكان صاحب الرداء الأحمر. لكن لدي إحساس بأنك لست بحاجة للقلق حيال ذلك. إن لم يكلف صاحب الرداء الأحمر نفسه عناء إخفاء عملية مسح الذاكرة بشكل أفضل، فالرجح أنه لم يكلف نفسه عناء شيء معقد نسبياً كهذا. فإكراه صرف الموضوع بحد ذاته قد يكون كافياً على أي حال. أعني، لولا إصراري الشديد وإلحاحي بشأن ثغرة ذاكرتك فيما يخص فايرس، لكنت صرفت النظر عنها على الأرجح ومحوتها من عقلك في النهاية." أطلق زاك همسة بصوت خافت لم يبنها زوريان تماماً لكنه كان واثقاً تماماً من أنها شتائم وسباب موجهة لصاحب الرداء الأحمر. أمر ما يتعلق بأصله الكلبي وولعه باعضاء الذكور. بصرف النظر عن ذلك، أمضى زاك الدقائق القليلة التالية يروح ويجيء في المكان وهو يغمغم مع نفسه. بدا غير مستقر وخطير إن كان زوريان صادقاً تماماً. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يفعل فيها زاك شيئاً كهذا أيضاً. خطر لبال زوريان أن كل تلك العقود التي قضاها زاك في حلقة الوقت مع قدرة محدودة على التفاعل مع الآخرين لا بد أن تكون أقسى على زميله المسافر عبر الزمن مما افترض. فكم سيكون الوضع أسوأ إذن لو أن حلقة الوقت عملت كما كان مقدراً وبقي في الداخل لمئات السنين أو أياً كانت المددة المفترض استمرارها؟ لعل ثعبان الأشباح كان على حق في أمر ما... أخيراً، توقف زاك عن التجوال ومرر يده في شعره بحنق واستدار نحو زوريان. فقال: "لا أصدق أنني أفعل هذا. حقاً لا أصدق، لكن لا يبدو أن لدي خياراً. زوريان؟" سأل زوريان بفضول: "نعم؟" أكان زاك سيسمح له أخيرساً بإلقاء نظرة على عقله؟ غالباً، فلم يستطع تخيل أي شيء آخر- رسم زاك تعابير حامضة على وجهه وقال: "أريد منك أن تأخذني إلى كسفيم مجدداً. سأحتاج إلى دروس سحر العقول تلك بعد كل شيء." رمش زوريان بدهشة: "أوه." لم يتوقع ذلك البتة. "نهيك. بالتأكيد." لم يكن متأكدأً أينبغي له أن يشعر بالتسلية أم الانزعاج إزاء هذه النتيجة. لم تكن هذه غايته حين طرح الموضوع، لكنها ستحقق له بالتأكيد الكثير من التسلية في الأيام القادمة. - فاصل - تبين أن الأيام الثلاثة التالية كانت محبطة بعض الشيء. على الجانب المشرق، لم ينس زاك أمر فايرس بعد فترة، لذا فإن أي إكراه قد يخضع له لم يمتد إلى هذا الحد. لسوء الحظ، انتهت الأخبار السارّة عند هذا الحد. لم يُسفر بحثهما عن فايرس عن أي نتيجة. عرفا اسم الشاب ومظهره ومكان منزله، لكنهما عجزا عن العثور عليه. في النهاية غطى زاك وزوريان المدينة بأسرها بتعويذات الكشف، وما زالا عاجزين عن تعقبه. فإما أن فايرس كان تحت تأثير ح Ep ضد الكشف أو أنه لم يكن في أي مكان قرب مدينة سيوريا. ومما زاد الطين بلة، لم يبدُ أن أحداً يعرف شيئاً عن الرجل، ولا حتى السلطات المختلفة. علم زوريان من استجواب مسؤولي الأكاديمية (وقراءة عقولهم حين رفضوا إجابته) أن فايرس لم يتفاعل مع الأكاديمية قط بعد طرده، رغم أنه كان مفترضاً حضوره لتوقيع بعض الوثائق لإتمام الأمور. أرسلت الأكاديمية رسالة إلى منزل فايرس للشكوى من ذلك، لكنها لم تتلق أي رد إطلاقاً. أما الشرطة فلم تتلق أي بلاغ يفيد بموت الشاب أو اختفائه، رغم عدم رؤية فايرس منذ أسابيع. حتا إنهما حاولا التواصل مع عائلة بورانوفا النبيلة مباشرة لمعرفة ما إذا كان بإمكانهما ترتيب لقاء. للأسف، طردهم ممثلوهم. ليس بهذه الكلمات تماماً بالطبع، فقد كانوا مهذبين للغاية في الواقع، لكنهم أوضحوا مع ذلك تماماً عدم رغبتهم في التحدث إليهما. جملة القول، تبين أن التحقيق في أمر فايرس أشد صعوبة بكثير مما ظن زوريان في البداية. في هذه المرحلة من الزمن، مع ذلك، لم يجد زوريان ذلك مفاجئاً ولا مخيباً للآمال بشكل خاص. فمتى كان أي شيء في حلقة الوقت هذه بسيطاً؟ رغم أن الأمر كان بعيد المنال، قرر زوريان سؤال زملائهم عن فايرس لمعرفة ما إذا كانوا يعرفون شيئاً. على الأقل، لابد أن بنيسيك قد سمع بعض الإشاعات عن وريث بورانوفا المشين، بغض النظر عن مدى صحة أي منها. قالته له أكوجا بينما كان يقترب من الصف: "أنت في الموعد هذه المرة على ما أرى." سجلت وصوله في ورقة الحضور التي كانت تحملها بيدها. "علامة إيجابية. ما المناسبة؟" فكر زوريان في الإشارة إلى أنه كان مبكراً جداً في الواقع، لكنه قرر عدم فعل ذلك. لتفعل ما تشاء هذه المرة. فقال: "أردت التحدث إليك في الواقع." قالت متسائلة بعينين واسعتين: "أنا؟! عه، أعني، بالطبع... فيما كنت ترغب في التحدث؟" قال زوريان: "فايرس بورانوفا." سألت باشمئزاز: "هو؟" شعر بنفحة خيبة أمل تصدر عنها. "أنت حقاً تعرف كيف تختار المواضيع يا زوريان." قال بندم حقيقي طفيف: "عذراً." ربما منحها أملاً كاذباً بأنه سيدعوها للخروج أو ما شابه إن كانت المشاعر التي تلقاها منها مؤشراً على شيء. لم يكن ذلك مقصوده. "ظننت فقط أنك قد تعلمين شيئاً عنه، بما أنك ممثلة الصف وما شابه." أجابت: "لأكون صادقة، بذلت قصارى جهدي لمحه من عقلي. لا أستطيع إخبازك بمدى سعادتي حين سمعت بخبر طرده." سأل زوريان: "حسناً، بخصوص هذا... أتعلين ما فعله تحديداً في تلك الجلسة ليُطرد؟" هزت أكوجا رأسها ناغية: "لا. لا أحد يعلم. سمعت ناساً يقولون إنه هاجم أحد القضاة، لكن ذلك هراء على الأرجح. هذا مبالغ فيه قليلاً، حتى بالنسبة لفايرس." ومع عدم إعجاب زوريان بالرجل، كان عليه الاعتراف بوجود حقيقة في ذلك. اعتاد فايرس إبداء بعض الضبط حول المعلمين وغيرهم ممن امتلكوا سلطة عليه، لذا فمن المرجح أنه لم يرتفع شيئاً غبياً كمهاجمة قاضٍ يبت في مصيره. لكنه لم يستبعد ذلك عنه تماماً أيضاً. سأل زوريان: "إذن لم تري قط مؤخراً؟ لم تسمعي شيئاً البتة عما فعله لاحقاً؟" أجابت وهي ترمقه بنظرة مريبة: "لا ولا. لماذا هذا الاهتمام المفاجئ بفايرس؟" قال زوريان: "يريد زاك التحدث إليه بشأن أمر ما لكنه يعجز عن إيجاده. وافقت على المساعدة لذا أسأل الناس عما إذا كانوا يعلمون شيئاً." استشف نفحة انزعاج منها حين ذُكر اسم زاك. لم يستسغ قلبها كونه ودوداً فجأة مع زاك، استطاع تبين ذلك، لكن يحسب لها أنها لم تقل شيئاً حياله. يتعين عليه قريباً سؤالها عن سبب كرهها الشديد للفتى. اقترحت أكوجا: "ربما وضعته عائلته تحت الإقامة الجبرية الخاصة حين طرد؟ كانت فضيحة كبرى بالنسبة لهم، لذا فهم لا يريدونه يتجول علناً لفترة على الأرجح. على الأقل حتى تهدأ الأمور قليلاً. ومع معرفتي بفايرس، فهو على الأرجح لم يستطع تحمل حديث الناس من ورائه وسخريتهم منه. سيفقد أعصابه ويجعل الأمور أسوأ مما هي عليه." أومأ زوريان موافقاً: "ربما." كان محتملاً أيضاً أن يكون فايرس جثة خالية من الروح حالياً وألا ترغب عائلته في تسريب ذلك لأي سبب. كان هو وزاك سيقتحمان قصر بورانوفا في مرحلة ما بالتأكيد إن اخفقا في إيجاد أي أدلة أخرى على مكان فايرس. "سيكون ذلك منطقياً، لكن عائلته لم تبدِ اهتماماً بنوباته من قبل، لذا..." أومأت أكوجا موافقة: "نعم. من المخزي كم سُمح له بالإفلات به. لا أستطيع حتى تخيل ما كان والداي ليفعلاه بي لو حاولت التصرف هكذا. إقصائي من المدرسة؟ لربما أُرسلت إلى أحد أقاربنا في الأرياف كعقاب. أراهن أن فايرس كان سيتعلم ضبط أعصابه بسرعة فائقة لو توجب عليه العمل في مزرعة كلما فعل شيئاً غبياً." يا له من أمر. بدا والدا أكوجا صارمين للغاية على ما يبدو. لا عجب أنها خرجت على هذه النيّة. سألت أكوجا بفضول: "برأيك كيف كان والداك ليليان لو طُردت؟" اعترف زوريان: "أنا... بصراحة لا أعرف. بحق، أعتقد أنني كنت سأكون خائفاً للغاية من المعرفة. فهما لا يحبانني كثيراً، والنجاح الأكاديمي هو الشيء الوحيد الذي أملكه أمامهما حقاً. لو حدث ذلك، لكنت جمعت كل مدخراتي ومقتنياتي المحمولة وغادرت البلاد أو شيئاً من هذا القبيل. لما كلفت نفسي عناء العودة للمنزل حتى." حدقت فيه أكوجا بذهول للحظة عاجزة عن كيفية الرد. فقالت أخيراً بشيء من عدم الارتياح: "آه... أرى..." قال زوريان: "لا تقلقي بشأنه. الأمر برمته نظري للغاية، إذ لا سبيل لطردي مثل فايرس. سؤال أخير. قد يبدو هذا غريباً، لكن أتعرفين ما كان فايرس قادراً عليه؟" لا تزال أكوجا تحدق فيه بتفكير للحظة، ربما لا تزال مركزة على اعترافه السابق. غواه إلقاء نظرة خاطفة وسريعة على أفكارها ليرى ما تقره، لكنه استطاع كبح نفسه. إن بدأ بتفقد الأفكار السطحية للناس بلا سبب، فأين سيقف كل ذلك؟ علاوة على ذلك، كان تفقد أفكار فتاة معجبة به فكرة سيئة على الأرجح ابتداءً. قالت أخيراً: "أفترض أنك تقصد من الناحية السحرية." أومأ زوريان برأسه. "حسناً، بصرف النظر عن سلوكه الشنيع، أعلم أنه كان يؤدي جيداً من الناحية الأكاديمية. أخمّن أن عائلته استأجرت معلماً خاصاً لتعليمه، أو لعلهم تولوا التعليم بأنفسهم. أعلم أيضاً أنه استطاع صنع النار بلا تعاويذ ولا إيماءات، وبسهولة بالغة كذلك، لكن ذلك ربما ليس غير مألوف بالنسبة لآل بورانوفا." أومأ زوريان برأسه. اشتهرت عائلة بورانوفا النبيلة بإتقانها لسحر النار. أشارت العيون البرتقالية المشقوقة التي يشاركها جميع الأعضاء الأساسيين في العائلة إلى أن هذا كان نتيجة لبعض طقوس النسب أو التعزيز، بدلاً من أساليب التدريب السري، لكن لم تكن هناك معلومات متاحة للعامة عن تفاصيل ذلك. اشتهرت العائلات بحرصها الشديد على سرية مثل هذه الأمور. شكر زوريان أكوجا على وقتها وصبرها، وتابع طريقه إلى داخل الصف. لا يزال هناك شخص أو شخصان أراد تجربة حظه معهما. - فاصل - قال زوريان جالساً بجانب الفتى: "مرحباً يا بنيسيك. أتمانع إن سألتك عن أمر ما؟" هتف بنيسيك: "آه! إذن العظيم زوريان يتنازل أخيراً للعودة لصديقه القديم! وهنا ظننت أنك استبدلتني بزاك!" لو لم يكن بنيسيك مبتسماً على وسعه حين قال ذلك، لربما قلق زوريان حقاً من شعور الفتى بالإهانة. وكما كان الحال، شكر حظه فحسب لأن بنيسيك كان شخصاً مسترخياً للغاية لا يأخذ الأمور بشكل شخصي. وساعد أيضاً كونهما لم يكونا صديقين مقربين للغاية بكل صراحة. رغم أن ذلك كان خطأ زوريان أكثر من خطأ بنيسيك. قال له زوريان: "لا تكن درامياً هكذا. يمكنك امتلاك أكثر من صديق واحد، أتعلم؟" أجاب بنيسيك بيسر: "حق، حق. وتبدو أ سعيداً اليوم أكثر من المعتاد. أوجدت حبيبة ربما أيضاً؟" حرك حاجبيه لزوريان بإيحاء مما جعله يقلب عينيه تجاهه. سخر بنيسيك: "حسناً، لا تخبرني. تعلم أنني سأكتشف الأمر بنفسي عما قريب، أليس كذلك؟" تجاهل زوريان السؤال وسأل: "أتعلد شيئاً عن فايرس؟" سأل بنيسيك: "فايرس؟ آه، أظن أنك عرفت للتو سبب غيابه عنا هذا العام. أنسى دائماً أنك تعيش في قلب اللاشيء ولا تتحدث للناس حقاً. على أي حال، نعم، لقد فقد أعصابه في جلسته التأديبية وطُرد. أخمّن أن العائلات النبيلة ذاتها تمتلك رصيداً سياسياً محدوداً لحرقه على أمثاله." سأل زوريان: "أتعلم ما فعله حقاً؟" لم يكن بنيسيك يعلم. لقد عرف شتى أنواع التكهنات حول الأمر، مثل إشعاله النار في إحدى شهادات الشهود المكتوبة أو مضاجعته لابنة مسؤول رفيع المستوى في الأكاديمية وتبجحه بذلك أثناء الجلسة. غير أن جميعها كانت قصصاً من نوع "سمعتها من صديق سمعها من صديق"، ولم يعول زوريان عليها كثيراً. وبشكل غير مفاجئ، لم يمتلك بنيسيك أدنى فكرة عن مكان تواجد فايرس في الوقت الراهن. إلا أن ذلك لا يعني خلو جعبته مما يفيد بخصوص الموضوع. قال بنيسيك: "تعلم، أنت لست الشخص الوحيد الذي يسأل عنه. كنت أسمع أشخاصاً يسألون سرًا عن مكانه لفترة الآن. إنهم يعرضون المال على أي شخص يثبت أنه رآه." أه. سأل زوريان: "أتعلم من يكونون؟" هز بنيسيك كتفيه قائلاً: "لكنت ذكرت ذلك إن عرفت. لكن بالنظر إلى المشتبه بهم الأكثر ترجيحاً... أعتقد أن عائلته هي من استأجرتهم. إن لم تكن هم، فمن المستبعد أن يسمح أحدهم بوضع جائزة أساساً على رأس أحد أفرادهم." اقترح زوريان: "ربما لا يعلمون؟" هز بنيسيك رأسه مجيباً: "لو علمت أنا، فمستحيل أن يفوتهم ذلك. أنا مجرد هاوٍ فضولي. العائلات النبيلة تمتلك جميعاً محترفين حقيقيين على جدول رواتبهم." إذن عائلة فايرس تبحث عنه هي الأخرى؟ أمر مثير للاهتمام. من الغريب عجزهم عن إيجاده – إن امتلكت عائلة بورانوفا النبيلة شبكة استخبارات خاصة بها كما زعم بنيسيك، لكانوا قد تعقبوه الآن. خصوصاً وأنهم أقرباؤه، وبالتالي يفترض أنهم يعرفونه أفضل بكثير مما سيعرفه زوريان قط. شكر بنيسيك على المعلومات ومضى قدماً. - فاصل - قالت تينامي: "لا، لا أعرف ما فعله فايرس ليُطرد. لم يكن مضطراً ليكون شيئاً شنيعاً بشكل خاص مع ذلك. إن أخضعتك الأكاديمية لجلسة تأديبية فعلياً، فهم قد ضاقوا ذرعاً بك تماماً بالفعل. لقد صرخ في وجه القاضي على الأرجح أو ما شابه ذلك من أمور بسيطة، وقرروا أنها ذريعة جيدة كأي ذريعة أخرى. إنه لأمر مخزٍ حقاً عجزه عن ضبط نفسه أكثر، فأقل ما تحتاج إليه عائلته هو أمر كهذا." سأل زوريان بفضول: "لمَ؟ ما العيب في عائلته؟" أجابت تينامي: "عائلة بورانوفا النبيلة عائلة عسكرية. لقد عانوا كثيراً في حروب الشظايا." سأل زوريان: "آه، أهذا يشبه ما حدث لعائلة نوفيدا؟ أأُفرغت أصولهم أيضاً؟" قالت: "آه، أنت تعلم بشأن ذلك... لا، ليس هكذا. لقد تجاوزوا البكاء دون خسارة الكثير من الناس، على عكس عائلة نوفيدا. لكنهم ما زالوا يعانون خسائر مشلولة في تفكك التحالف القديم، وهم بعيدون كل البعد عن التعافي. أن يتصرف الوريث المعين للعائلة هكذا... لن يساعد ذلك العائلات الأخرى على أخذهم على محمل الجد مجدداً." همم... إذن عائلة بورانوفا بدت ضعيفة، لكن ليس لدرجة نهب الناس لهم كما فعلوا مع عائلة نوفيدا. لم يكن من مصلحتهم تدمير سيوريا على الأرجح، فلمَ يدعم فايرس الغزو إذن؟ تأمل زوريان بصوت عالٍ: "ربما لا يكترث لعائلته وحسب؟" أجابت تينامي: "كنت سأسخر عادة من فكرة وريث عائلة نبيلة لا يكترث للعائلة التي أمضى طفولته كلها في التدرب لتولي زمامها في مرحلة ما، لكن هناك شيئاً غريباً يحصل بوضوح مع فايرس. لذا لا أعرف. إنه أمر محتمل." رغم طرافة تفسيراتها، عجرت تينامي في النهاية عن إخبار زوريان بمكان العثور على فايرس. وبما أن تينامي كانت الأخيرة بين زملائه التي نوى سؤالها عن الشاب المشاكس، فقد كانت هذه نهاية تحقيقه الحالي. لقد كان... مفيداً على نحو مفاجئ. غادر الصف للبحث عن زوريان والإبلاغ عن نتائجه. قرر المسافر الآخر عبر الزمن التحدث إلى كسفيم بشأن تلقي دروس سحر العقول بدلاً من مرافقة زوريان إلى الصف، لكن ينبغي أن يكون قد انتهى منذ وقت طويل. - فاصل - المثير للدهشة، أن زوريان حين بلغ مكتب كسفيم فعلياً وجد زاك لا يزال بالداخل. قد يكون هذا جيداً للغاية أو سيئاً للغاية. لم يضطر للانتظار طويلاً، لحسن الحظ. بعد خمسة عشر دقيقة تقريباً من وصوله، انفتح الباب وخطا زاك خارج المكتب. سأل زوريان: "إذن، كيف سار الأمر؟" أجاب زاك: "متحمل بشكل مفاجئ. لا يزال مسيئاً نوعاً ما، لكنه لم يستفزني صراحة هذه المرة." قال زوريان: "نحمه، هذه شخصيته الحقيقية قدر استطاعتي التبين. إذن أوافق على تعليمك؟" أكد زاك: "نعم. كان الأمر سهلاً. لقد اتفقنا على اتفاقية حول ذلك في أول خمس عشرة دقيقة أو نحو ذلك." سأل زوريان بفضول: "إذن ماذا كنت تفعل طوال هذا الوقت؟ أقرر عقد درسك الأول هناك وفوراً؟" أجاب زاك: "لا. نعم." رمقه زوريان بنظرة خالية من المرح. "ما أعنيه، أنه أعطاني درساً موجزاً في النهاية هناك، لكن ليس هذا سبب استغراق الأمر طوال هذا الوقت. أمضينا معظم الوقت نتجادل حول نظريتك القائلة بخضوعي للإكراه. وجد أنه من الغبي مني عدم جعل شخص يفحصني فوراً لنرى إن كان هناك أي صحة في ذلك." أخبره زوريان بفظاظة: "حسناً، إنه محق. حتى إن لم تثق بي لفعل ذلك، فيتعين عليك على الأقل دفع المال لأحد سحرة العقول المعمدين في خدمة نقابة السحرة لفحصك. إنهم موثوقون للغاية. لقد استخدمت خدماتهم بنفسي في مرحلة ما." قال زاك: "أنا أثق بك في الواقع أكثر من ثقتي ب'الخبراء' أمثال هؤلاء. الأمر فحسب... لا أريد من أحد استخدام سحر العقول علي. أن يجعل أحدهم ينظر في أفكاري هو ملاذي الأخير قدرتعلق الأمر بي. هذا الإكراه، إن وجد أصلاً، ليس مسألة ملحة بوضوح. لقد أصبح عديم الأهمية في هذه المرحلة. أفضّل قضاء الوقت في تعلم كيفية التعامل مع هذا بنفسي." قال زوريان: "إن كنت تقول ذلك." خاضا هذا النقاش من قبل. لا داعي لإعادته. "في أخبار أخرى، كنت أسأل في صفنا عن فايرس..." أخبر زاك بالقليل من الأمور النادرة التي اكتشفها من استجواب زملائه. الحقيقة الأهم، بالطبع، هي أن عائلة بورانوفا النبيلة بدت وكأنها تبحث عن فايرس هي الأخرى. هتف زاك: "تباً. أخمّن أنه ما من جدوى من اقتحام قصرهم الآن، أليس كذلك؟" "إن عجزنا عن تعقب فايرس بنهاية حلقة إعادة البداية، فينبغي علينا فعل ذلك على أي حال. فقط للتأكد، أتعلم؟ لكن إن كانوا يبحثون عنه حقاً، فهو ليس هناك على الأرجح." قال زاك: "لا أستطيع الفهم. شخص مثله مميز للغاية لدرجة اختفائه البساطة. عيناه وحدها تضمنان ملاحظة معظم الناس لمروره أينما ذهب. ومع ذلك وكأن الأرض ابتلعته. ربما خرج جسدياً من الحلقة؟" قطب زوريان جبينه. نظرياً؟ يمكن أن يحدث ذلك. فنسخ الناس داخل حلقة الوقت حقيقية تماماً كنظرائهم في العالم الحقيقي. ومع استبعاد تدخل الحارس، ينبغي أن يكون ممكناً لنسخة ما ببساطة الخروج من واقع حلقة الوقت إلى العالم الحقيقي. قال زوريان: "أخمّن أنه محتمل، لكن ينبغي ألا نستبق الأحداث. لنحاول تحديد مكانه أولاً ونرى ما يحدث." هز زاك كتفيه: "لا أرى ما يمكننا محاولته ولم نفعله بالفعل. بصرف النظر عن اقتحام قصر بورانوفا، ونحن نعلم مسبقاً أن هذا مسدود الأفق غالباً." قال زوريان، رغم موافقته الكبيرة لزاك: "حلقة إعادة البداية لا تزال فتية. سننتظر ونرى إن كان سيظهر في مكان ما. لعل عائلته، بقوتها البشرية ومواردها الهائلة، تستطيع تعقبه نيابة عنا." لم يكن الأمر وكأنهما بلا شيء لفعله في هذه الأثناء. - فاصل - على مدى الأسبوع التالي، طوّر كل من زوريان وزاك دروسهما ببطء مع كسفيم وألانيك وراقبا فايرس. للأسف، لم يظهر وريث بورانوفا في أي مكان ولم تسفر محاولاتهما للعثور عليه عن شيء. بل إنهما زارتا العديد من المستوطنات القريبة من سيوريا في بحثهما، ليعودا بخفي حنين. طرح زاك فكرة ربما ذهب فايرس عمداً إلى مكان بعيد جداً بدلاً من الالتزام بالمدينة ومحيطها. في هذه الحالة، قد يحالفهما حظ أوفر في تعقبه في بداية إعادة البداية، قبل أن يتيح له الوقت الابتعاد كثيراً عن الأراضي المألوفة. كانت فكرة جيدة كأي فكرة أخرى لديهما، لكنها لم تنفعهما بشيء في هذه اللحظة. ولم تشرع أيضاً لِمَ قد يرغب فايرس في فعل شيء كهذا. رغم مشكلاتهما في إيجاد فايرس، كان زوريان سعيداً. لقد حصلا أخيراً على دليل حقيقي بشأن هوية صاحب الرداء الأحمر، ووافق ألانيك على تعليمه المزيد عن سحر الأرواح وسارت مشاريعه الشخصية بشكل لطيف. لقد نجح حتى في إقناع تايفين بقبوله وزاك كمسافرين عبر الزمن، رغم ارتيابها الشديد في البداية. في البداية، كان الهدف من إطلاع تايفين على حلقة الوقت هو التمكن من الاستمرار في مشروع وضع خطة تدريب مثالية لها. ومع ذلك، بمجرد اقتناع تايفين بأنه كان يقول الحقيقة فعلاً، قررت إمكانيتها في مساعدته أيضاً عبر إيجاد شخص من مستوى مهارته ليتدرب معه – زعمت أنها أفضل طريقة لممارسة سحر القتال بحقيقتة، وأنه سيبدأ في الركود إن ظل يقاتل الدمى التدريبية ووحوش الزنزانات وحدها. تحقيقاً لهذه الغاية، وضعته أولاً في مواجهة زميلي فريقها ثم بعض زملائها السابقين في صفوف الطلاب الذين نجحت في إقناعهم بالتدرب معه. لقد فاز بنصف النزالات تقريباً. لكان قد فاز بها كلها بالطبع، لكن استخدام قواه العقلية أو أدواته السحرية المتنوعة كان مخالفاً لروح النزالات. قالت له تايفين ذات يوم: "أميل إلى مطالبتك بنزال. لكنه حقيقي، وليس هذه النزالات التي تقيد فيها نفسك بالتعاويذ. لكن لدي شعور بأنني سأتلقى ركلة في مؤخرتي ولا أعتقد أن كبريائي يحتمل ذلك." أجاب زوريان: "نعم، لو واجهتك دون كبح لنفسي لكنت حطمت حواجزك العقلية وفجرت عقلك إلى غياب الوعي. لا تمتلكين القوة لإسقاطي قبل أن أفكك دفاعاتك العقلية. لقد فعلت مرة، لكن ليس بعد الآن." أومأت برأسها: "نعم، أدركت الأمر كذلك. ولا تجعلني أتحدث عن كل تلك القنابل التي تحملها. لقد رأيت الاختبارات التي أجريتها أنت وكايل بكل تلك قنابل الجرع التجريبية. يمكنك هزيمتي غالباً بمجرد تشبع المنطقة بأكملها بها، نظراً لعدد ما صنعت منها. أهي باهظة الثمن كما تبدو؟" تأفف زوريان: "أسوأ. القنابل بحد ذاتها ليست سيئة إلى ذلك الحد، لكن التجارب اللازمة لصقل وصفتها لتصبح بهذا القدر من الفعالية تقتل مخزون أموالي. أوشك على نفاد النقود هذه الأيام في الواقع. يبدو أنه سيتعين علي بدء سرقة الغزاة بعد كل شيء." هزت تايفين رأسها بحسرة. قالت: "تقول ذلك بعفوية تامة. أعتقد أن أمر حلقة الوقت هذا يؤثر عليك بسوء." ابتسم زوريان: "أمر مضحك، يعتقد معظم الناس أن حلقة الوقت حسنت سلوكي. لكن نعم، أخمّن أنني أصبح أسوأ حقاً في بعض النواحي." بعد نقاش قصير حول أخلاقيات حلقة الوقت والسلوك المباح للأشخاص الواعين بإعادة البدء، ودع اثنتاهما الآخر واتجه كل منهما لمنزله. في صباح اليوم التالي دخل زوريان وزاك مكتب كسفيم، معتقدين أنهما سيحظيان بدرس روتيني آخر من الرجل. لكنهما كانا مخطئين، لأنهما بمجرد وصولهما وجدا المكتب مشغولا مسبقاً بشخص ما. كان ألانيك. كان هو وكسفيم يتبادلان أطراف الحديث بارتياح حين وصل زاك وزوريان، يحتسيان الشاي ويتصرفان عموماً كصديقين قديمين التقيا أخيراً بعد فراغ. قال كسفيم: "آه، السيد كازينسكي والس السيد نوفيدا. الشخصان اللذان كنّا نبحث عنهما تماماً. تفضلا بالجلوس. كان السيد زوسك يتبادل معي للتو بعض القصص المثيرة للاهتمام..."
أم التعلّم الفصل 57 — غير مرغوب فيه
اقرأ أم التعلّم الفصل 57 — غير مرغوب فيه باللغة العربية على مانجا تايم.